شمورامات
قصة قصيرة
نزار عبدالستار
شمورامات
نزار عبدالستار
درّبه غرامها على العمل بمعتقد أسلاف التاج، فأصلح من ماضيه، وكثَّر الامجاد التي تمكث في الخلف. كان يشذب مغامراته، ويطور ذوقه بتمارين الحب حفاظـا على جهة الوراء، فيذكرها كلما حلت مناسبة النوم، بانه عاش دهر فقره في قوينجق، على الطبقة السفلى، يصنع الفخّار لادوار حسونة، وحلف، والعبيد، واقليعات كي يعاصرها ويواصل تطلعاته الرامية الى استصلاحها لقطرات سلالته النينوية النزيهة.
عثرت قسمتها عليه بين خزفيات عواطفه، يلون الأواني ويخترع ادوات المطبخ الطينية أملا في كسر قلبها. سنوات طوال وهو مثل كبش المختبرات التنجيمية، يتجول معها في مستعمرات الخلوة التي تقيمها في البراري والحقول، يستعمل بربرية مراهقته في مكافحة فشل ازواجها في الحد من ترملها الفتاك، ومن اعاقة انثيالاتها الانثوية الكادحة. عشرات السلالات المبعثرة في الصناديق الحجرية، ومختلف نزوات تحت العباءة، واكثر من مغامرة شعبية معززة بالاشاعات اقترفتها سمعتها كي تسمح لنزعته بالتمدن على حساب الخوذ المذهبة التي ترن بالرؤوس ليلا لتعين بضجيجها المتدفق من المخدع الحراس ومخيلة الجواسيس على تتبع انفاس القصر القلقة ابدا من انقراض المدن، وضيق الارض، وحمق مفاتن شمورامات. كانت لالقابها الغزيرة السلطة العليا في استخدام مزاج النجوم لتصفية الذنوب الملكية، فهي التي قالت للقاصرين يوم توجت الى الابد كوصية على طفولتهم المزمنة (ها انتم الان تجعلون من رأسي قطبا للخطايا). ومنذ تلك اللحظة والقرع الذين ابتدعوا منصب الملك البديل صيانة لاعصاب امومتها الفخرية لا يفرقون بين آشورهم الاكبر وبين مليكتهم شمورامات كاهنة غجر السحاجي. وعندما رشحته لهم تنفسوا من متانة بنيانه رائحة طين ازكمت قمم انوفهم، صدمتهم بعجزهم عن فهم الحكمة، فزوروا طالع زوجها الشرعي بخسوف قمر كاذب، وبقصعة عسكرية اكل منها ثلاثة جنود شاركت وحدتهم في حروب تحرير وادي حجر، تظهر كوكب المريخ وهو يسير اسرع من المشتري، ثم ذبحوا جملا سنجاريا وشكلوا من (بمباره) صورة فلكية تبين الحربة في السماء جهة الشرق وهي تشبه قوس قزحيات نينورتا أو مذنب حاصر قال، الا انها معتدلة القوام وتحيط بها دائرة بيبونية. بعدها خرجوا به الى اطراف برطلة ليعد بنفسه الكواكب السبعة. وفوق الفاجعة كان زحل من بينهم، فأمرت مقترحاتهم زوج الملكة القديم باللجوء الى اقرب معبد للتكفير عن أثامه وهفواته ريثما تعلن حبال ظهر خروفهم عن اسم الملك البديل الذي كان يرمز له الزبد في طاسات السوس ببرنية ضخمة مجهولة الاستعمالات. وبعد ان شهدت شمورامات مراسيم الترحيب الشعبي برجل الطين المحسود، اغرقت بمساعدة مخالفات زهد القرع ابتسامة الطالع في زيت التقديس لتمنح صانع الفخار فرصة مؤبدة لاستهلاك مفاتنها. سحبته من فوضى الطقوس خشية ان يرهقه زحام المراسيم واحتفالات تقديم الطاعة. لم ير من قصره غير تلك الممرات المظلمة المليئة بثقوب تتأوه، وتفوح من سجادها روائح تنتصب حول خطواته، والباب المصفح بالذهب، وذلك الفراش الذي امتد امام لهاث بصره مساحة بحيرة من ريش مخلوط باسفنج بحري ومغطى بنواعم لا يعرف لها اسماء. وقف امام صباها الاثري مجردا الا من مشهدهم البديع، تلك الرؤوس المتجمعة في طبق تجمهرهم، وذلك التصفيق اللذيذ. كانت شمورامات تؤجل الصباح مستخدمة ليلها الخاص في تصفية ما تبقى من هموم فحل الطين. لم يجد لها شكلا محددا، او لغة ثابتة. لم يعثر في اوقاته معها على لونها الشخصي، او صوتها المؤسس في آذان الاستجابة، ولم تمسك مقاييس حاسة الذوق بحدود جسدها. كان يتحسس بمعاونة نكهة دخان الشموع وجودها النغمي الشفاف، وانسكاباتها العسلية في اجواء تمت بعلاقة استلهام الى الجغرافيا والتاريخ ومستقبل السياحة، كلما خرجت اليه بعد فواصل الراحة بهيئة جديدة وطعم آخر، فتتيبس الرؤوس في مخيلته وتتساوى مع حبات الحمص، ويذبل التصفيق في اذنيه وهو يتمتع بسياسة اختيارها لرقصتها من فلكلور احترام الشعوب للرجل، وخروجها اليه ببشرية اجناس الارض. من بلد على الخرائط، ومن اخبار كتبتها الرحلات، ومن حكايات تقطنها العجائب، بزي لن يبلغه وصفه، وبجمال لن تصله خيوله.
ايام بلا شمس مرت عليه يمارس التعرف على الانوثة الدولية بامرأة واحدة، وهو ينعش في ذاكرته مشهد الرؤوس وصوت التصفيق ويندم على غبائه القديم عندما كان يحترم التماثيل التي يمر بها في الساحات، ويتحمل اضطهادات التعليم الاشوري من اجل حفظ الحوليات ودراسة مسلات البطولات، فمفاتن شمورامات لا تمنح المرء الوقت الكافي لصناعة الانتصارات. وليـلة ان تذكر بعد اجهـاد ان امرأته قد اكملت
رحلتها النسائية حول الارض، واستهلكت تـراث الحب العالمي، وانها بدأت تعيد تمثيلية ليلة دخوله عليها استيقظ فيه الملل، فترك مخدع شمورامات الى الصباح ليدحرج اسطوانته بالقرارات ويسأل عن موقف نينوى الانتشاري، لكنه اصيب في الساعات المبكرة من حكمه بحساسية غامضة، فسلخ جلود ثلاثة ارباع اطباء الامبراطورية قبل ان تعثر اعشابهم على العلة. استبدلوا قطع غنائم العاج والذهب التي كانت تعير السفراء وتذل الوفود بتحفيات فخارية من صنع ادوار ماضيه المندثر زينوا بها فراغات القصر وجدران القاعات، ثم قصوا سبعة امتار من حرير ملابسه الى ان وصلوا الى الفصل الملائم لخشونته، عندها زالت الاعراض واستعاد بسمة الزفاف. استمع الى نشرة اخبار النساخ ليوم 7/9/809 ق.م التي احصت (517) حربا غير محلية تتزامن مع سعادة يومه ثم نظفوا سمعه باغنية عن الورد.
وقبل نهاية دوام القصر بساعة وجد نفسه، بلا إرادة من حبه العميق للسلام، يركب عربته القتالية ويذهب في حملة موفقة تمكنت من اربع مدن وثلاثة بحار أسس فيها اكاديميات الفنون الفخارية، ومعمل التقنيات الطينية، ومصانع الرقم الخفيفة. ومنها عبر الى حملته الثانية فدمر خمس مدن واسر تسعة شعوب مع ملحقاتها من الاغنام، والابقار، واسود رياضة الصيد. وتحديا لمنافسيه على الشهرة انتقل الى حملته الثالثة فمسح سبع مدن والغى ثلاث امبراطوريات بلا اية رأفة بحبيبة عرشه شمورامات التي تعصر الوسائد في نينوى وتزود بطولاته بامدادات منشطة. استغل ما تبقى من وقت يومه في اكمال حملته الثالثة التي خصصها للقوانين المدنية، وللفلسفة القوينجيقية القديمة، لكنه تعرض لاول خيانة في حياته الملكية عندما تشابهت انتصاراته في عيني زهوه وهو يقارن في صحوة ذاكرة بين وجوه الملوك الذين رفعهم على الخوازيق وبين ملامح قادته الذين سيموتون من اجله في الحملات القادمة، وتذكر انه كان يشم رائحة السمسم والبيبون وامطار برد العجوز من ريف المدن التي غمرها بظله، وانه كان يسرح في سهول تعرف مرحه، ويصعد وينزل جبالاً تشرفت بذكرياته مع الشمال، واتضح له أن الامور كانت تشبه في سهولتها عملية شواء طابوقة. وفي تحقيق اجراه مع ذلك الرجل البدائي الذي يجلس في قعر تصرفاته اكتشف أن المدن التي دك اسوارها في الحملة الاولى هـي نفسها المدن التي احرقها في الحملة الثالثة، وأن القتلى الذين ذبحهم في الحملة الثانية هم انفسهم الذين يذهبون ويجيئون في معسكرات تحشداته. وتأكدت مخاوفه من صحة الشك لحظة دخوله عاصمته في المساء محملا بالاسرى ليجد في استقباله نينوى من نساء واطفال. لم يتمكن وهو يفتتح مزادات بيع الاسرى من فهم تلك العلاقة الوطنية التي نشأت في مهرجان احتفالات النصر بين الامهات وبين فرح الاعداء وهم في اقفاص ذلهم الا بعد ان زجت شمورامات بتجار رقيق القطاع العام في السوق وحسمت الامر قبل وقوع كارثة اكبر مجزرة في تاريخ صلة الرحم، فاعادت الابن الى امه، والاخ الى اخته، والزوج الى زوجته. وفي المخدع خلع ملابسه بلا عتاب، لكن شمورامات عثرت في عينيه على قطرات دم كانت تتستر ببياض مسامح. باءت ملاطفاتها بالخمول واحست بكارثة خوفه العميق من القادم وبفداحة خسائره الاخلاقية. بقي طوال الليل بلا نعاس ممسكا بسيفه وهو يقف خلف الباب مجبرا شمورامات على الاستمرار في الشخير. ومع الفجر انهار. انفجر الخوف فيه. أسقطه مثل كومة من ثياب متسخة.
قالت شمورامات معزية أوهامه: لا تحزن على خلود هو الذي احرق ودمر، فاللالهة هي التي عاقبتكم بهذه الكرة الارضية الصغيرة.
انتشلته من معنوياته المتدهورة. ضمها اليه بحذر وبدقة خزاف، لكنها احست بمهارة اصابعه تفتش في لحمها عن خيانة ما. استدرجته مفاتنها الـى الطبقة السفلى من سيرته، الى قوينجق وادوار حلف والعبيد وحسونة، ايام كان يصنع الفخار كي يعاصرها، الا انه انكر صلته بهذا الماضي واتهم عفتها بالتآمر على جذوره الملكية. وقبل سابعة نينوى بدقائق وبينما هو يرتدي اقمشة الحكم تساءلت هواجسه عن امكانية خوارق شمورامات الانثوية ومدى مساهمة غيرتها في الحد من خلوده، ثم حكم على مهندسي القصر بالاعدام، واستبدل تحفيات الفخار بقطع من العاج والذهب كان قد غنمها من حروبه الوهمية كي تعير السفراء وتذل الوفود. استمع بعدها الى نشرة اخبار النساخ ليوم 8/9/809 ق.م، وغنت مجاميع اسرى حملته المبكرة اغنية خفيفة عن الورد. وما ان اجتمع بمجايلي انجازاته واعلن عن رغبته في استئناف حملته الرابعة حتى تنكر بزي تاجر من شارع الفاروق وخرج من نينوى ليعرف الى اين تصل يد شمورامات الناعمة، ولماذا لا يكف القلق عن ندف صوف فراشه. اهمل الطرق البرية المعروفة وتوغل في الجهات المحروسة بنصب الجلجلوتيات المخدرة، فوصل الى الاحجار الاصلية، وازال عن السهام الدالة حشائش التمويه، واغصان التيه، واستخرج احجار الاساس الحقيقية من التضاريس المتطفلة على الانبساط، واقفل راجعا الى الطرق المعروفة لخرائط حملته الرابعة. اكتشف بمعاونة ذكائه ورشة ستوديو المعارك المتنقلة، وراقب مقاولي الملكة وهم يصنعون بطريقة البناء الجاهز المدن التي سيطحنها بحوافر خيوله، وكبّر اذنه ليستمع الى احاديث الجنود لحظة كان العرفاء يوزعون عليهم الغنائم المستخدمة في القتال الكاذب لتدريبهم على الموت حرقـا، وسلخا، وطعنا، دون المساس بحقهم في الحياة، فرجع الى نينوى يجر غبار الخيبة ودخل قصره لا يحمل غير فراغات الفضاء التي تدمدم في اسطوانة ذهب التاج. فتش طويلا عن غرفة الجغرافيين. اتسع نصل سيفه لرقاب سبعة علماء انتشلهم من اطنان الخرائط الطينية.
سألهم الملك: اين خبأتم العالم ؟
قال شيخهم: مولاي نحن العالم.. لقد اخذت نينوى كل شيء.
وفي المخدع التقطته شمورامات بين ذراعيها. ضمته بقوة مبعدة الاصوات عن سمعه الخائف من التصفيق الذي تحول في اذنيه الى (عفطة) طويلة. على صدرها بكى الى ان
عثر على حلمة الامان.
سألها: ماذا فعلت بالعالم ايتها الحبيبة ؟
وزعته على مساحة جسدها، وقالت ابحث لك عن خبز آخر ايها الرجل. اقنعها بضرورة انهاء هذه المؤامرة واطلاق الشعوب والقارات كي يتمكنا معا من التواجد في التاريخ بشكل دائم، ولكنها دثرته بأمومة خبرتها واسمعته حكاية الارض والبشر.
واخيرا قالت شمورامات محذرة: العب بالسيف كما يحلو لك، ولكن اياك ان تترك الحروب تأكل من نباتات النساء.
وفي الصباح استمع الى اخبار يوم 9/9/809 ق.م وبعد ان استمتع باغنية تراثية عن الورد اصدر امراً باخصاء الخيول وحلق الربيع القادم، ولكن الدبلوماسية الاشورية حذرته من خطورة تمديد الصيف، فأشار عليهم بثقبِ أية طبقة يجدونها في السماء، وعلى الالهة ان تتحمل اوزار هفواتها الفلكية. ورغبة منه في هدر اوقاته بعد الحب وضع حجر الاساس لشوارع الدواسة، والسرجخانة، وباب الطوب، وافتتح اول كورنيش عرفته البشرية، واول مدينة العاب بعد الطوفـان، وزرع الغابـات، وصنع شلالا صغيرا على نهر
الخوصر أملا في استدراج المناخات الجبلية القريبة، الا ان انجازاته السياحية جاءته في المنام بشكل آخر تذكر منه التل الذي يشبه مستعمرة نمل نخرها النشاط، وعندما راجع خرائط نينوى قبل ولادة شمورامات عثر على قلعة عسكرية تتوسط شوارعها الحديثة، وتقوم كتيبة الرشقات بادارة شؤونها التكتيكية، ولكنه صدم عند زيارته لها بان الكتيبة قد تكاثرت وصارت مكونة من فرقتين وثلاثة الوية من المتقاعدين، وعرف ان الارزاق ونماذج الاجازات والرواتب وقوائم الترفيع لم تصلهم منذ سبعين سنة، فتراجع امام صمودهم عن فكرة بناء كازينو القمة، ووهبهم القلعة شرط ان يستمر تكاثرهم الى ان تصبح اقليعات مدينة كبيرة. هكذا لفظها وبهذا الاسم سجلت في دائرة البلدية الى الابد، وامر بتعميم هذه التجربة الفريدة ثم فكر في اجراءات اكثر فاعلية واقل زمنا، فأقر فكرة صناعة اقليات تنفصل عن الرؤوس المتجمعة في طبق التجمهر وتكون حاضرة في التصفيق، وحكمها بضوابط اطلق عليها تسمية الانتداب الجبري وحددها بسقف زمني قصير. كـان يتحرك بهمة خرافية، ويشغل عقله بلا استراحة من اجل كسب المزيد من الانجازات، وهو يذكّر فرق الافكار وما استحدث من ادارات للعمل بان التاج اليوم للجميع والسيف ليد واحدة، وان على القائد ان يبحث عن حرب حقيقية، واسعفته احاديثه عن الاستثمار والتنمية بحيلة تشجيع الرحلات السياحية البعيدة التي قد تنقطع بها سبل العودة. وفي الساعة الواحدة بتر لسان احد الحراس لانه تسبب في قطع سلسلة احلامه الجديدة، ولكنه كتب مناشير طينية تدين فعلته الشنيعة، بعثرها في الطرق مما اضطره الى اطفاء الغضب الشعبي بالسماح للحق الفردي بالتصرف الحر. ثم كسر الظهيرة بقيلولة خاطفة بناء على طلب شمورامات التي احتفلت بمناسبة ولوج زوجها في خلود هو الذي عمل. وفي العصر عالج المشكلات الداخلية باجراءات المعاقبة، فكان يغير فريق القصر ما ان تطالبه مسلات المعارضة بالاصلاحات الضرورية. وحل صعوبة التعليم بالسماح للغويين باختراع لغات سهلة تعاون الاكدية على التفرع. وكسب احترام جمعيات الحقوق البشرية بالغائه لاحكام الاعدام، والسجن، والتوقيف، وبابتكاره لاحكام النفي البعيد للجرائم الخطيرة، والنفي القريب للمخالفات المرورية. وفي المساء استغل شعبيته فحمل معوله وقاد الجماهير الى اسوار نينوى.
قال لهم: هذه الاسوار للخائفين فقط.. لقد زرعتم القمح والشعير والرز، والان تزرعون القرى والمدن والعواصم.. حطموا اسوار خوفكم بالخروج والانتشار فانا على يقين من ان تربيتكم الاشورية ستحولكم الى دول وامبراطوريات.
وفي الصباح وقف طويلا امام المرآة محاولا استنزاف مظاهر البهجة المخلة بهيبته واستلطف للمرة الاولى برودة طفولة النهار. وتحقق بأنفه من روعة ورد ممرات جنينة القصر، وشعر بخفة غريبة رغم ما يحمل من معادن ثقيلة. جلس على العرش، فشرع النساخ بقراءة اخبار 10/9/809 ق.م المفرحة التي اعلنت عن ولادة مدن حقيقية ودول حديثة غير مزيفة وامبراطوريات اجنبية لم تسمع بشمورامات. وبعد اغنية الورد مباشرة استقبل السفراء الجدد ورحب بالتعاون مع الحكومات الصديقة ووعدها بزيارات قريبة، كما وافق على حضور اجتماعات قمم متفرقة، وقابل وفد جامعة اقليعات الذي طلب التقاط صورة فوتوغرافية له لتزين المجلد الاول من موسوعة الحضارة التي ستصدرها الجامعة. وقف الملك امام العدسة بتفتح يليق بانجـازاته، ومنح المصور ابتسامة منتصرة، شاهدها القريب والبعيد، بقيت عذوبتها ماثلة في اذهان الزوار الى ان تسلم القصر النسخة الاولى من الموسوعة الامر الذي هز قاعة العرش وجعل الملك يعلن النفير العام بعد ساعة. كانت الصورة الفوتوغرافية بعيدة تماماً عن شكل ومكانة رجل نينوى الاول وقريبة من هيئة وحش منتعش بالبشاعة وكأنه قد فرغ توا من شرب برميل دم. اخذت الاطراف تتبادل الاتهامات، ولكنهم قالوا اخيراً، الازاميل وليست احماض التصوير هي التي تصنع ابتسامة الملك. هذا ما سمعته لجنة الموسوعة بلهجة نارية ارعبت قناعتهم العلمية. لم يكن الدكتور السرجخاني قد قبل بالحجة الاشورية المتعصبة، فالصورة التي امامه تبدو معقولة ومتطابقة مع المظاهر الضرورية لملوك الحقب المندرسة، الا ان الوفد الاشوري اصر بعناد على ان الملك كان يبتسم لعدسة مصور جامعة اقليعات، وان هذا التجهم الذي يعصر طيبته ما هو الا ضغينة فوتوغرافية تنشد الاساءة الى علاقات البلاط الاشوري مع دور المملكة. ثم ختم الترتانو كلامه وهو يرمق رئيس الجامعة بعينين محترقتين:
- الحرب لا تحتاج الى اكثر من هذا كي تندلع.
أتكأ السرجخاني على ود قديم ترعرع في مناسبات خاصة وهو يقول بصوت ناعم:
- نحن جهة علمية، وهذا الخطأ غير مقصود.
لكن الترتانو المنفعل قطع الحوار وهبط مع وفده ليسترد اسلحته التـي تركها في استعلامات مبنى رئاسة الجامعة، فما كان من السرجخاني الممتقع الوجه الا ان همس في اذنه مهدئاً:
- يا قائد الجيش ان صداقتنا مبنية على اساس حضاري متين.
اشهر الترتانو سبابته في وجه الدكتور وهو يقول بصوت عال اطلق تنهدات موظفات الاستعلامات المتطلعات بعيون منبهرة الى مواضع القوة الظاهرة في الكتف العاري، ومن تحت زهور البيبون المطبوعة على ثوب القائد المزين باكسسوارات صاخبة:
- هذه ليست المرة الاولى يا صديقي. لقد رفضتم الاعتراف بالرقم الطينية التي ننسخها لطلابكم كمراجع معتمدة، وكان الهدف حرمان الامبراطورية من مواردها الاقتصادية، ثم طلبتم منا ان نساعدكم في اعداد الموسوعة الحضارية فوافقنا من اجل تاريخ نظيف رغم الخلافات العلمية التي بيننا، لكن ان تشوه سحنة سيدنا الملك بعدسة مصور مبتدئ فهذا ما لا نقبل به ابداً.
وقبل ان يخرج بوفده من المبنى سأل الترتانو مساعده قائلاً:
- ماذا قال جدنا اسرحدون في مناسبة كهذه ؟
رد المساعد وهو ينظر في الوجوه العلمية اليابسة:
- حرقت العديد منهم، واتخذت الكثير منهم عبيداً، وجدعت انوف بعضهم، وقطعت اذانهم واصابعهم، وقلعت عيونهم.
غادر الاشوريون مبنى رئاسة جامعة اقليعات وعصابات رؤوسهم الملونة ترفرف خلفهم على ضجيج حركاتهم العسكرية، فالتفت الدكتور السرجخاني الى اعضاء اللجنة وقال بحزن:
- اسمعتم ؟.. هذا ما سيحدث لنا اذا لم يبتسم الملك في الطبعة الثانية.
وما ان اعلن زوج الملكة النفير العام حتى ركب عربته القتالية بلا ارادة من احترامه الكبير للحلول السلمية تاركا للغضب الشعبي مهمة غلق السفارات وتمزيق اعلام الدول. خرج من نينوى بجيوش حقيقية انتشرت في المساحات التي عمرها الوفاق طوال نضاله من اجل عالم جديد، مفتتحا حملته الاولى بتمكنه من اربع مدن وثلاثة بحار وجدها لا تصلح لغير الخراب. ومنها عبر الى حملته الثانية، فدمر خمس مدن واسر سبعة شعوب مع ملحقاتها من المصانع والبنى التحتية والثروات الطبيعية. ثم انتقل الى حملته الثالثة، تكثيفا لخبرته العسكرية، فمسح سبع مدن والغى ثلاث امبراطوريات بلا رجعة. ومشط القارات المجاورة قبل ان يخصص الوقت الكافي لحملته الرابعة التي كانت من حصة اقليعات، فقلص عدد الاحياء في التل الى كتيبة غير مسلحة. لم يدخل بانتصاراته الى نينوى، بل فضل الترجل بالقرب من تقاطع الدركزلية وراح يخطط بسيفه على الرمل خطوط الاساس لسوره الجديد.
قال لجيشه: الاسوار هي التي تمنح الانسان الاحساس بالامان والقوة، وتجعله يقرّب مفهوم نينوى الحديث من مكانة البيت في نفسه.
وفي المساء وصل الى مخدع شمورامات. وجد صعوبة في التعرف من خلال ملامحها العتيقة على طبيعة علاقته بها، ولكنها سرعان ما ذكرته بالمعارك والبطولات الكاذبة التي سيعود اليها في الغد.
سألته شمورامات: ماذا فعلت بالعالم ايها الحبيب ؟
قال الملك: لست انا.. انها الحروب التي يجب ان تقع.
اعطته شخيرها لكي يستخدمه وهو يقف خلف الباب في صيد الانقلابات ومحاولات الاغتيال التي تتوقعها حاسته السادسة. وفي الصباح سار باطمئنان الى قاعة عرشه، وجلس ليستمع الى اخبار النساخ الذين افتتحوا الدوام قائلين:
- اليكم قراءة مفصلة لاخبار اليوم المصادف 11/9/809 ق.م.
رفع الملك يده مصححا:
- اليوم هو 11/9/612 ق.م
اكتست الوجوه بصفرة فاقعة. قالوا له:
- مولاي انك تسقط نينوى.
ابتسم وهو يأذن لاسرى حملته الاخيرة بالغناء، فانطلقت الاصوات تغني اغنية عن الورد، تميز منها صوت الدكتور السرجخاني ومجموعة لجنة الموسوعة.
ساد الصمت، واخذت طلائع الغبار تصل الى انفه حامله ايام الماضي ورائحة طبقات قوينجق القريبة من قلبه. ترك عرشه وسار في ممرات القصر الفارغ حتى وصل الى الباب.وقف ليشاهد تلال الطين، ويشرف بنفسه على جهود العجاج في كنس اثار الاقدام، عندها بدأ يفكر جديا في كيفية تحسين سمعة الحروب، وتربية الجيوش للكفاح في سبيل استعادة الماضي.
بغداد / آذار / 1997
* شمورامات: هو الاسم العراقي لسميراميس
* الملك البديل: اجراء يتخذ لحماية الملك من سوء الطالع، او عند خسوف القمر، ويتم ذلك باستبدال الملك الحقيقي بآخر من عامة الشعب يمارس دور الاول بحرية ولمدة قصيرة تنتهي بزوال الخطر.
* السحاجي: قرية للغجر تقع خارج الموصل.
* قوينجق: تل اثري من بقايا مدينة نينوى.
* اقليعات: مدينة الموصل القديمة.
* القرع: رجال المعابد.