قفزت يد (البارو) وصفعته، ثم عادت لتستقر خانقة رقبته:
- لا سلطة لك الان.. فتش ايها الحقير في حياتك عن ذنب ارتكبته.
- لم افعل شيئا.
قفزت يد (البارو) مرة اخرى وصفعت الملك:
- تذكر ايها النجس.. هل احرقت الزرع او تركت الاشجار تموت عطشا ؟
- فعلت هذا في انتصاراتي لاسباب اقتصادية حتى تتحكم نينوى بالاسواق وتحتكر الزراعة والقوت العالمي.
- تذكر ايها المجرم.. هل أسأت الى عقلك وروحك ؟
- منحت عقلي العلم وروحي الايمان.
- تذكر ايها الميت.. هل أسأت الى جسدك ؟
- البسته افخر الثياب واطعمته الذ الطعام ووفرت له الماء والنساء.
استمرت التحقيقات الالهية مع الملك حتى الفجر، ومع الصباح تحول البحث عن الذنب ليشمل دوائر الامبراطورية، وقام (البارو) بالتحقيق مع الخدم والحرس ونساء الملك ثم تنكر بزي بائع سمك ونزل الى الشارع ليحرض اهل نينوى على الكلام. وبعد اسبوع استلم الملك براءة ذمة الالهة من مرضه، واستطاع وهو يستمع الى (البارو) من رؤية قداسة
تلك الدمعة التي هدرها الحزن:
- مولاي.. شرف كبير لنا ان تكون الوحيد الذي لا اثم له، ويسعدني ابلاغك ان الالهة تأمل ان تستمر على نظافتك حتى النهاية.
بدأ الملك بالاستعداد للذهاب الى مصيره بلا عناد. ازدادت خسائره الجسدية ولكنه كان اكثر تعقلا من التكهنات. ترك الى الابد هواية القلق وكف عن عادة عد نبضات قلبه. منحته الحمى وقتا اضافيا للاسترخاء الفكري، ووظف الاعياء في الجلوس لاطول فترة على عرشه. كان يخرج من اجتماع ليدخل في آخر دون ان تمس القرارات قناعته التي تقول ان العالم قد انتهى، ولكن طموحه لم ينته عند تكريم المعابد له، فقد عثر على المزيد من الافكار التي راح يدجنها لصالح ضميره، وتوصل وهو يراقب الحياة من عيونه الكثيرة الى معضلة فلسفية شديدة التعقيد، جاءته في مهرجان ترفيهي عندما كان يشاهد الاسود المروضة وهي تأكل الحشائش وتصافح الغزلان، عندها خطرت له الخاطرة الباراسايكولوجية التي تقول: لم تعد العاهات والامراض هي الاستثناء.
وفي صباح متوازن الحرارة اكتشف الملك أن الامور فـي القصر تسير ابطأ من استرخائه، وان الوظائف اصبحت
اقـل من مستوى خموله المعتاد، وانتبه الى ان الخدم فقدوا
نشاطهم النملي، واحتل الهدوء الاروقة وقاعات الانتظار. وفي الساعة التاسعة المخصصة للحرب، ولحظة ان كان (الترتانو) يشرح خطة الاستيلاء على الشريط الساحلي للبحر الابيض المتوسط، انتبه الملك الى ان قائد الجيش يجد صعوبة بالغة في حمل عصا التعليم، وانه كان يقاتل بضراوة متجنبا السقوط في منضدة الرمل. وعندما سحبه الملك الى الانفراد وفاتحه باستعداده للموافقة على منحه اجازة زمنية يعالج فيها مشكلته الصحية قبل الاقدام على الغزو، قال له الترتانو باعياء:
- الاجازات الان تمنح للاصحاء فقط يا مولاي.
وبقي الملك بلا يقين حتى قرأ في الصباح الثاني تقارير الحالة الامنية للامبراطورية وعرف مقدار التضحية التي بذلت من اجل ألا يكون بمفرده مع المرض. ولارضاء قلبه قام بزيارات تفقدية في ارجاء نينوى وهو في عربة مصفحة بقوالب الثلج للبحث عن ادلة بصرية. ومن محادثاته مع المتجولين ورجال المرور والارامل وطلاب المدارس استطاع العثور على اعراضه التي عممها الشعور الشعبي بالمصير الواحد.
احتفظ الملك بفرحته، ولكن الخمول العام، والحمى الجماعية، والالتهابات الجماهيرية اخذت تتعارض مع همته العالية ونشاطه الاداري، وبدا امام نفسه مثل رب اسرة منهك الجيب، يركض قلبه وراء لقمة هربت منه في يوم زواجه. ومثل أب كبدته غرائزه بالابناء راحت رحمته تنظر الى معاناتهم ووجعهم الوفي. وهنا فكر الملك في خطورة ان تذهب نينوى باكمالها الى مصيرها، وقال لنفسه قد يذهب الجيش اولا، ثم تخيل الاحتمالات الاخرى، واصابه الرعب من بقائه بمفرده في الامبراطورية بعد ان يذهب الاشوريون الى مصيرهم.
كان الطبيب في طريقه الى القصر عندما ارسل الملك عربة مكافحة الانقلابات لتقبض عليه. حافظ (اراد نانا) على هدوئه امام هذيان الملك الذي ضربت الحرارة رأسه:
- لم اكن اعلم ان فـي اللوزتين هذه الطاقة الطاعونية الرهيبة.. انها تفتـك بالاشوريين يا طبيبي.. خـذ كل الاسرى.. استخدم المصانع المدنية والحربية لتوفير كميات كبيرة من الاسبرين والامبسلين.. لا اريد ان ابقى هنا بمفردي لأتخوزق برماح اعدائي.. اريدهم اصحاء واقوياء فهناك المزيد من الاعداء.
حاول (اراد نانا) حمله الى السرير، ولكن الملك فر منه وقرفص في زواية معتمة وهو يصرخ:
- الدواء.. الدواء.
قال (اراد نانا) مهدئاً:
- لا دواء للمحبة يا مولاي.. حدث هذا لهم لانك تعيش في قلوبهم. وظيفتك يا مولاي ان تشفق عليهم وتحزن على مصائبهم وليس العكس، فانت من علمهم واطعمهم واغناهم وكبرهم وطورهم، لذلك يجب ان تكون الاقوى على الدوام والارحم والاعدل والاجمل والاغنى.. كيف تريد للراعي في السهول ان يقول مسكين سيدي الملك انه لا يقوى على الحركة. وكيف تريد من ام فقيرة ان تفتديك، فتمسك برقبة عنزتها الوحيدة لتهدر دمها على مذبح الدعاء وانت من يجلب السلامة لهم من السماء. هم ينتصرون يا مولاي على حزنهم وشقائهم وحياتهم الصعبة الذليلة لانهم خلفك، لذلك فهم يشعرون انهم مرضى اكثر منك.
قال الملك بارتجاف:
- ولكن على احدنا ان يشفى.
امسك (اراد نانا) بيده وهو يقول:
- الميت لا يمرض يا مولاي.
وفي المساء ذهب في غيبوبة طويلة، وعندما عاد الى وعيه وجد كاهن (الاشيبو) و(البارو) ومعهما اتباعهما من حملة المشاعل والمباخر وقد شكلوا حلقة حزينة طوقت سريره. سألهم عن الوقت اولا ثم عن حملة احتلال سواحل البحر الابيض المتوسط، فاخبروه بان الجيش لم يستطع عبور حدود بلدية تلكيف بسبب الحمى. وبعد ان خرج من غيبوبته الثانية ظن انه يسمع اصوات طيور العالم السفلي، الا ان ذلك الصوت كان صفير سيارة المرسيدس البيضاء المزينة من الجوانب بشمس حمراء وقد كتب عليها بالخط المسماري عبارة:
( سيارة الاسعاف الفوري لمكافحة الانقلابات الصحية). دخل (اراد نانا) على الملك يحمل تحت ابطه جهاز قيـاس ضغط الدم، ومن رقبته تتدلى سماعة طبية ولكن الملك ذهب في غيبوبة اخرى قبل ان يرد على تحية الطبيب. كانت تلك الغيبة هي الاكثر انهاكا فقد بدا في رجوعه وكأنه وصل للتو قمة جبل (كردهار). وجد الملك ابتسامة (اراد نانا) المظلمة تملأ بصره. قال له الطبيب وهو يبحث عن صوت قلبه:
- تشجع يا مولاي.
كـان الملك يجمع الحروف بصـعوبة ولكنه استطاع
الاستمرار في القول:
- هذا ليس الوقت المناسب.. انا لا اريد ان اذهب الى مصيري قبل موسم الحصاد فالزرع كما تعلمون يموت مع الملك وتنقطع الامطار وتحزن الارض.. اخاف عليكم من القحط والجفاف.. كيف ستحصلون على القمح والرز اذا ذهبت الان الى مصيري ؟
استخدم (اراد نانا) عواطفه العلمانية ليقول بصوت خافت:
- لا تقلق يا مولاي.. سنستورد القمح والرز من استراليا وتايلند وفيتنام فاذهب بسلام.
كان الملك يتمتع بشجاعة كبيرة، وبدا له هذا الامر اكثر سهولة مما كان يظن، واقل صعوبة من آلام ختانه المتأخر.
الموصل 1997