الخالة الاخيرة عثرت عليه في المرآة بين عصرين اكثر قربا. يخرج من معركة ليدخل في اخرى بسيفه الاحدب اللامع وهو على ظهر دراجة بخارية حمراء. كان سمعها الراصد لاصوات المحركات يتوعد رفيف المناشف في طلعاته اليومية المتزامنة مع عواطف كوابيس اليقظة. هي الوحيدة التي استطاعت ان تسقطه بعد ان احضرت قصبة طويلة كانت تلاحقه بها في المربع الشرقي للبيت فيضطر الى الهبوط في الايوان او على (الصندلية)، الا ان النجار الذي يصنع التوابيت نهاراً، ويمارس عصرا هواية رفع الاثقال في (رهره) بيت امه، ويركب الدراجة البخارية ليلا، كان في مناسبات تعقب خروج الخالة الاخيرة في نهاية كل اسبوع مع اكياسها الورقية يصر في عطلة ثرثرته على ان المناشف التي يستخدمها الولد في الطيران ليست اصلية.
في اوقاتهم الحرجة تأكل اكياس الكرزات حنوناته صمغاً لزجا. اكياس صغيرة ولكنها تحتاج الى رقبة كبيرة. الحوش معبأ باكياس مصنوعة من كتبه المدرسية لم يجف طحينها بعد، ورقابهن في انحناء، بينما اسرارهن تتكاشف مع بعضها فوق رؤوسهن، وبين كيس وآخر تصعد اللعنات والشتائم من صمت رزقهن. تتلاحق بحنق لتنطلق بعيدا على خط (اقليعات – القوش). يوزع الولد بصره على مراقبتهن وحبل الغسيل، وعندما تصل الاكياس التاريخية والجغرافية والرياضية الى قنطرة الباب، يقوم بجمعها بهدوء وبلا نويا متطرفة.
تحتشد الروائح معادية انوفهن. قدور، وافران، ومداخن حمامات تتضامن ساترة انفاس تنور صغير في ركن من سطح مهمل، وهن في اصيلهن المعتاد بين السجائر والاكياس ينظرن بحيرة وترقب. المنزليات في اماكن معروفة،
ومناشفه على الحبل وسط الوان ملابسهن السرية. الباعة في الزقاق واصواتهم القادمة من بعشيقة وبرطلة وتلكيف تتجول بين المسامع تحمل للنسائيات (بقجة) الحظ، وقلادة المحبة الابدية، وخاتم الامنيات، بينما الولد الجالس على اريكة ثرثرتهن مقلدا بلا ضغائن اوقاتهن الجميلة مع الشاي، يمسك بيديه (حنونة) سمراء وعلى شفتيه ابتسامة ساخنة.
بغداد 1996
1 - الرهره: السرداب.
2- المكاوي، عبدو خوب، الفيصلية: احياء سكنية في مدينة الموصل.