بيت الخـالات
قصة قصيرة
نزار عبدالستار
بيت الخـالات
نزار عبدالستار
 
في اصيلهن المتحفظ، يسيل الظل بعيداً عن مفارش اوقاتهن الطيبة، ليشتبك مع استراحة المنزليات في الركن المنحرف عن قنطرة الباب، وكن غالبا ما يزجرن الحاحه فلا يسمحن له بممارسة التحليق البيتي خوفاً على المعلقات، ومنها صورة كالحة احتملتها المسامير لتذكر (الخطار) بمحاسن رجل، مؤنث الظهر، عاش يخلط الماء بالماء، الى ان امتلأ بياضا فضاع الا ان الخالات المتوترات استدركن حنانهن عندما تركنه يتعذب مثلهن بخلل غير جائز بعد مغافلته العجيبة لتزمتهن (وتعنقشه) المرير على اريل التلفزيون، وهو اعلى ارتفاع يصله منذ ان قرر العبور الى الساحل الايسر حيث بستان الفيصلية وغصن العصافير الخشبية الذي يريده التنور مقابل (الحنونة). وقبل نهاية عطلته الصيفية بطلعات تدريبية موفقة، اضطر امام زقاقيات بعضهن، وتفاسير بنات الجيران الى ان يعتدل بالطيران ويلتزم بارتفاع خط انحناء ميازيب السطح للحوش، وكن في لياليهن المتهالكة بلا قسمة او نصيب يسألن مرآة الصبر بتحريض من تحفيات دمر سمعتها باعة سوق الاربعاء فترد بصور جماعية من معارك مستهلكة نسي ان يعدلها التاريخ المحلي الجديد، وباخرى اكثر حسما من تطلعاتهن، الا انها خالية من الرجال وصورها متقلبة والوانها غير ثابتة، الى ان رجع الرجل الالقوشي في آخر يوم من ضمانه السنوي واستبدل التحفيات المشوشة بمشط خشبي يعود الى شعر وردة ابنة الالقاشي الكبير، لكن الخالات المتعصبات لم يدعن انجازاته في التحكم الجوي تقع دون التذكير اليومي بوصول المناشف الى بيت الله، وكن مع ابتسامات لا تفسّر يفرضن عليه الامتثال لمربع الميازيب لانه يشبه في تحليقه المضطرب صواريخ الكروز وتوما هوك.
في اوقاتهن المشرقة، لا يكترثن بمرآة اصغر من الوجه، مؤطرة (بتنك) عصور العجائب، فيتركنها علىالمغسلة او على اريكة ثرثرتهن المسائية وينشغلهن بلف السكائر او بصنع الاكياس. وعندما يزاول طيرانه المقطع بخيوط التحريم يلمح مشاهد امنياتهن تصعد من رؤوسهن وهي ساخنة وعيونهن على مشط خشبي مزدوج الاسنان تذكّر خشونته التراثية بصلابة (الصندليات) وحين يحل العصر، يتقربن الى المشط بالاغتسال او بزيارات لم تعد مجدية او بأعراس كاذبة، وتبحث ملاقطهن عن المرآة المهملة.
خالة منهن، كانت تشاغل الولد بيوميات ليلية غير بعيدة، تتحدث عن سلاطين، وامراء، وتجار يشربون قهوتهم في الحوش مع الجد وهو في صورته العتيقة، ثم يغيبون للبحث عن مهور في جزر خلف البحور. وكانت ملابسه تتعاطف مع رطوبة انفاسها، فيستيقظ على بقع ندية لا يعرف من الذي يتركها تحته. وبعد شهور من الاجتهاد في التمشيط، عثرت خالته الكبيرة على النجار في المرآة بين خوذ غير متناسقة تاريخيا، وازياء معارك لا تتذكرها الحروب.

كان يسكن بالقرب من بيت الخالات، دكانه في مثلث غائر بين المكاوي وعبدو خوب، وفيه يصنع التوابيت السود الفاخرة لمقبرة عيسى دده، والرخيصة لمقبرة جامع جمشيد. لم يشك الولد في احتشام فضول النجار بعدان اخبره بحقيقة مناشف جده الضائع في البياض والتي يربطها حول رقبته للطيران. كما انه كتم عن تنهدات خالته تفاصيل العرض الذي قدمه النجار ما ان ظهرت البطاقة التموينية وامتنع التنور عن خبز الحنونة. قبلها لم يراقب الوانهن المبللة، وبعدها اخذ يسأل خالاته بين طشت وآخر ان كان التنور الزعلان يريد العصافير متعددة الالوان ام بلون التوابيت ؟. لكن تلك الاوقات الطارئة بقيت تؤجج قلقهن كلما نظرن في وجه الولد وتذكرن الاخت الكبيرة وصفارات الانذار. وكان دكانه هو الذي يمر بهن عندما يخرجن بزنابيل سجائر اللف فيحرسهن طرق المطرقة وحشرجة المسامير حتى يصلن الى الرجل المبتسم على شريط السجائر الاصفر وسط تحرشات صخب سوق الاربعاء.
الخالة التي شاهدته يرفع الاثقال في المرآة لم تتعرف على البطولة التي كان (ينتر) ويخطف فيها بلا هوادة دون ان يخلع ملابسه الحربية التي تعود الى زمن مقتل سنحاريب، ولكنها الوحيدة التي تعاطفت مع تحليقه البائس عندما وعدته بأخذه الى منارة الحدباء لتحمله اللقالق من هناك الى بستان الفيصلية ما ان تصدق نبوءة مرآة الصبر ويكف رجل الزقاق الاخير عن الظهور في الاجازات فقط. الا ان النجار الذي يصنع التوابيت نهاراً، ويمارس عصرا هواية رفع الاثقال في (رهره) بيت امه بين اوسمة وكؤوس اشتراها من تجهيزات الصفار الرياضية يلـح عليه بـان يخبره بالوان ملابس خالاته السرية كي يصنع له غصن عصافير خشبية ملونة ويترك المناشف التي لم تذهب الـى ابعد من حمام رأس الجادة.
في اوقاتهن مع التبغ الحار، علمه رزقهن كيف يحول طحين الحصة التموينية الى صمغ. عشرات (الحنونات) كانت تسيل لتحزم لزوجتها السجائر اليدوية الرفيعة بالاشرطة الصفر. هو يشبه الرجل المبتسم صاحب ارقى التبوغ الاقليعاتية والفرجينية والذي يذكّر الخالات بالاخت التي ذهبت معه في زفة عابرة منذ القدم. زفة عتيقة، لكنه يرى ابخرتها تتصاعد من رؤوسهن وتتكاثف قطرات من بياض ثخين على مشابك الشعر السود. هو الوحيد الذي يلاحق اسرارهن مع المرآة، اسرارهن المغطاة بالملاحف السميكة، ويعرفهن من انفاسهن الليلية المختلطة مع تبوغ الاب الذي يبتسم للمدخنين فقط.

الخالة الاخيرة عثرت عليه في المرآة بين عصرين اكثر قربا. يخرج من معركة ليدخل في اخرى بسيفه الاحدب اللامع وهو على ظهر دراجة بخارية حمراء. كان سمعها الراصد لاصوات المحركات يتوعد رفيف المناشف في طلعاته اليومية المتزامنة مع عواطف كوابيس اليقظة. هي الوحيدة التي استطاعت ان تسقطه بعد ان احضرت قصبة طويلة كانت تلاحقه بها في المربع الشرقي للبيت فيضطر الى الهبوط في الايوان او على (الصندلية)، الا ان النجار الذي يصنع التوابيت نهاراً، ويمارس عصرا هواية رفع الاثقال في (رهره) بيت امه، ويركب الدراجة البخارية ليلا، كان في مناسبات تعقب خروج الخالة الاخيرة في نهاية كل اسبوع مع اكياسها الورقية يصر في عطلة ثرثرته على ان المناشف التي يستخدمها الولد في الطيران ليست اصلية.
في اوقاتهم الحرجة تأكل اكياس الكرزات حنوناته صمغاً لزجا. اكياس صغيرة ولكنها تحتاج الى رقبة كبيرة. الحوش معبأ باكياس مصنوعة من كتبه المدرسية لم يجف طحينها بعد، ورقابهن في انحناء، بينما اسرارهن تتكاشف مع بعضها فوق رؤوسهن، وبين كيس وآخر تصعد اللعنات والشتائم من صمت رزقهن. تتلاحق بحنق لتنطلق بعيدا على خط (اقليعات – القوش). يوزع الولد بصره على مراقبتهن وحبل الغسيل، وعندما تصل الاكياس التاريخية والجغرافية والرياضية الى قنطرة الباب، يقوم بجمعها بهدوء وبلا نويا متطرفة.
تحتشد الروائح معادية انوفهن. قدور، وافران، ومداخن حمامات تتضامن ساترة انفاس تنور صغير في ركن من سطح مهمل، وهن في اصيلهن المعتاد بين السجائر والاكياس ينظرن بحيرة وترقب. المنزليات في اماكن معروفة،
ومناشفه على الحبل وسط الوان ملابسهن السرية. الباعة في الزقاق واصواتهم القادمة من بعشيقة وبرطلة وتلكيف تتجول بين المسامع تحمل للنسائيات (بقجة) الحظ، وقلادة المحبة الابدية، وخاتم الامنيات، بينما الولد الجالس على اريكة ثرثرتهن مقلدا بلا ضغائن اوقاتهن الجميلة مع الشاي، يمسك بيديه (حنونة) سمراء وعلى شفتيه ابتسامة ساخنة.
بغداد 1996
1 - الرهره: السرداب.
2- المكاوي، عبدو خوب، الفيصلية: احياء سكنية في مدينة الموصل.