ليلة الملاك..رواية
الفصل الأول
نزار عبدالستار
نزار عبد الستار
ليلة الملاك
رواية
الفصل الأول
1
 
كانت شبابيك المداخل البيض قد أكملت غلق مسارات التنزه ، وصبت زحام الابتهاج على الأرصفة عندما دخلا بلا تذاكر في ساعة هادئة من بقايا الليل ، وهبطا تدرجات الكونكريت المنسكب عند مدخل مدينة الألعاب ، ثم تعمقا في ظلام حديقتها 0
سارا معا على ممرات منقوشة بحصى ملون بين مخلفات مسرة يوم الجمعة التي لم يبق منها غير حوارات ضالة غادرها الرجال ، وأحاديث بناتية تقشب على الهواء ، وأنفاس نساء تركتها أبخرة قدور الطعام 0 تخلت أضواء أعمدة الكهرباء المغروسة في جزرة تقاطع الجسر العتيق عن مساندة القمر ، ما ان بدأت مساحة الخضرة تنخفض بهما ، وهي تزداد انفراجا بين ضلعي السدتين المشرفتين على تعرجات نهر الخوصر شرقا ، واستقامة نهر دجلة غربا ، دافعة خطواتهما في طرق منغلقة بالسواد ، تتراصف على جانبيها جذوع أشجار تتصافح أوراقها في الأعلى 0
غربت عنهما قمة اقليعات ، وانطفأت خلف تحاشك الصنوبر أضواء سيارات الوقت المتأخر 0 تحدبت بهما مسالك الحديقة بالعة من الأفق الخلفي أناقة المدخل وجدارية راكان دبدوب المزججة بأطفال على وجوههم ابتسامات عريضة ، يعود تاريخها إلى فترة السبعينات .
لم تستطع كلمات ( السمارتو ) ، المتدفقة من مخرج وحيد ، تفكيك ملامح يونس وتخليصها من عالم الظلام القابض على أعناق النباتات ، وبدت منوعات شكله الجسماني المتشابهة مع رموز الحروب الآشورية غير قادرة على منازلة أجواء جولتهما الحرة ، والاستيلاء على انتباهة الصبي الخائف الذي علس ذهنه فرحة هبوطه إلى المدينة ، واستسلم لاتساعات بصره الأسود المتعارضة مع ايحاءات ثيابه الناهضة من النوم 0
ثقلت الظلال في عيني يونس ، وظهرت دروب الخضرة بلا نهايات ، لا يتحرك فيها الهواء ، تحف بها قامات ليلية تتحاور بوقع أظلاف وحوافر 0 سحب ( السمارتو) من عباراته ذكريات متع الاحتفالات البائدة ، واستنفر خليط لغاته في تقوية قلب الصغير 0 تعالت موسيقى الكلمات في حفاوة راقصة ، واهبة سمع يونس فرحة أجراس الذهب الكروية وهي تجلجل للخطوة الأولى ، تساندها خشخشة المحمدية ، وأسنان الثعلب الحارسة لمشيته ، لكن الظلام كان اشد صخبا ، واكثر سطوة ، وقد حشر أصابعه في ثقبي البياض الناظر 0 تكاثرت الألوان في ضوء ذاكرة يونس وكذلك بكاء حسن وضجة صغار الزقاق الباحثة عن اللعبة المسروقة 0 ظن إن الله يعاقبه، فتضخمت الألوان والرسوم نازلة على عينيه كما الألواح 0 دخل في الأحمر ، والأخضر ، والأصفر ، فانقسم المكان في ذهنه إلى مربعات ومثلثات تراصفت في التواءات حلزونية معلمة بأسهم ووجوه قرصانية البشاعة ، تتراوح عليها ابتسامات مشوهة تنطق بالعقوبات 0 ابيضت صوره فجأة ماسحة مشاهداته النهاريه العارفة بالمناطق والأسماء ، تاركة دراية اليد التي امتدت اليه وأخذته من نوم الناس تعيد صياغة ما يعرف : شوارع سود أنفك عنها سعي السابلة ، و تصالحت على وفرة نفاياتها عداوات الكلاب 0 بنايات عالية ، ومناظر نظيفة خالية من ضياع الصباح و ثقله في انسدادات أمعاء السوق 0 أرصفة وأزقة رزق مسقفة بالواقيات، ومبطنة بالدكاكين ، لا تبيع في الليل غير صفير الحراس ، ولكنها الآن مبتعدة ، غائبة عن أقدامه وهو لا يعرف كيف يعود0 ربما ماتت المدينة ، أو رحلت البيوت عن النهر 0 شاهد يونس المربعات والمثلثات تتحرك به في مواقع حقيقية لمتاهات لعبة جزيرة الكنز التي سرقها من حسن0 وعرف بأنه في التالي من الوقت سيترك وحده في هذا المكان ، وان نردا فضائيا سيسقط عليهما ، بلا زغل ، من السماء ليستقر على رقم نحس يوقفه في خانة قرصان اعور يقول له : أدخل مدينة العاب الشياطين 00 هذه هي حوبة تصرفاتك وعدم سماعك للكلام0
*****
أوقفه ( السمارتو ) في فسحة ينش القمر عتمتها على نسخة حديدية من أول جسر عرفته اقليعات تذكّر الزوار بحدادة الميثاق وليس بالوالي الاموي مروان بن محمد ، وعبّر له بخنخنة عن فرحة ضغائنه بنتش لحظات مصالحتهما من ستة وعشرين قرنا لم تحتكر مذلة في الإطاحة بمفاخر تراثه الشخصي 0 ارتخت أصابع ( السمارتو ) الممسكة بالدلو الخشبي ، وتهدل غصن الآس المغروس في قبضته اليسرى ، بعد وقفة لهاث أظهرها الضوء الفضي الشاحب على شكل ابتسامة منقارية ، اشتبك صفاؤها مع تفاصيله المعقدة ، فبدا لعيني الصبي في مفترق تلك اللحظة من نزهتهما متناسقا بجسده البشري الملتحم برأس صقر كبير الحجم ، وبالأجنحة الصفر المزدوجة على ظهره0
سكت (السمارتو) ثم تطلع إلى الأعلى موحيا للصغير بأفكار شريرة 0 لم يمض سوى القليل من الرهبة حتى احتشدت هواجس يونس في رغبة مسعفة كانت تدفعه في ظروف هلع مماثلة إلى مخابئ البيت ومتاهات الأزقة 0 رغبة نارية يتنمل معها القلب كلما أصابته لدغات المساطر العريضة ، وعصي ملا حامد القاسية ، والأحجار المنقذفة نحو هزيمته 0 أخذ الجسم الضخم المؤطر بالريش يدور ببطء مولدا دوامات هوائية وتقاسيم تنفسية متصاعدة ما لبثت أن هدأت واستقر المنقار متبوصلا نحو جهة الممرات الذاهبة إلى الباب الثاني حيث كانت أشجار الصنوبر في نهاية الرؤية أقصر من قمم هياكل الألعاب الحديدية 0 شاهده يدخل غصن الآس الأخضر في الدلو ثم يخرجه 0 أحس يونس بثقل قطرات الماء وهي تنقر قبة رأسه باطحة شعره الخفيف المنتصب 0 تعصب جسده وتحفز لمجابهة هذا المزاح الثقيل ألا أن الغصن المبلل تحرك مستقبلا الجهات وراح يختض ناثرا الماء0 تمتم ( السمارتو) بكلمات متآكلة الحروف ، خرجت من منقاره خافتة ومرتعشة ، توزعت أنغامها المتوافقة النهايات مع حركة يده التي امتدت مرشدة بدرايتها بصر يونس إلى فضاءات جديدة مزينة بخطوط ضوئية رغوية يلعب فيها الهواء 0 شعر الصبي بتنقلات مكانية وبحركة تموجية تشبه الوقوف في زورق يلهو به النهر ، وبدأ يشاهد الاشجار المشتعلة بالسواد والمطبوعة على السماء المخففة بالقمر تذوب كما الشموع فاسحة المجال لأشباح آلات المدينة للظهور بشكل كامل 0
كان القمر يبدو خلف رأس برج المدينة مثل شفرة سكين منجلية 0 تملكت يونس نوبة بكاء أخذت تشنجاتها تمص قصبة تنفسه ، ساحبة من قلبه ماء المخاوف ، ما أن راح ذهنه يصنّع تحذيرات أمه وحكاياتها عن الغرباء الذين يسرقون الاولاد ، وينتج العديد من المناظر الدموية لعملية تقطيعه إلى قطع لحمية صغيرة متصورا نفسه وقد تحول إلى طبخة ( قلية) اقليعاتية يبيعها ( السمارتو) في باب الطوب للذين لايعرفون من الخروف غير روثه 0
تنازل رأس ( السمارتو) عن شموخ الشبع ، وبدأت رقبته المتدثرة بالريش الكستنائي تعلو وتهبط في التفاتات سريعة وكأنه يعترض على بشاعة خيال الصبي 0 وجد يونس ذاكرته تستخرج لقطات حضور (السمارتو) في الموعد الذي حدده بعد حادثة السطح ، وكيف ايقظته يده ، وغسلت وجهه ، وخرجت به من محلة حوش الخان ، ثم تلاحمت الدروب متابعة سيرهما في أزقة كنسها الليل وأوت روائحها إلى البطون ، واحيت مسامعه ترنيمة قضبان الجسر العتيق المعزوفة بالماء والهواء ، لحظة كانا يتفرجان على اسماك ( الاكيتو) الفسفورية وهي تتغازل في قاع النهر مراودة باتصالاتها الضوئية مع القمر أنوثة الماء عن الجريان 0 الا أن يونس قطع سيول ذاكرته بفكرة الهرب وبدأ بانتظار فرصة مناسبة تمكنه من تسديد لكمة قوية إلى بطن هذا المخلوق الغريب ، تعيقه عن مطاردته والامساك به 0
جلس (السمارتو) على الحاجز الواطيء للجسر ثم سحب الصبي من ساعده وقرّبه اليه 0 حصر الدلو بين قدميه المغلفتين بصندلين من جلد اسد التراب، تتشابك شرائطهما واصلة إلى الركبتين، ممكنا بصر يونس من تفحص قلادة أدوات التعذيب المتدلية على صدره ، وتلك الثياب الصفر المشغولة بخيوط من صوف الشجر0 نظر (السمارتو) اليه بعين واحدة ، مانحا انفاسه المتسارعة مهلة للاستقرار والهدوء0 كان في تطلعه الهاديء اكثر براءة من ظنون الصبي ، وبدا أشد غباءا من الزرازير ، واسهل منالا من تتبع تنقلاته الشجرية 0 صعد جفنه من الأسفل مغطيا عينه بغشاء ابيض ، معطيا بإغفاءاته الصقرية المتعالية فضول يونس فرصة للتآلف 0 استقالت فسحة الجسر من سكون الحديقة وبدت مستيقظة بضجة المواصلات الخفيفة ، تسعى في فضائها الضيق زقزقة عصافير الصباح 0 تأمل الصبي الرأس الشبيه بثمرة عرموط منغّلة بحجم بطيخة تلعفرية ، مفكرا بأن الأمر ليس اكثر من خدعة مدبرة وانه ألان في النوم على القنبة وتحته صندوق سجائر (الاسبين) وما إن ينهض ليتبول حتى يزول كل شيء 0 فتح (السمارتو) عينه شاعرا بالدبيب في جلد أجنحته وبتفقس بعوضي يحبو على دم مناطقه البشرية0 نفض أجنحته وهو يشكره بصوت من تغاريد منقارية على دقة أفكاره 0 نعم هو يستحق لكمة عنيفة تثقب بطنه 0 وقال بعدها ان على المخلوق أن يكون متوحشا مع نفسه ورغباته ، ولكن عليه أيضا أن يشفق على سنوات الشرف التي عاشها ، لذلك فهو يشعر بحزن هائل على مصيره وهو يتحول عند الناس إلى مجرد (مفجوع ملذوع ) يضاف إلى ( شعّاف الاقع) و(مبعوج العين) و(ماينغشع) الذين لاقيمة لهم سوى جعل الحياة اكثر بشاعة 0أغمض عينيه واتجه بمنقاره المعقوف صوب القمر، ممكنا الصبي من رؤية بخار انفاسه والتأثر بتلك الرطوبة النباتية ، المتقطرة كما الدموع على الجفنين الرقيقين 0 كان في حزنه العذري ابعد ما يكون عن هول انفجاره الاول ، وهو يخرج اليه من ميزاب السطح مستهترا في نوبة جنون انتقامية ، حين قذفته ادعية فطوشة ، دون رحمة بفرحة العيد، ليصبه الميزاب رصاصا ناريا في قالب من طين المطر 0 بدا في المه القمري بريئا مثل صور الحيوانات على الحقائب المدرسية ، ومسكينا مثل بطة بلهاء 0 فتح (السمارتو) عينيه ليعترف امام يونس ، وكائنات الخضرة بأنه ارتكب أحقر وأبشع المجازر ، وان رحمة البشر لن تقدر على غفران (4315678) جريمة ارتكبها انتقامه طوال قرون الانشقاق التي عاشها0 وقال أيضا بأنه الوحيد الذي يستطيع تحديد كمية العقوبات التي توازي آثامه 0 إن لكمة واحدة في بطنه هي في الحقيقة نعمة كريمة يستحق عليها الشكر والتقدير 0
وضع يونس يده على رأسه ساترا عري خواطره 0 كان على يقين من سرية تفكيره ، وانه تكلم بصمت مع نفسه ولم ينطق بأية كلمة من كلمات دماغه 0 فتح (السمارتو) منقاره ، وهز رأسه بحركة سريعة وسّعت من عيني الصغير وأرجعت جذعه إلى الخلف ، مما دفع (السمارتو) إلى رفع يده ، مشكلا من سبابته وابهامه ، مايشبه الفم 0 إحتفظت ملامح يونس بمخاوفها ، الامر الذي اضطر (السمارتو) إلى القول بأنه كان يبتسم 0 قالها ثم كرر ما صّرح به لحظة تفرجهما من فوق الجسر العتيق على أسماك (الاكيتو) بأنهما الليلة يتمتعان معا بذكرى ليلة الخروج المباركة ، ليلة زوال العقاب 0 أعاد كلماته وهو ينهض بتثاقل وقد قطع الحزن مدارات الاحمرار في عينيه الصغيرتين 0
 
*****
مالا بجذعيهما إلى الخلف ، وهما يهبطان ويشقان طريقهما بأقدام ثقيلة ، طفق وقعها يلوث سكون المكان ، ويرشق أعشاش الطيور بالكوابيس 0 كانت أدوات انتقام (السمارتو) المتدلية على صدره تبث فوضى مصاحبتها لخطواته في استرخاء الحديقة، مخثرة أصداء البكاء حول الاراجيح ، وأبراج التزحلق ، ومحفزة يونس بن صالح البقال على مغافلة انطباعات ( السمارتو) ، ومداعبة رنينها المندحر وهو يبرق متعاكسا مع أضواء فوانيس الممشى التي بدأت تتابع ، بإيحاء من مائه المقدس ، ايقاع تآلفهما بتوهج احتفالي خالف التأسيسات الكهربائية وتكور بلا قشور زجاجية على الاعمدة القصيرة 0 أخذت تتكيء من جديد مساقط نداءات باعة ، يمرق من أمامها همس تلمظ صغير تجره اصابع خشنة 0 إرتفعت الاصوات وتفرعت ، واضحة وجلية ، وكأن الارض دارت بسرعة واستقرت على يوم صاخب لايكف فيه الكبار عن اخراج فلوسهم 0
لم تقدر اغماضات يونس من الاستقرار على رؤية واضحة ، ولكنه شعر بثقل على جانبي سروال منامته ، وفي جيب قميصه القريب من القلب ، وبموسيقى في أذنيه ، وتحركت اصابع قدميه متلولبة بفعل ضغط تلبسهما فجأة، سحب من تحتهما صلابة النايلون الاسود المعاد ، وغلفهما بجلد دافيء 0 كان يونس يرى ، ويسمع ، ويحس ، ولكنه لايستطيع ان يصدق 0
اشتعلت اضواء الحواجز المطوقة خط السكة الحديدية، وتوهجت كشافات الحديقة الخلفية المضادة للغرام الاحمر ، معرية الجذوع من ستر الظلام ، وخارمة كثافة الاوراق والاغصان ، فتسرحت من ضيق السواد أفواج الاشجار ، مخلية مجالات الحركة لهما 0 ألف يونس الاجواء ، وصار منظر (السمارتو ) المجنح ، أكثر واقعية ، وأخف بشاعة من لحظة التعرف الجهنمية0 شجعته على ذلك تلك الامور المسلية التي كان (السمارتو ) يبتدعها كلما أشعرته فرحة يونس باهميته ، وبعمق مابينهما من تسامح وصداقة ؛ فيعمل في الانعطافات على تغييب النور ، واطلاق اضواء تياره الخاص ؛ فتتوهج أجنحته ، ويتحول إلى سنبلة صفراء مشعة ، تتهرب بالرقص من حصاد الظلام ، وسط ارتفاعات صنوبرية صارخة ، وانحناءات صغار اليوكالبتوس ، الاقل انشراحا من مظهره الملتزم ، الذي يوحي به ختم زهرة البيبون على جبينه العريض 0
اختلفت المناظر في عيني يونس 0 لم تكن ضيقة وضعيفة الخضرة كما شاهدها في العيد الكبير0 بدت هذه المرة نظيفة وواسعة ، قريبة مما كان يراه في بيوت أحياء الدندان ، والجوسق ، والطيران ، عندما كان يخرج مع اصدقائه في حملات ظهرية لسرقة البرتقال ، والعرموط ، والسفرجل من الاشجار المتكئة على الاسوار ؛ فتنفتح امام بصره المتسلق ، مساحات شاسعة من خضرة منسقة ، ومشذبة، تحددها مسننات طابوقية ملونة 0 كانت الاراجيح الاسرية العريضة ، وتجمعات الكراسي ، والعاب ( بزر النستلة ) المتروكة تحت الشمس تسحره ، وتشجعه على قطف ما تصل اليه يده بلا خوف 0 أشعرته المناظر الجديدة التي فتحها ( السمارتو ) له بمتعة الامتلاك ، وجعلته يلهو بحرية مهذبة ، وكأنه من اولاد تلك البيوت اللامعة التي عادة ما تكون كبيرة كما المدارس 0
*****
 
ابتعدا بتفاهمهما عن المحاذير التربوية التي تقيّد علاقة شخص واصل الحياة إلى الالف السابع من عمره مع صبي في العاشرة 0 بدأ ذلك يظهر في التعجيل الاجتماعي الذي اعتمده ( السمارتو) للتقارب ، فقد أزال الحواجز و التراكمات و شجع يونس على التعامل معه وفق تصرفات مرحلته العمرية الخاضعة لقوانين علاقات ألازقة ، وأستخدم اكثر السلوكيات عفوية و أشدها تعلقا بالغرائز لتصغير حجمه الهائل ، ولأظهار ما في مخازنه القلبية من طيبة ومحبة لا تعرفها الأمهات، والجدات ، والعمات، والخالات0
لم تزعج ( السمارتو ) تلك الاستهانة التي راحت تبديها افعال يونس وانطلاقاته المجنونة . تجرأ ومد الصبي بالمزيد من الأضواء ، وبحث معه عن ارض مستوية تصلح لدائرة لعبة الكرات الزجاجية 0 أعلمته الكلمات البذيئة التي سمعها من فم يونس، وعبارات أبناء الشوارع التي كشفت عن معرفة واسعة بالأمراض النسائية بأن دورة جرائمه بحق الطفولة قد أكتملت وها هي تعود اليه لتنال منه ومن آبائه ومن ستر امرأته وأخواته .
كانت مفاجأة كبيرة ليونس عندما أخرج (السمارتو) يده من خلف ظهره وبسطها ببطء وهو مفتوح المنقار يبتسم لرؤية سعادة الصبي المندهش وتفجيرات الفرح في عينيه المتطلعتين إلى كرات زجاجية ضوئية قال عنها (السمارتو) أنها تصيب أهدافها بدقة كالصواريخ الحديثة ، وقال له أيضا :
- انها هدية بسيطة … أتمنى أن تنسيك قباحة تجسدي لك عندما استجبت لدعوة جدتك فطوشة وظهرت لك في السطح0
مسح يونس عرق أنامله بثيابه ثم تلمس نعومتها اللؤلؤية التي راحت تشع في كفيه ملونة تقاطعات الخطوط0 سأله وهو يمتحن على الأرض قدرة الكرات :
هل أستطيع بهذه أن أكسب كل الكرات الزجاجية التي في العالم ؟
أنكمشت أجنحة ( السماتور ) ، وفقدت عضلاته البارزة انتفاخات القوة وهو يرد بخيبة:
- نعم تستطيع يا يونس بانيبال0
أخذا راحتيهما في لعب أربع جولات أنتهت لصالح يونس بعد منافسة غير متكافئة لعب فيها ( السمارتو ) بكرات تقليدية استعارها بلمحة ضوء وخفقة جناح من دكان أحمد السقيع ، الا أن ما قاله (السماتور) عن الاستعارة السحرية لم يدخل عقل الصبي رغم تأكده من حقيقة أن أحمد السقيع لا يغلق دكانه الذي في السرجخانة أبدا ، ولا يغيب عنه حتى في سفره السنوي إلى الحج في بلاد المكعبات ، والميكانو ، وسيارات السباق، ومسدسات الماء 0 فأعاد الكرات التي ربحها اليه وطلب منه أن يعيدها إلى الدكان لأن السقيع سيحجر اصابعه ما أن يكتشف غيابها0 حاول ( السمارتو ) بغيظ أن يقلل من أهمية الأمر قائلا للصبي بأنه الأقوى وأن عليه التفريق بين الأساطير الشعبية عن البخلاء ، وتجار الألعاب وبين حقيقة قوته المتنعمة ببركة صاحب الكلمة المقدسة ، قاهر المياه ، لكنه تصلب في مكانه باحترام خاشع متناسيا كلامه بعد أن شاهد في العمق من ذاكرة يونس صورة متحركة تجمعه مع امه تعرض نظرته القديمة المتعلقة بآلة كمان صغيرة ، وكيف قالت له امه وهي تجره من يده : هذه الألعاب يجلبها السقيع من مكة لذا يجب أن تنظر اليها فقط0
*****
لم يخل تآلفهما العفوي من هبوط الحماس أو صعود الكآبة0 كانت تلك اللحظات تشتعل فجأة ، تسقط عليهما مثل الصاعقة الصيفية ثم ما تلبث أن تبرد أمام خباثة الهواجس وجبن المخاوف0 بدت مسالك الحديقة مسكونة في نهاياتها القريبة من ساحة مدينة الألعاب بزحام صوتي سرقه ( السمارتو ) من الساعة الأخيرة قبل الإغلاق ، ومكشوفة بإنارة توحي بأوقات مبكرة فرغت توا من وداع النهار0 الا أن هذه الطمأنينة دفعت يونس إلى الحذر ومراقبة رأس الصقر الكبير الذي يجاهد في الخروج من قسوته الخلقية ، وتعاليه الفطري0 فتش الصبي عن نوايا القنص في هالات البراءة المستديرة في العينين المشتتين ، وتابع انقباضات عضلات ( السمارتو ) المدهونة بالضوء وهي تبرز من بين حبال الأوردة بانتفاخ وضخامة مثل بيوض النعام ، فهذا المخلوق ، كما قال لنفسه ، يمكن أن يكون من المتنكرات الذكية التي يكثر سقوطها من السماء هذه الايام ، وقد ينفجر بين لحظة وأخرى0 ثم تذكر ما كان يقوله لأولاد المحلة عن مشاهدته لقنابل من دمى البنات تلقى من الجو ، وعن أصابع الديناميت المغطسة بالشكولاتة ، وعلب البيبسي كولا التي تطلق رغوة كثيفة تغمر الأنسان لتتصلب كما الأسمنت ، وكذلك كرات النايلون البارودية ، هدايا الطائرات ، والتي تتسلل خارجة من بين أقدام الاعبين لتتدحرج في الشوارع ، باحثة عن أصوات محركات سيارات التويوتا ، والبرازيلي ، كي تنفجر تحت عجلاتها0 ثم فكر بأن هذا الوحش قد يكون مدفعا متنكرا أو ديناصورا أمريكيا لبس شكل ( مفجوع ملذوع ) اقليعاتي ، وقال وهو في صمته المحدق في ( السمارتو ) : من غير المستبعد أيضا أن يكون هناك يونس مثله يدخل البيت عائدا من السوق لينفجر ممزقا أمه وجدته فطوشة ، لكن ( السمارتو ) تدخل متسائلا ان كان هذا ما يظنه حقا ؟0 تعثر لسان الصبي قبل أن يرد بنعم مسموعة0 تهدلت الأجنحة وفقدت طراوتها ، وبدا ذلك الهيكل الضخم المهجن الحامل للدلو الخشبي المحفور بشجرة الطرفاء مثل ماسح زجاج سيارات يعمل في مطاعم الطرق الخارجية0 أخرج ( السمارتو ) غصن الآس من الدلو وأشار به إلى صدره وسأله بتوجع ان كان يظنه قنبلة ذكية سقطت من السماء ؟0 تراجع الصبي بخوف معتقدا بأن صديقه ( السمارتو ) سيستل الآن من قمة رأسه فتيلة زنبوره الناري المدمر ، وأنه سيستعمل علبة ثقاب لاشتعاله الوجيز لينثر نجوم شرارات العداء قبل أن ينفلق مطلقا النار من جسده0 طلب ( السمارتو ) منه أن لا يضطرب0 وضع الدلو على الأرض وأمره بالأقتراب كي يتأكد ويبحث بنفسه عن علامة تدعم مزاعمه وشكوكه0 فك نطاق جلبابه العسكري ورفع قماشة الظهر ثم قلبها أمام بصر يونس وأخذ يدور حول نفسه معرضا جسده لالتقاطات البصر0 دار بعنف قاذفا رذاذ كلماته الآشورية في الهواء0 انقاد الصبي بلا ارادة ليقترب منه لحظة توقفه عن الدوران0 منحه ( السمارتو ) صفحة رأسه اليمنى ، ونظر اليه بعين حمراء وأمره أن يفتش في جسده وثيابه وأجنحته ، ويبحث في الدلو عن عبارة ( made in U.S.A )0 نطقها بلغتها ثم ترجمها إلى العربية0 وبعد صمت طويل، أشعره بتعاطف الصبي وندمه ، قال بأنه ليس اكثر من ( مفجوع ملذوع ) ظلمه التاريخ وشوهت الجدات والخالات والعمات سمعته، وأنه في هذه الليلة لن يشبعه ضربا وركلا أو يسلخ جلده بكيس الحمامات الأسود ، وأنه لن يعمل على اصابته بالاسهال أو يسوس أسنانه0 لن يجعله يتبول في فراشه أو يشوه وجهه بحبوب الشباب أو يعلمه ممارسة العادات السرية0انه اليوم في أسعد أيام حياته لأنه بمنأى لليلة واحدة عن أحقاده والأدعية المضادة لحرارة الدم0 وقال أيضا بأن حظه القوي هو الذي جعله يفعل فعلته الحقيرة مع جدته فطوشة في ذكرى الوقت الوجيز لانطلاقته الثانية للبحث عن اليابسة وينال شرف رؤيته والاحتفالات معه بمرور سبعة آلاف سنة على ليلة انتهاء الغضب0
مسح يونس أنفه بظاهر كفه، وأقترح عليه ، بعد ابتسامة سريعة ، أن يتسابقا للوصول إلى الباب0