بغداد بلا زهور
نزار عبدالستار
نزار عبدالستار

 

بغداد بلا زهور
بغداد / نزارعبدالستار
كنا نجلس في مقدمة الطابق الثاني من حافلة نقل الركاب الحمراء نبدد زمن الفراغ بتسكع كسول حين نطق صديقي الشاعر الصعلوك قائلا :
_ اترى .. بغداد بلا زهور .
حدث ذلك في صيف عام 2002 حين كانت بغداد مليئة بالحديد والنصب العملاقة .
مر زمن طويل ونجونا انا وصديقي ولكن التسكع مات وصرنا لا نرى الاشياء الصغيرة . صديقي الشاعر اصبح يتحدث عن قضايا كبيرة وجوهرية . ربما لاننا الان اكثر فرحا باصواتنا . في الماضي كنا نهمس ونستعمل الحاجبين وعضلات الوجه وحركة الاصابع والاقدام اكثر من اللسان . اليوم وقد نجونا من كل الاشياء الجارحة التي مرت بنا اكثر هوسا بالحوار ولكن ساحات وجزرات بغداد الوسطية مازلت بلا زهور.
انا وصديقي صرنا نلبس ونأكل وننام ونرى العديد من سيارات الشرطة المسرعة والقطعات العسكرية وعماليق الشركات الامنية ونسمع العديد من الانفجارات في اليوم الواحد واصبحنا اكثر صبرا في التقاطعات المزدحمة وعلى اطلاع بالخفايا . اهملنا العديد من المصطلحات مثل : التفكيكية والسيميائية والميتا فكشن واللسانيات والميكانزم وبؤرة السرد والزهور التي لا تعيش في بغداد .
انا وصديقي ادمنا استعمال العبارات الضخمة . نقول دائما : مشكلة كبيرة . قضية مهمة . ازمة بالغة الخطورة ولم نعد نستعمل الكثير من الكلمات ، وهذه المرة الاولى منذ اشهر اكتب كلمة كهذه : زهور.
قبل سنة ونصف تذكرت مقولة صديقي الشاعر التي اطلقها في الحافلة ( ام الطابقين ) حين كنت اقف مندهشا وسط غابة جميلة في مدينة فرانكفورت وسألت مرافقتي ماريا عن اسم هذه الغابة او الحديقة التي نحن فيها فقالت : هذه ليست غابة او حديقة . انها جزرة وسطية في شارع عام .
العالم اختلف كثيرا وبغداد اختلفت ايضا . لم يعد يهمها ان تكون بلا ملامح . لم يعد يهمها ان تكون كئيبة او بالية الثوب وذابلة الاهداب وصديقي صار يتحدث عن قضية اكل البيض والدجاج في زمن انفلونزا الطيور .
منذ مدة وصديقي الذي لم يعد شاعرا ولا صعلوكا يقلني بسيارته الفارهة الى منزلي . في اخر مرة ضرب مقود السيارة وقل لي بعصبية :
تصور .. بغداد اليوم بلا بنزين .
تذكرت الزهور وانقهرت .