أبونا
قصة قصيرة
نزار عبدالستار
أبونا
نزار عبدالستار
 
أقفلت امنا الباب لأننا لا نعرف كيف نعود اذا خرجنا. ادارت المفتاح في القفل الاسود واخرجته بالخفة نفسها التي تعيد بها للمطبخ بهاء ما قبل الاكل ، وبالتدبير الذي يليق بام بيت مثلها. فعلت هذا بنية لم نكتشف قسوتها الا بعد ان نسينا وزنه والمكان الذي كان يوضع فيه. احتفظت به الى زمن اجبرنا على ان نألفه كما الفناها ، وان نبر بتبعيته لها كعضو تأنث بالتوصيل ، او كشيء كنا نلاعبه في مرحلة القماط ، نعضه ، ونحك به لثتنا في موسم الاسنان. علمنا حرصها ان ننظر اليه وهو في يدها كأصبع سادس نبت لها لكي تمسكنا بقوة حتى لا نضيع منها كاخوتنا الذين ذهبوا ، وكأبينا الذي لم يعد.
قبل ان تحمل مفتاح باب بيتنا الى الابد ، كانت امنا تحب النهار والليل ، وبابنا يطرق يومياً ، وكنا نشعر بها ترتج بلحمها الفائض مع صوت البـاب ، وترتبك خصوبة الوان ثيابها ، ولكنها سرعان ما تهدأ وينطفيء فيها اللون الاحمر والابيض ليعود طيفها الشمسي الجميل الى صفرته الساخنة. قبل ان تحبل امنا بقلقها وتتوقف عن تربيتنا بسيرة ابينا ، كنا نحاول اخلاء اجواء تحركاتها الصباحية. نتركها تمسح وتكنس وتقترب من صورته التي في صدر الايوان. كانت تلعن الشيطان ومخاطه ، والعناكب ولعابها وهي تدنو من ضوئه القديم واناقته المحنطة. تضبب الزجاج ببخار انفاسها القلبية لتعيد لانفه وشفتيه وحاجبيه وشعره المدهون بريقهم الطبيعي وهو امام عدسة مراد الداغستاني وكنا نساعدها فنفرغ ذاكرتها في طقوس حلاقة ذقوننا وبقياسات عظمنا الخشن. نتقاسم ثيابه الخارجية والداخلية واحذيته واربطة عنقه ومقادح الكاز والخواتم والاحزمة والدشاديش ولم نترك لها غير تلك الاستذكارات السرية التي كانت تجعلها تنثر ابتساماتها المترملة في فراغها الواسع. كان ابونا اول من خرج وبعده اخوتنا الذين فقدهم الهلال والصليب ، و لم يبق منهم غير ملابس صلبة و بطانيات خضر و(بساطيل) تكدست في صناديق اعتدة وشهادات تخرّج لقسم منهم ، وصورة بالوان غير طبيعية لواحد وهو مع النجمة الاولى.
بعد ان اقفلت امنا الباب ، استهلك المفتاح لحمها ، اصبحت نحيفة ومتحدبة ، تئن بنغمة وحيدة ورتيبة مثل قوس النداف ، ونحن من عتبات الغرف نراها تدور خلف ما يسلت تعبها وتسكب الماء لشجرة الزيتون التي زرعها ابونا قبل ميلادنا ولم ينبت ظلها الى الان. نراقبها ونقول سيقع المفتاح من شيخوختها ويضيع منها المكان ، ولكن عزيمتها غلبت مكيدة الزمن واستمرت تحرس مفتاح بيتنا الحديدي الضخم بحلقته الكبيرة وببدنه الطويل المنقوش بصور من معركة قديمة. يجهدها ثقله الاصيل. تنقله من يد الى يد ، وعندما تتربع في عزلتها تنزله ليستريح منها في وهدة ثوبها الاسود. كانت تقول لتبعد عن قلبها سوء ظنها بنا ان هذا المفتاح هو في الاصل مفتاح باب الجسر ، وان حسن افندي العمري ، رئيس البلدية ، هدم الباب في سنة (1891) مع ملحقاته من السور لان الاعداء اصبحوا يطيرون ويأتون من السماء ، واهدى مفتاحه الى جدها. وكنا نراها تقلب به الرز بعد ان ينشف ، وتتكزبر جلودنا ونحن نشاهدها تكسر به الثلج ، ويصدأ البياض في عيوننا كلما اعادت به دق المسامير النافرة من ثقوبها. ومع الايام كثرت وظائف المفتاح المطبخية ، فهو اقرب اليها من الملعقة والمغرفة والهاون. تنتشل به الباذنجان والبطاطا من المقلاة ، ونشاهدها وهي تطحن به الهيل والسماق. تلحسه لتقيس درجة الملوحة والحموضة ، وتشم منه نكهة الفلفل والكاري والكمون. وغالباً ما كنا نتذوق عرق يدها والبصمات التاريخية الساقطة منه لانها كانت تطبخه مع الدولمة وتستعمله كغاطس يمنع اصابع ورق العنب ، ومكعبات القرع ، وكرات البصل من السباحة في عصير الطماطة.
قبل ان تغلق امنا الباب ، كنا نبذر الايام لانها كانت كثيرة وتذهب بسرعة. حتى امنا التي تبدو الان بوجهها القاحل السداسي الشكل وبعينيها القريبتين من سقف رأسها فعلت هذا باسراف ومتعت شبابها ببهجة تلك الايام. كانت امنا في عصرها السعيد تفتح كل ما يجب ان يغلق. ربما لان الرجولة في زمنها كانت مختلفة تماماً. او ربما لانها خالفت المألوف وعاشت واقفة ولم تجلس لتنتظر كما نفعل نحن الان. كنا نعثر على تاريخها العريق في الصناديق القديمة المليئة بالصور التذكارية ، وفي التحف التي كانت تؤثث بيتنا قبل ان تجمعها وتذهب بها الى مزاد الاخلاص في شارع خالد بن الوليد. أما مهاراتها في صنع الحلويات ، وفنونها الكعكية والكبية ، فهي دليلها الاكثر قوة على رقي نسبها. وكانت في عزائمها الشهيرة تفتخر بان اسرتها هي التي ادخلت (الباجة) الى البلد قبل ثلاثة قرون من شيوعها في خلافة المنتصر بالله ، وانها ساهمت ايضاً في تأصيل (الكشكا) في الدولة الحمدانية ، والبرمة في دولة الاتابكة ، وجعلت الباسطرمة اكلة شعبية بعد الاستقلال الوطني. واذا كانت امنا الان متأكسدة البشرة ، متفحمة الثوب والقلب ، ولها معدة قطة ، تشبع من كثرة تذوقها الطعام قبل نضجه ، فأنها المرأة الوحيدة في الجانب الايمن من المدينة التي عاشت حياتها بالطول وبالعرض ، وانها اول وآخر امرأة في تاريخ الموصل تظهر صورتها على غلاف مجلة الشبكة كأجمل وجه لصيف (1963). كنا نتطلع بذهول الى صور سنوات عسلها مع ابينا وهي بخجل ذلك الزمن في مايوه فاتن من موديلات (1966) ، تركل بقدمها موجة للبحر الابيض على الشاطيء البيروتي ، او تهاجم بنزق ذلك الوقت الكاميرا في اللاذقية ، او وهي تقف بأول انتفاخ لها بين اشجار ملونة بخضرة تونسية ، ونراها بعيدة الوجه ، تجلس الى مائدة على جانبها القريب فريد الاطرش مع خطيبته سلوى قدسي. وقبل ان تبيع التلفزيون ، كانت تجعلنا
 
ننتظر لشهور عديدة اغنية السهرة لتشير باصبعها المرتجف الى متفرجة في جمال شهرها الثاني من الزواج ، تصفق باناقة لأم كلثوم وهي تغني انت عمري ، سوتقول لنا : هذه أنا.
بعد ان اقفلت امنا الباب ، شعرنا بحب كبير نحو الاماكن التي في ذاكرتنا. حاولنا ان نحافظ بالثرثرة على ما نعرف ، ولكن امنا كانت تكره ان نعيد ونصقل في الكلام لانها تخاف علينا من غدر الذاكرة ، وهذا ما جعلها تراقبنا بحذر رغم وضوح الدلائل التي نتركها لفطنتها كي تظن اننا لم نعد نرغب في الخروج. كانت تتصرف بأمومة قاسية. توزع علينا اطباق الطعام ونحن نلوذ ببرودة الجدران ، ثم تجلس لتستمع باذنها الكبيرة الى موسيقى ملاعقنا . وعندما يتوقف عزف الجوع تمر بنا لترد الى افواهنا بقايا الرز الملون بالمرق خوفا منها على ضياع البركة. وتقف على رؤوسنا عند المغسلة لتعلمنا كيف نغسل ايدينا ووجوهنا ، وكيف نزيل عن شواربنا الدهن. وكانت في نشاطها المسائي تدخل قبلنا الى الحمام ثم يطلبنا صوتها الواحد تلو الاخر. الخارج يخلع القبقاب للداخل. ترغمنا على هذا لاننا نكره الليفة مثل ذلك الرجل. وفي الليل تسلينا ببذور البطيخ والشمزي التي تحمصها لنا قبل ان ننام. تبيض شفاهنا بملوحة حبنا للاماكن التي تركناها في الذاكرة. ولكنها كانت تلتزم بحيادها لتحذرنا من عدم ترك أي شيء للنمل ، ولكننا لا نهتم فنتحدث عن ابسط ما كان يجب ان يحدث ولا ندري كيف لم يحدث. ونكاد نفطس من الضحك على اخينا عاشق زينب ابنة عمه الذي قال له عمه قحطان قبل سبع عشرة سنة ان عليه ان ينتظر حتى تستطيع زينب ان تلد ، وكانت امنا تضربه بالمفتاح على كعب قدمه لانه كان يسب عمه ويقول كيف ستلد زينب اذا لم يتزوجها. وكنا نسألها عن الاشياء التي فقدناها بلا سبب معقول ، ونشترك ورائحة السينما في انوفنا بالحديث عن الذي فعل ما فعل من اجل حفنة من الدولارات ، وعن الذي قتلهم جميعا وعاد وحيدا ، وامنا تغش حزنها الاثري بابتسامة لم تعد ساحرة ونحن نثرثر ، نبصق القشور ونتكلم عن اجمل ما كان باستطاعتنا ان نفعله في مراهقتنا. عن لعبنا للدومينا في مقهى صحارى ، وعن اكلنا فلافل بدر ، وتسكعنا في ليل الدواسة ، عن اول قنينة بيرة شربناها ، عن ربطنا كتبنا المدرسية على المقاعد الخلفية وذهابنا في قافلة من الدراجات الهوائية الى الشلالات. كنا نرهق سمعها بمسايرتنا للنهر من شط الحصى ، وكيف كنا نطفو على ظهورنا في دجلة لنتمتع بمنظر الجسور وسيقانها من الاسفل ، وفي خيالنا التنورات والفساتين القصيرة حتى نصل الى سدة الدندان. وكنا نسألها عن الغابات ، ومهرجان الربيع ، ويخت كازينو جسر الحرية ، وعن عيدي المعلم ودير ماركوركيس ، ولكن امنا الملفوفة بسوادي الليل وثوبها تقول وهي تعصر المفتاح بيديها باننا نخرّف ، وان هذه الاماكن والاحتفالات لا وجود لها ، وانها هي ايضاً في استرخاءات كهذه تتخيل اشياء عجيبة ، وانها غالباً ما تظن في اوقات الطعام انها في يوم ما اكلت الملوخية من يد شويكار في بيت فؤاد المهندس رغم انها لم تتجاوز في حياتها حدود بلدية الموصل. 
قبل ان تغلق امنا الباب وتحبسنا ، كنا نتمتع بحرية ألاّ نتدخل فيما لا يخصنا ، وكان ابونا في مقدمة الاشياء التي لا نملكها. كنا نختزن طاقة كبيرة. نسيل فحولة ليلاً ونهاراً ونتقندل بالدم الحار من نعومة القميص ، ورغوة الصابون ، ولكن هذا لم يكن ليفسر لنا أي شيء. امنا هي افضل النساء في معرفة كيف يملأ الرجل عين المرأة. كان زوجها من النوع الذي لا يترك خلفه غير الانبهار والاحساس العميق بالتفرد والروعة والانتماء الى حضارة متفوقة ، مثل قطعة آشورية محفوظة في متحف. كنا لا نعرف كيف يمكن لاب أن يستمر في قداسته الى هكذا زمن دون ان يترك لنا أي اعتقاد بانه يأكل وينام ويغضب ويدخل الى الحمام ويخرج الى الزقاق بملابسه الداخلية ، ينظف المبردة ، ويلاحقنا في المدارس. يقطر عرقا وهو يحمل لامنا اكياس الخضراوات. كان ابونا
على استعداد دائم للمغادرة الى حفل ما او مناسبة هامة. يلمع كرما واناقة ، ويمارس انسانيته بسرية تامة لذلك فقد توقف نموه في ذاكرتنا عند اب يدخل ويخرج فقط ، واكتفينا بشرف ان نكون ابناء رجل مهم ، كما اكتفت امنا بفرحة انها ابرمت عقد نكاحها مع ملاك. وعندما كبرنـا ادركنا اننا بحاجة الى اب نثق برحمة قلبه ، يعلمنا كيف نضحي في سبيل شهوة قانونية. انتظرنا ان يشبع سياحة في العالم الذي لا نعرفه ثم يعود ليطرق بابنا ، ولكن اخانا الكبير قتل لهفتنا. كان يعرف الكثير عن ابينا ، وكنا نراه يعود من نهار الخميس ، يدخل علينا وقد علق على كتفه الايمن حقيبة القماش الخضراء. وبخشوع جنائزي نشاهده يعبر الحوش تحيطه عجاجة من غبار ، تدوم في الايوان ، محركة ريش المروحة. وقبل ان يعلق الحقيبة يبصم بشفتيه على القماش قبلة عاشقة تقشم لها قلوبنا. كان لسنوات عديدة أكثرنا هوساً بالماضي. يجمع الادلة المتناقضة ليبرهن على صحة خياله. هو الذي ادخل الى رؤوسنا فكرة اننا بحاجة ماسة الى أب. لم نكن نعلم ان سيرة ابينا بهذا الاتساع ، وكنا نصدق كل ما يقصه علينا من مصادفات الكلام ، ونفخر بان الخباز والمحامي وبائع الجرائد والصيدلاني والشربتلي وعمداء الجامعة يحتفظون لابينا بسمعة مشرفة. ونجده يتعب في الحصول على الوثائق الاصلية. كان يفعل هذا بعيدا عن ارشادات أمنا لانه يخاف على موضوعية بحثه من عواطفها. ونجح في العثور على الادلة : جرائد قديمة ،
أشرطة صوتية ، وثـائق بخط اليد ، مستمسكات مصدقة ومختومة حسب الاصول ، كتب متفرقة ارخت انجازاته في مختلف المجالات ، الا ان هذا الارشيف زاد من غموض شخصيته وابعده عنا لان الحقائق كانت خيالية اكثر مما يجب ، والاعمال عجيبة مقارنة بما يستطيع الانسان ان يفعله في حياته القصيرة. اكتشفنا انه هو الذي وضع التصاميم الهندسية لجسر نينوى الحديدي في سنة (1933) ، وانه وضع مخططات تنبؤية تسعى الى جعل الموصل المدينة التي تمتلك اكبر عدد من الفنادق والمطاعم في العالم. كما اسس في اعقاب الحرب العالمية الثانية خمس جمعيات تعمل على تطوير التراث بانواعه وربطه بالواقع الحديث ونقله من الماضي الى المستقبل. كما ترك خلفه سبعة دواوين شعرية ، واربع مسرحيات ، وحصل على ثلاث براءات اختراع في الميكانيك ، وعمل سفيراً في زائير ورئيسا لجامعة الموصل ، وهو ايضا بطل آسيا في رفع الاثقال ، وكان يملك مطبعة في شارع النجفي. واكتشفنا انه كان طبيب انف واذن وحنجرة ، وله عيادة في شارع غازي. اما بسام الجلبي في موسوعة اعلام الموصل فقد قال عن ابينا انه عمل في مجال الاثار وترك العديد من المؤلفات التاريخية ، وانه شغل وظيفة مدير عام آثار ومتاحف المنطقة الشمالية ، وانه تزوج من امرأة نمساوية تدعى (آنا غونتر) كانت ضمن بعثة اثارية عملت في موقع تل الذبان ، وانه لم ينجب سوى ابنة وحيدة اسمها عشتار. احتفظت امنا طوال فترة انشغالنا بالبحث عن الحقيقة بصلابة المرأة التي تحترم قرارات قلبها. امنا التي نسيتها الوثائق والصحف والموسوعات كانت على صلة قوية بأحاسيسها. تستيقظ في الصباح الباكر وهاجسها الوحيد أن تسرع في الكنس والمسح والغسل والشطف كي لا تتأخر عن الطبخ لأن بابنـا كـان يطرق دائما واحتمالها الوحيد اننا سنعود ، وأنه سيرجع. كنا نتآكل شكا وريبة وهي تتصرف كزوجة مطمئنة الى ان جهر اخينا الكبير باتهاماته. طالبها بالكشف عن الحقيقة التي تعذبنا. استمعت بهدوء الى الكلام القاسي ثم استمرت في تأدية واجبها. حملت الينا صينية الشاي واتجهت الى الدرج. صبت الكاز على رأسها وكتفيها وصدرها. بدت بسوادها المتفحم مثل فتيلة مدفأة مستهلكة ، متعرجة الاستدارة وهشة. سارت الى ان جلست على عتبة باب حجرتها ومدت يدها الى الشمس
تنتظر ان تجف علبة الثقاب. شربنا الشاي ونحن نهديء اعصابها بشفيطنا الذي كان يشعرها بجمال الحياة. وفي يوم من الايام ، عاد اخونا بالخبر المحزن. لم يقل اكثر من ان ابانا قد مات. ضحكت امنا وهي في فم قنطرة الباب ، واستمرت في غسل ملابسنا. لم يمض سوى القليل من الاسى حتى عثر على قبره. ملأ ساحات المدينة واشارات المرور بلافتات سود تنعى الرجل المهم ، واقام مجلس الفاتحة في الزقاق. رفضت امنا الاعتراف بموت زوجها واتصلت بالشرطة طالبة تفريق التعازي الوهمية ، ونشرتنا في المدينة لجمع وتمزيق اللافتات السود ، لكن اخانا قاوم هذه الاجراءات وصمد حتى بعد ان هاجمت البلدية مجلس الفاتحة وصادرت الكراسي والمنقل والفناجين والمسجل واجبرته على دفع غرامة كافرة لافتتاحه المقهى دون اخذ موافقة الجهات المختصة. لم يستسلم. جلس بمفرده على ارض الزقاق يقرأ القرآن بين صينية السجائر ودلة القهوة وحوله ثلة من المراهقين وجدوا في حزنه الفرصة المناسبة لاشهار تدخينهم.
اعدناه الى البيت بعد مساومة قبلنا فيها شرطه بأن لا يترك اعتقاده. سمحت له امنا بالذهاب في كل خميس الى مقبرة وادي عقاب ، الا انه انقطع بعد شهر ونصف عن تأدية هذا الواجب واخذ يشرب العرق. حاولت امنا اخفاء مجونه والتستر عليه ، ولكن فضائحه الليلية استفحلت ولم تعد تتقبل علاج الصمت والكذب. نذرت امنا النذور ، وزارت مرقد قضيب البان ، واشترت لجامع النبي يونس سبعة اباريق من النايلون. وفي ليل بارد ، عاد الى البيت ليعلن عن خبره السعيد. قال لنا بانه سيتزوج من حسنة ملص صاحبة ملهى الاندلس ، ثم خرج من البيت. بحثت امنا عنه في الملهى وخمارات شارع الدواسة دون جدوى. عرفنا بعدها ان الشرطة قبضت عليه لقيامه بفعل فاضح ، فقد تعرى تماماً وتسلق تمثال ابريق شجاع بن منعة الذي امام مبنى البلدية وراح يرقص بجنون. تم ترحيله الى مستشفى العاصمة. رافقته امنا في تلك الرحلة لكي تتعرف على الطريق الذي ستسلكه بعد ذلك في يوم الاثنين من كل اسبوع ولمدة تسع سنوات ، وفي محطة القطار بدا مقمط الجسد ، محبوس الروح ، تسبح الاسئلة في بياض عينيه وهو ينظر الينا باتساع يريد ان يشبع وكأنه يعرف بانه لن يعود.
بعد ان اقفلت امنا الباب صرنا اكثر خوفاً على شجاعتها من الشتاء والصيف واقل اهتماماً بالارقام. كنا نتسلى بلدغ معارفها الامنة في رأسها حتى نسرقها من حزنها الروتيني ، ولكننا مع الايام اصبحنا اكثر جدية ونحن نسألها ، في أوهامنا العابرة ، عن حاصل ضرب سبعة في تسعة ، وكان عددنا اقل مما انجبت بكثير ، لذلك كنا نستخدم في القسمة والضرب المبادئ الفطرية في المحاسبة : (هذه لك ، وهذه لي) وامنا المسكينة تشبك اصابها غازلة صمتها الكئيب ، كاتمة سرها الاسود ، ولكننا كنا ندرك ان احدهم يستغل عشقها للبهارات والدهن والشاي الثقيل وما يكبس حنينها الازلي الى اوقاتها الطيبة من (شلغم وشوندر وتعروز) منغصاً عليها عيشها بآلام الصدر والظهر والبطن ووجع الرأس وغشاوة البصر. ونراها تنقهر مضللة شفقتنا بالمخاوف البسيطة التي عادة ما تمر بنا في الليل والنهار حتى لا نعرف انها بدأت تخاف من الذي ينتظرها. ايامنا متشابهة مثل ملامحنا التي تنتسب الى غرام امنا المجنون الذي كان يأخذ في كل بطن لها قطعة من ابينا ، موزعة علينا انفه وشفتيه وذقنه وجبينه العريض. وفي حواراتنا الليلية تقول عن عاشق زينب انه اخذ عن ابيه عينه الفارغة. كان اخونا السمين اكثر استهزاءاً بمحارم الكلام واقلنا تمسكا بالادب. ربما لانه كان يتعامل مع رغباته باستسلام لا يفهمه
سوى من كان من مواليده القديمة ، ولكن تلك المكاشفات هي من اخطر مشكلاتنا ، ذلك لان امنا لا تمتلك الوسائل الفعالة في منعنا عن التفكير في النسوان. كانت في ايامنا الخضر تفتش اماكننا بدقة. تسلبنا الصور الصغيرة المتهرئة والمبقعة بالبياض ، وتعادي الجيران كلما انذرتها المبادلات البيتية في ساعات الطبخ ان في الامر اناقة غير طبيعية ، فقديما كان الحب يبدأ من مواقف كهذه ، من طلب رؤوس البصل او الثوم او من تبادل اطباق الطعام في الاعياد ومناسبات الزواج والموت ، ولكن امنا لم تكن تقبل ان نتعب في تحليل ابتسامة خاطفة قد لا تكون لنا ، او في تفسير نظرة ربما لم تقع علينا. كانت لا تريد ان نجد فرصة تمكننا من استخدام الخروج او الدخول في اقتحام محادثات الباب او الزيارات القصيرة ، ولم تكن تتباهى بنبوغنا في مادة الرياضيات او الانكليزي او الاحياء رغم اننا كنا نبذل ما في وسع خطنا من وضوح ، وننقش دفاترنا المدرسية بقصائد ذنون الشهاب في انتظار المعجزة. امنا التي كانت تضربنا بالنعال كلما قبضت علينا ونحن نغسل بالخفـاء ملابسنا الداخلية ، تركتنا في سنواتنا القصيرة نصلب على اعمدة الكهرباء في شارع ثانوية الخنساء للبنات دون ان نعثر على من يحبنا. نلتقط من الارض اوراقنا الصغيرة المتسخة ، وصدورنا تشتعل بالالم ، اما الان فقد ادرك عاشق زينب ان رسائلنا الجميلة المسروقة التي كنا نسقطها بين الاقدام ، عند انتهاء دوام المدارس ، لم تعد تليق بقلوبنا الحزينة. كان يعذبنا بخياله الجامح وهو يعرف باننا لن نراهن عليه. وفي ليل ماطر ترك لنا ورقة كبيرة قال فيها انه هرب الى بيت عمه قحطان. صعدت امنا الى السطح متتبعة آثار مغامرته القاتلة. لم تقل أي شيء ، وبدا الامر ابسط بكثير من قلقنا ، ولا يحتاج الى شهادات كاذبة. شعرنـا بسعادة كبيرة ، وبدأنا نفكر بالمفتاح من جديد. وفي الليل التالي سمعنا طرقا عنيفاً على باب الدار. كانت امنا تشرب الشاي مراقبة نار مدفأة علاء الدين عندما وصلنا صوته الصارخ في جوف الظلام. اردنا ان تفتح له الباب ، ولكنها رفضت مدعية أنّ ما نسمعه هو صدى صوت سكان اجسادنا من الجن الذين يحاولون بتمثيلياتهم الليلية تصحيح اخطاء النهار. بقي مؤجر جسد عاشق زينب يبحث باظافره وصوته عن منفذ يخبرنا من خلاله ان زينب قد تزوجت وانجبت تسعة اولاد وماتت منذ زمن عتيق ، قتلتها جلطة دماغية بعد أن بلغت السبعين. كان يصرخ طوال الليل ويدق الباب والنوافذ المغلقة محذراً من التصحر والذئاب ، وامنا تقرأ المعوذات وتنفخ الى ان غلبنا النوم.
اقفلت امنا الباب لاننا لا نفهم شيئاً ، ولا نعرف كيف نعيش. علمتنا ان نطيعها ، وان نقدس قراراتها التي لا نشك ابداً في صوابها. صرنا ننام كثيراً ، ولكنها كانت تعرف متى يجب ان نشتغل. نسقي شجرة الزيتون ، وهي تبحث عن ظل. ننظف السجاد ، وهي تلفه. نعصر غسليها ، وهي تنشره. تشعر بالفخر ، ونحن نقف معها في المطبخ. تملك الدنيا ، عندما نساعدها في التفريق بين الكاري والفلفل الاسود. كنا نشعرها بالامان ، لان لا شيء اقسى في عينيها من ابن يكبر. كنا لا نتغير حتى لا نحزنها. وفي اوقات متباعدة ، تهاجمنا ذكرياتنا القديمة التي تجعلنا نكذب. نحن لم نتزوج ، ولا نملك مالاً ، ولا احد يعرفنا حتى نتباهى باولادنا وبيوتنا وسياراتنا ومكانتنا بين الناس ، لذلك فنحن لا نستطيع نسيان نفر كباب اكلناه في مطعم كويسنجق ، او اهمال المرات التي عدنا فيها الى البيت في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، كنا نكذب لاننا لا نفرق بين الاقشمة ، ولا نعرف كيف نجمع الالوان. نفرح بملابس الشتاء التي تخرجها امنا من الحقائب والدواليب في نهاية الصيف ، ونسعد بالاكمام القصيرة في ذبول الشتاء. جديدنا لا تفارقه رائحة النفتالين. كنا نكذب ونقص عليها ذكرياتنا القديمة على
انها احلام الليلة الاخيرة ، لاننا نحب ان تفسر لنا ما نرى في المنـام ، حتى نكتشف من الرزق الذي سيأتي ، والدنيا الجميلة التي تنتظرنا ، وعمرنا المديد ، ومراتبنا العالية ، والاخبار السعيدة التي ستصلنا ، بانها تشعر بالندم والحزن علينا. نسينا الباب ، ونسيت هي المفتاح. كانت تظن ان القناعة هي دواء الخوف من الموت ، ولكنها كانت قد بدأت في التفكير بالغياب قبل ان تجعلنا نخاف عليها وعلينا من السعال والزكام وحزن القلب. بدت اكثر جرأة. لا تشعر بالخجل من وقوفها الطويل امام صورته. تترك انفعالاتها تخرج منها بحرية. فكرنا في اشياء كثيرة ، ولكننا لم نتفق. كنا نشاهدها تقترب من الصورة بشكل غريب رغم ان بصرها لم يتعب بعد. كانت تنظر الى ابينا بعشق لا يناسبها حتى خفنا ان تفتح الباب وتخرج. حاولنا ان نعود الى اهمالنا ، والى خلافاتنا القديمة ، وان نجعل همنا في بطوننا ، الا ان هذه الفوضى لم تأخذ من همتها سوى القليل ، وكانت تجد الوقت الوفير للوقوف قبالة الصورة. اكتشفنا انها مهتمة بشفتيه اكثر من أي جزء آخر ، وهذا ما جعلنا نسكت ، ولكنها لم تتركنا لخجلنا. جمعتنا وجعلتنا نجلس امام الصورة ، نراقب بدقة ملامحه وهي بالابيض والاسود. في البداية قالت انه يتحرك. كانت تؤمنا ونحن خلفها ، ننظر الى ابينا من الصباح الى المساء. وبعد ان عاد الشتاء مرة اخرى ، قالت انه يبتسم. غطت فمه بلاصق اسود يستعمل مع الاسلاك الكهربائية. جلسنا نراقبه لسنوات طويلة وعيوننا معلقة بشفتيه حتى اكتشفنا المعجزة. شعرنا بسعـادة جنونية لم نستطع معها السيطرة على عواطفنا. رقصنا ، وغنينا ، وصفقنا ، واخذنا نضرب بعضنا البعض بالوسائد ، ونرش الماء مثل القرود احتفالاً بابتسامته التي نمت وبدت واضحة واعرض بكثير من اللاصق العازل ، ولكن امنا اعادتنا الى وضعنا السابق بعد ان طبعت اسفل نعالها على ظهورنا وجنوبنا. رجعنا نرصد الحركة الصامتة بدقة والتي اخذت بالاتساع والصعود والهبوط ونحن نحاول متابعتها بشفاهنا ، وفي السنة العاشرة من جلوسنا امامه بخشوع ورهبة واحترام ومحبة ، استطعنا ان نقرأ الحرف الاول ، وعرفنا ان ابانا الذي في الصورة بدأ يتكلم.