الرواية الجديدة في مصر
نزار عبدالستار
نزار عبدالستار
الرواية الجديدة في مصر
 
نزار عبدالستار

مع مطلع السبعينات شهدت الثقافة في مصر بروز موجة صاخبة تمثلت في ظاهرة الأدباء الشباب الذين هاجموا تقاليد القصة و الرواية المصرية و أعلنوا عن واقعيتهم الجديدة في أعمال كتبها: إبراهيم اصلان وعبد الحكيم قاسم و يوسف القعيد و مجيد طوبيا و محمد حافظ رجب و يحيى الطاهر عبد الله و محمد البساطي ، وكان على هؤلاء الانتظار حتى مطلع القرن الجديد لمواجهة موجة شبابية تبدو ألان في حداثتها اقل قدرة على التصدي للثوابت و لكنها اكثر ضجة تمثلت في ظهور أسماء روائية جديدة استطاعت العثور على منافذ لها في الهيئة العامة لقصور الثقافة وفي دور نشر أخرى منها دار ميريت و الشروق و شرقيات0 هذا النشاط الروائي المصري برز في عقد التسعينات وازداد نشاطا في السنوات الأخيرة مشكلا مع بداية عام (2002) ظاهرة غير مسبوقة وهي صدور عدد كبير من الروايات في وقت واحد0
إذا كان الواقع بالنسبة للروائي هو المجهول و ألا مرئي وفق التشخيص الساروتي فان رواية ما بعد حزيران 1967 في مصر اهتمت برصد المتغيرات الحياتية وأضافتها الى المنظر البرجوازي الذي اجتهدت الرواية المصرية في ترسيخه طوال عقود متتالية ، ورغم جدية الطرح و الرغبة الثائرة في إزالة الشوائب الفنية عن المواقع وما ظهر على الرواية من استخدام للسطورة الشعبية والتاريخ والمدارس الفنية الحديثة ،ألا أنها بقيت من الناحية التطبيقية متمسكة بإطار الرواية المحفوظية مع احتفاظها التنظيري بالتصميم على تحقيق واقعية متعصبة تعارض استعمال المكياج الفني
0
أن ما يميز جيل الرواية الجديدة في مصر هو إهماله عن قصد هذا الإطار البرجوازي الذي حفظ صورة تبدو الان باهتة وغير حقيقية للإنسان المعاصر ، وتوغل كما في روايات علاء الاسواني ومنتصر القفاش وسعد القرش وبهاء عبد المجيد في الذات ليكتشف ذلك الجانب الغير منظم والمهمل من الشخصية ، وكذلك الظل القاتم لمجسمات المدينة0 لقد شهدت الرواية المصرية عن ارادة اختفاء المثقف والسياسي و العاشق والمكافح وابن البلد ليحل محله عند حمدي ابو جليل في رواية ( لصوص متقاعدون )وعند ياسر عبد الطيف في (قانون الوراثة ) وعند محمد إبراهيم طه في ( سانت تريز ) اللص والمدمن والإنسان الذي يعيش خارج خارطة الأحداث ، والامر نفسه ينطبق بشكل ملفت للنظر على روائيات مثل ميرال الطحاوي ومي خالد وهناء عطية ونجوى شعبان حيث لاتبرز المرأة بالشكل التقليدي ،أسيرة قانون الذكورة كما في السابق وانما تحاول ان تكون مع العالم الجديد في منحنياته وتقلباته0 المرأة في رواية (الباذنجانة الزرقاء ) لميرال الطحاوي وفي ( جدار أخير ) لمي خالد تعمل للتغلب على أزمتها الحياتية من خلال موقعها الإنساني الجديد والتعايش معه0 هذه النظرة الإيجابية لاتتقاطع مع تأكيد الموجة الجديدة على تصوير التنافر وفرض وجه الاختلاف ورفض الصورة الإعلامية لأنها لا تتعامل مع عقدة الجسد وفق تقاليد الأدب النسوي بل تسعى إلى الانفتاح على عوالم جديدة في التجربة الانثوية0
المصرية هو انفتاحها على ثقافات نشأت وتفرعت من ثقافة الاستهلاك ، وهي وأن تخصصت في (كواليس المدينة / الشوارع الخلفية /البدو /الرعاة /الأقباط / مجتمعات الأطراف ) واهتمت بالشرائح البعيدة عن التمدن والمكننة والقانون ألا أنها لم تطرح شكلا فنيا مغايرا وبقت ملتزمة بالتقاليد التي أسستها الحساسية الجديدة في أعمال أدوار الخراط وعبد الحكيم قاسم ويحيى الطاهر عبد الله وأيضا في تجارب القعيد والغيطاني وهذا ما تكشف عنه رواية ( حديث الجنود ) لسعد القرش ورواية ( عمارة يعقوبيان ) لعلاء الأسواني رغم غلبة الخطاب الهجائي عند القرش وهو ما تحاول رواية ( اللامبالاة ) التركيز عليه كوجه من وجوه الرفض والقطيعة0
أن مجموعة من الروايات مثل ( أيام وردية ) لعلاء الديب و ( سقوط النوار ) لمحمد ابراهيم طه و ( الخباء ) لميرال الطحاوي و ( تصريح بالغياب ) و ( أن ترى الان ) لمنتصر القفاش لا تشير بشكل واضح الى محاولة التمسك مرة أخرى برواية واقعية وفق اقتراحات تفرضها متغيرات الواقع ، وانما هي في عدم تقديمها لاشتراطات واضحة ودقيقة تشترك في اجترار الإرث الفني الذي وصل إلى تكامله في الرواية المحفوظية ، ومن جهة أخرى تحاول العبث بالصور الثابتة والشخصية النمطية والبيئة الراسخة وصولا الى عزل الذات ونمذجة العولمة الثقافية وهي بهذا تنفرد بتمردها ومحاولتها الانفتاح على حركة الشارع السريعة وليس على متغيرات الحارة المصرية ، وعلى ازدواجية التمدن واضطرابات السوق وانكماش الإنسان أمام الضغط الاقتصادي وليس على ثورة الحياة وتطور المجتمع والانسان الجديد وهو الأمر الذي جعل النقد يتهم التجارب الروائية الجديدة بعدم الجدية خاصة وأن اغلب هذه الروايات باستثناء أعمال القفاش وميرال الطحاوي ونجوى شعبان وعصام راسم وسعد القرش هي الروايات الأولىس لكتابها0
أن محاولة كهذه لابد أن تجد لها وسيلة تعبيرية تمتلك القدرة على احتواء هذا العالم ، واذا كان عقد السبعينات قد شهد في البداية انجذابا ملحوظا نحو فن القصة القصيرة فان جيل التسعينات في مصر وجد في الرواية الشكل الفني القادر على كسب منطقة كتابة حرة0