وفي الصباح وقف طويلا امام المرآة محاولا استنزاف مظاهر البهجة المخلة بهيبته واستلطف للمرة الاولى برودة طفولة النهار. وتحقق بأنفه من روعة ورد ممرات جنينة القصر، وشعر بخفة غريبة رغم ما يحمل من معادن ثقيلة. جلس على العرش، فشرع النساخ بقراءة اخبار 10/9/809 ق.م المفرحة التي اعلنت عن ولادة مدن حقيقية ودول حديثة غير مزيفة وامبراطوريات اجنبية لم تسمع بشمورامات. وبعد اغنية الورد مباشرة استقبل السفراء الجدد ورحب بالتعاون مع الحكومات الصديقة ووعدها بزيارات قريبة، كما وافق على حضور اجتماعات قمم متفرقة، وقابل وفد جامعة اقليعات الذي طلب التقاط صورة فوتوغرافية له لتزين المجلد الاول من موسوعة الحضارة التي ستصدرها الجامعة. وقف الملك امام العدسة بتفتح يليق بانجـازاته، ومنح المصور ابتسامة منتصرة، شاهدها القريب والبعيد، بقيت عذوبتها ماثلة في اذهان الزوار الى ان تسلم القصر النسخة الاولى من الموسوعة الامر الذي هز قاعة العرش وجعل الملك يعلن النفير العام بعد ساعة. كانت الصورة الفوتوغرافية بعيدة تماماً عن شكل ومكانة رجل نينوى الاول وقريبة من هيئة وحش منتعش بالبشاعة وكأنه قد فرغ توا من شرب برميل دم. اخذت الاطراف تتبادل الاتهامات، ولكنهم قالوا اخيراً، الازاميل وليست احماض التصوير هي التي تصنع ابتسامة الملك. هذا ما سمعته لجنة الموسوعة بلهجة نارية ارعبت قناعتهم العلمية. لم يكن الدكتور السرجخاني قد قبل بالحجة الاشورية المتعصبة، فالصورة التي امامه تبدو معقولة ومتطابقة مع المظاهر الضرورية لملوك الحقب المندرسة، الا ان الوفد الاشوري اصر بعناد على ان الملك كان يبتسم لعدسة مصور جامعة اقليعات، وان هذا التجهم الذي يعصر طيبته ما هو الا ضغينة فوتوغرافية تنشد الاساءة الى علاقات البلاط الاشوري مع دور المملكة. ثم ختم الترتانو كلامه وهو يرمق رئيس الجامعة بعينين محترقتين:
- الحرب لا تحتاج الى اكثر من هذا كي تندلع.
أتكأ السرجخاني على ود قديم ترعرع في مناسبات خاصة وهو يقول بصوت ناعم:
- نحن جهة علمية، وهذا الخطأ غير مقصود.
لكن الترتانو المنفعل قطع الحوار وهبط مع وفده ليسترد اسلحته التـي تركها في استعلامات مبنى رئاسة الجامعة، فما كان من السرجخاني الممتقع الوجه الا ان همس في اذنه مهدئاً:
- يا قائد الجيش ان صداقتنا مبنية على اساس حضاري متين.
اشهر الترتانو سبابته في وجه الدكتور وهو يقول بصوت عال اطلق تنهدات موظفات الاستعلامات المتطلعات بعيون منبهرة الى مواضع القوة الظاهرة في الكتف العاري، ومن تحت زهور البيبون المطبوعة على ثوب القائد المزين باكسسوارات صاخبة:
- هذه ليست المرة الاولى يا صديقي. لقد رفضتم الاعتراف بالرقم الطينية التي ننسخها لطلابكم كمراجع معتمدة، وكان الهدف حرمان الامبراطورية من مواردها الاقتصادية، ثم طلبتم منا ان نساعدكم في اعداد الموسوعة الحضارية فوافقنا من اجل تاريخ نظيف رغم الخلافات العلمية التي بيننا، لكن ان تشوه سحنة سيدنا الملك بعدسة مصور مبتدئ فهذا ما لا نقبل به ابداً.
وقبل ان يخرج بوفده من المبنى سأل الترتانو مساعده قائلاً:
- ماذا قال جدنا اسرحدون في مناسبة كهذه ؟
رد المساعد وهو ينظر في الوجوه العلمية اليابسة:
- حرقت العديد منهم، واتخذت الكثير منهم عبيداً، وجدعت انوف بعضهم، وقطعت اذانهم واصابعهم، وقلعت عيونهم.
غادر الاشوريون مبنى رئاسة جامعة اقليعات وعصابات رؤوسهم الملونة ترفرف خلفهم على ضجيج حركاتهم العسكرية، فالتفت الدكتور السرجخاني الى اعضاء اللجنة وقال بحزن:
- اسمعتم ؟.. هذا ما سيحدث لنا اذا لم يبتسم الملك في الطبعة الثانية.
وما ان اعلن زوج الملكة النفير العام حتى ركب عربته القتالية بلا ارادة من احترامه الكبير للحلول السلمية تاركا للغضب الشعبي مهمة غلق السفارات وتمزيق اعلام الدول. خرج من نينوى بجيوش حقيقية انتشرت في المساحات التي عمرها الوفاق طوال نضاله من اجل عالم جديد، مفتتحا حملته الاولى بتمكنه من اربع مدن وثلاثة بحار وجدها لا تصلح لغير الخراب. ومنها عبر الى حملته الثانية، فدمر خمس مدن واسر سبعة شعوب مع ملحقاتها من المصانع والبنى التحتية والثروات الطبيعية. ثم انتقل الى حملته الثالثة، تكثيفا لخبرته العسكرية، فمسح سبع مدن والغى ثلاث امبراطوريات بلا رجعة. ومشط القارات المجاورة قبل ان يخصص الوقت الكافي لحملته الرابعة التي كانت من حصة اقليعات، فقلص عدد الاحياء في التل الى كتيبة غير مسلحة. لم يدخل بانتصاراته الى نينوى، بل فضل الترجل بالقرب من تقاطع الدركزلية وراح يخطط بسيفه على الرمل خطوط الاساس لسوره الجديد.
قال لجيشه: الاسوار هي التي تمنح الانسان الاحساس بالامان والقوة، وتجعله يقرّب مفهوم نينوى الحديث من مكانة البيت في نفسه.
وفي المساء وصل الى مخدع شمورامات. وجد صعوبة في التعرف من خلال ملامحها العتيقة على طبيعة علاقته بها، ولكنها سرعان ما ذكرته بالمعارك والبطولات الكاذبة التي سيعود اليها في الغد.
سألته شمورامات: ماذا فعلت بالعالم ايها الحبيب ؟
قال الملك: لست انا.. انها الحروب التي يجب ان تقع.
اعطته شخيرها لكي يستخدمه وهو يقف خلف الباب في صيد الانقلابات ومحاولات الاغتيال التي تتوقعها حاسته السادسة. وفي الصباح سار باطمئنان الى قاعة عرشه، وجلس ليستمع الى اخبار النساخ الذين افتتحوا الدوام قائلين:
- اليكم قراءة مفصلة لاخبار اليوم المصادف 11/9/809 ق.م.
رفع الملك يده مصححا:
- اليوم هو 11/9/612 ق.م
اكتست الوجوه بصفرة فاقعة. قالوا له:
- مولاي انك تسقط نينوى.
ابتسم وهو يأذن لاسرى حملته الاخيرة بالغناء، فانطلقت الاصوات تغني اغنية عن الورد، تميز منها صوت الدكتور السرجخاني ومجموعة لجنة الموسوعة.
ساد الصمت، واخذت طلائع الغبار تصل الى انفه حامله ايام الماضي ورائحة طبقات قوينجق القريبة من قلبه. ترك عرشه وسار في ممرات القصر الفارغ حتى وصل الى الباب.وقف ليشاهد تلال الطين، ويشرف بنفسه على جهود العجاج في كنس اثار الاقدام، عندها بدأ يفكر جديا في كيفية تحسين سمعة الحروب، وتربية الجيوش للكفاح في سبيل استعادة الماضي.
بغداد / آذار / 1997
* شمورامات: هو الاسم العراقي لسميراميس
* الملك البديل: اجراء يتخذ لحماية الملك من سوء الطالع، او عند خسوف القمر، ويتم ذلك باستبدال الملك الحقيقي بآخر من عامة الشعب يمارس دور الاول بحرية ولمدة قصيرة تنتهي بزوال الخطر.
* السحاجي: قرية للغجر تقع خارج الموصل.
* قوينجق: تل اثري من بقايا مدينة نينوى.
* اقليعات: مدينة الموصل القديمة.
* القرع: رجال المعابد.