اعدناه الى البيت بعد مساومة قبلنا فيها شرطه بأن لا يترك اعتقاده. سمحت له امنا بالذهاب في كل خميس الى مقبرة وادي عقاب ، الا انه انقطع بعد شهر ونصف عن تأدية هذا الواجب واخذ يشرب العرق. حاولت امنا اخفاء مجونه والتستر عليه ، ولكن فضائحه الليلية استفحلت ولم تعد تتقبل علاج الصمت والكذب. نذرت امنا النذور ، وزارت مرقد قضيب البان ، واشترت لجامع النبي يونس سبعة اباريق من النايلون. وفي ليل بارد ، عاد الى البيت ليعلن عن خبره السعيد. قال لنا بانه سيتزوج من حسنة ملص صاحبة ملهى الاندلس ، ثم خرج من البيت. بحثت امنا عنه في الملهى وخمارات شارع الدواسة دون جدوى. عرفنا بعدها ان الشرطة قبضت عليه لقيامه بفعل فاضح ، فقد تعرى تماماً وتسلق تمثال ابريق شجاع بن منعة الذي امام مبنى البلدية وراح يرقص بجنون. تم ترحيله الى مستشفى العاصمة. رافقته امنا في تلك الرحلة لكي تتعرف على الطريق الذي ستسلكه بعد ذلك في يوم الاثنين من كل اسبوع ولمدة تسع سنوات ، وفي محطة القطار بدا مقمط الجسد ، محبوس الروح ، تسبح الاسئلة في بياض عينيه وهو ينظر الينا باتساع يريد ان يشبع وكأنه يعرف بانه لن يعود.
بعد ان اقفلت امنا الباب صرنا اكثر خوفاً على شجاعتها من الشتاء والصيف واقل اهتماماً بالارقام. كنا نتسلى بلدغ معارفها الامنة في رأسها حتى نسرقها من حزنها الروتيني ، ولكننا مع الايام اصبحنا اكثر جدية ونحن نسألها ، في أوهامنا العابرة ، عن حاصل ضرب سبعة في تسعة ، وكان عددنا اقل مما انجبت بكثير ، لذلك كنا نستخدم في القسمة والضرب المبادئ الفطرية في المحاسبة : (هذه لك ، وهذه لي) وامنا المسكينة تشبك اصابها غازلة صمتها الكئيب ، كاتمة سرها الاسود ، ولكننا كنا ندرك ان احدهم يستغل عشقها للبهارات والدهن والشاي الثقيل وما يكبس حنينها الازلي الى اوقاتها الطيبة من (شلغم وشوندر وتعروز) منغصاً عليها عيشها بآلام الصدر والظهر والبطن ووجع الرأس وغشاوة البصر. ونراها تنقهر مضللة شفقتنا بالمخاوف البسيطة التي عادة ما تمر بنا في الليل والنهار حتى لا نعرف انها بدأت تخاف من الذي ينتظرها. ايامنا متشابهة مثل ملامحنا التي تنتسب الى غرام امنا المجنون الذي كان يأخذ في كل بطن لها قطعة من ابينا ، موزعة علينا انفه وشفتيه وذقنه وجبينه العريض. وفي حواراتنا الليلية تقول عن عاشق زينب انه اخذ عن ابيه عينه الفارغة. كان اخونا السمين اكثر استهزاءاً بمحارم الكلام واقلنا تمسكا بالادب. ربما لانه كان يتعامل مع رغباته باستسلام لا يفهمه
سوى من كان من مواليده القديمة ، ولكن تلك المكاشفات هي من اخطر مشكلاتنا ، ذلك لان امنا لا تمتلك الوسائل الفعالة في منعنا عن التفكير في النسوان. كانت في ايامنا الخضر تفتش اماكننا بدقة. تسلبنا الصور الصغيرة المتهرئة والمبقعة بالبياض ، وتعادي الجيران كلما انذرتها المبادلات البيتية في ساعات الطبخ ان في الامر اناقة غير طبيعية ، فقديما كان الحب يبدأ من مواقف كهذه ، من طلب رؤوس البصل او الثوم او من تبادل اطباق الطعام في الاعياد ومناسبات الزواج والموت ، ولكن امنا لم تكن تقبل ان نتعب في تحليل ابتسامة خاطفة قد لا تكون لنا ، او في تفسير نظرة ربما لم تقع علينا. كانت لا تريد ان نجد فرصة تمكننا من استخدام الخروج او الدخول في اقتحام محادثات الباب او الزيارات القصيرة ، ولم تكن تتباهى بنبوغنا في مادة الرياضيات او الانكليزي او الاحياء رغم اننا كنا نبذل ما في وسع خطنا من وضوح ، وننقش دفاترنا المدرسية بقصائد ذنون الشهاب في انتظار المعجزة. امنا التي كانت تضربنا بالنعال كلما قبضت علينا ونحن نغسل بالخفـاء ملابسنا الداخلية ، تركتنا في سنواتنا القصيرة نصلب على اعمدة الكهرباء في شارع ثانوية الخنساء للبنات دون ان نعثر على من يحبنا. نلتقط من الارض اوراقنا الصغيرة المتسخة ، وصدورنا تشتعل بالالم ، اما الان فقد ادرك عاشق زينب ان رسائلنا الجميلة المسروقة التي كنا نسقطها بين الاقدام ، عند انتهاء دوام المدارس ، لم تعد تليق بقلوبنا الحزينة. كان يعذبنا بخياله الجامح وهو يعرف باننا لن نراهن عليه. وفي ليل ماطر ترك لنا ورقة كبيرة قال فيها انه هرب الى بيت عمه قحطان. صعدت امنا الى السطح متتبعة آثار مغامرته القاتلة. لم تقل أي شيء ، وبدا الامر ابسط بكثير من قلقنا ، ولا يحتاج الى شهادات كاذبة. شعرنـا بسعادة كبيرة ، وبدأنا نفكر بالمفتاح من جديد. وفي الليل التالي سمعنا طرقا عنيفاً على باب الدار. كانت امنا تشرب الشاي مراقبة نار مدفأة علاء الدين عندما وصلنا صوته الصارخ في جوف الظلام. اردنا ان تفتح له الباب ، ولكنها رفضت مدعية أنّ ما نسمعه هو صدى صوت سكان اجسادنا من الجن الذين يحاولون بتمثيلياتهم الليلية تصحيح اخطاء النهار. بقي مؤجر جسد عاشق زينب يبحث باظافره وصوته عن منفذ يخبرنا من خلاله ان زينب قد تزوجت وانجبت تسعة اولاد وماتت منذ زمن عتيق ، قتلتها جلطة دماغية بعد أن بلغت السبعين. كان يصرخ طوال الليل ويدق الباب والنوافذ المغلقة محذراً من التصحر والذئاب ، وامنا تقرأ المعوذات وتنفخ الى ان غلبنا النوم.
اقفلت امنا الباب لاننا لا نفهم شيئاً ، ولا نعرف كيف نعيش. علمتنا ان نطيعها ، وان نقدس قراراتها التي لا نشك ابداً في صوابها. صرنا ننام كثيراً ، ولكنها كانت تعرف متى يجب ان نشتغل. نسقي شجرة الزيتون ، وهي تبحث عن ظل. ننظف السجاد ، وهي تلفه. نعصر غسليها ، وهي تنشره. تشعر بالفخر ، ونحن نقف معها في المطبخ. تملك الدنيا ، عندما نساعدها في التفريق بين الكاري والفلفل الاسود. كنا نشعرها بالامان ، لان لا شيء اقسى في عينيها من ابن يكبر. كنا لا نتغير حتى لا نحزنها. وفي اوقات متباعدة ، تهاجمنا ذكرياتنا القديمة التي تجعلنا نكذب. نحن لم نتزوج ، ولا نملك مالاً ، ولا احد يعرفنا حتى نتباهى باولادنا وبيوتنا وسياراتنا ومكانتنا بين الناس ، لذلك فنحن لا نستطيع نسيان نفر كباب اكلناه في مطعم كويسنجق ، او اهمال المرات التي عدنا فيها الى البيت في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل ، كنا نكذب لاننا لا نفرق بين الاقشمة ، ولا نعرف كيف نجمع الالوان. نفرح بملابس الشتاء التي تخرجها امنا من الحقائب والدواليب في نهاية الصيف ، ونسعد بالاكمام القصيرة في ذبول الشتاء. جديدنا لا تفارقه رائحة النفتالين. كنا نكذب ونقص عليها ذكرياتنا القديمة على