لم تقدر اغماضات يونس من الاستقرار على رؤية واضحة ، ولكنه شعر بثقل على جانبي سروال منامته ، وفي جيب قميصه القريب من القلب ، وبموسيقى في أذنيه ، وتحركت اصابع قدميه متلولبة بفعل ضغط تلبسهما فجأة، سحب من تحتهما صلابة النايلون الاسود المعاد ، وغلفهما بجلد دافيء 0 كان يونس يرى ، ويسمع ، ويحس ، ولكنه لايستطيع ان يصدق 0
اشتعلت اضواء الحواجز المطوقة خط السكة الحديدية، وتوهجت كشافات الحديقة الخلفية المضادة للغرام الاحمر ، معرية الجذوع من ستر الظلام ، وخارمة كثافة الاوراق والاغصان ، فتسرحت من ضيق السواد أفواج الاشجار ، مخلية مجالات الحركة لهما 0 ألف يونس الاجواء ، وصار منظر (السمارتو ) المجنح ، أكثر واقعية ، وأخف بشاعة من لحظة التعرف الجهنمية0 شجعته على ذلك تلك الامور المسلية التي كان (السمارتو ) يبتدعها كلما أشعرته فرحة يونس باهميته ، وبعمق مابينهما من تسامح وصداقة ؛ فيعمل في الانعطافات على تغييب النور ، واطلاق اضواء تياره الخاص ؛ فتتوهج أجنحته ، ويتحول إلى سنبلة صفراء مشعة ، تتهرب بالرقص من حصاد الظلام ، وسط ارتفاعات صنوبرية صارخة ، وانحناءات صغار اليوكالبتوس ، الاقل انشراحا من مظهره الملتزم ، الذي يوحي به ختم زهرة البيبون على جبينه العريض 0
اختلفت المناظر في عيني يونس 0 لم تكن ضيقة وضعيفة الخضرة كما شاهدها في العيد الكبير0 بدت هذه المرة نظيفة وواسعة ، قريبة مما كان يراه في بيوت أحياء الدندان ، والجوسق ، والطيران ، عندما كان يخرج مع اصدقائه في حملات ظهرية لسرقة البرتقال ، والعرموط ، والسفرجل من الاشجار المتكئة على الاسوار ؛ فتنفتح امام بصره المتسلق ، مساحات شاسعة من خضرة منسقة ، ومشذبة، تحددها مسننات طابوقية ملونة 0 كانت الاراجيح الاسرية العريضة ، وتجمعات الكراسي ، والعاب ( بزر النستلة ) المتروكة تحت الشمس تسحره ، وتشجعه على قطف ما تصل اليه يده بلا خوف 0 أشعرته المناظر الجديدة التي فتحها ( السمارتو ) له بمتعة الامتلاك ، وجعلته يلهو بحرية مهذبة ، وكأنه من اولاد تلك البيوت اللامعة التي عادة ما تكون كبيرة كما المدارس 0
*****
ابتعدا بتفاهمهما عن المحاذير التربوية التي تقيّد علاقة شخص واصل الحياة إلى الالف السابع من عمره مع صبي في العاشرة 0 بدأ ذلك يظهر في التعجيل الاجتماعي الذي اعتمده ( السمارتو) للتقارب ، فقد أزال الحواجز و التراكمات و شجع يونس على التعامل معه وفق تصرفات مرحلته العمرية الخاضعة لقوانين علاقات ألازقة ، وأستخدم اكثر السلوكيات عفوية و أشدها تعلقا بالغرائز لتصغير حجمه الهائل ، ولأظهار ما في مخازنه القلبية من طيبة ومحبة لا تعرفها الأمهات، والجدات ، والعمات، والخالات0
لم تزعج ( السمارتو ) تلك الاستهانة التي راحت تبديها افعال يونس وانطلاقاته المجنونة . تجرأ ومد الصبي بالمزيد من الأضواء ، وبحث معه عن ارض مستوية تصلح لدائرة لعبة الكرات الزجاجية 0 أعلمته الكلمات البذيئة التي سمعها من فم يونس، وعبارات أبناء الشوارع التي كشفت عن معرفة واسعة بالأمراض النسائية بأن دورة جرائمه بحق الطفولة قد أكتملت وها هي تعود اليه لتنال منه ومن آبائه ومن ستر امرأته وأخواته .
كانت مفاجأة كبيرة ليونس عندما أخرج (السمارتو) يده من خلف ظهره وبسطها ببطء وهو مفتوح المنقار يبتسم لرؤية سعادة الصبي المندهش وتفجيرات الفرح في عينيه المتطلعتين إلى كرات زجاجية ضوئية قال عنها (السمارتو) أنها تصيب أهدافها بدقة كالصواريخ الحديثة ، وقال له أيضا :
- انها هدية بسيطة … أتمنى أن تنسيك قباحة تجسدي لك عندما استجبت لدعوة جدتك فطوشة وظهرت لك في السطح0
مسح يونس عرق أنامله بثيابه ثم تلمس نعومتها اللؤلؤية التي راحت تشع في كفيه ملونة تقاطعات الخطوط0 سأله وهو يمتحن على الأرض قدرة الكرات :
هل أستطيع بهذه أن أكسب كل الكرات الزجاجية التي في العالم ؟
أنكمشت أجنحة ( السماتور ) ، وفقدت عضلاته البارزة انتفاخات القوة وهو يرد بخيبة:
- نعم تستطيع يا يونس بانيبال0
أخذا راحتيهما في لعب أربع جولات أنتهت لصالح يونس بعد منافسة غير متكافئة لعب فيها ( السمارتو ) بكرات تقليدية استعارها بلمحة ضوء وخفقة جناح من دكان أحمد السقيع ، الا أن ما قاله (السماتور) عن الاستعارة السحرية لم يدخل عقل الصبي رغم تأكده من حقيقة أن أحمد السقيع لا يغلق دكانه الذي في السرجخانة أبدا ، ولا يغيب عنه حتى في سفره السنوي إلى الحج في بلاد المكعبات ، والميكانو ، وسيارات السباق، ومسدسات الماء 0 فأعاد الكرات التي ربحها اليه وطلب منه أن يعيدها إلى الدكان لأن السقيع سيحجر اصابعه ما أن يكتشف غيابها0 حاول ( السمارتو ) بغيظ أن يقلل من أهمية الأمر قائلا للصبي بأنه الأقوى وأن عليه التفريق بين الأساطير الشعبية عن البخلاء ، وتجار الألعاب وبين حقيقة قوته المتنعمة ببركة صاحب الكلمة المقدسة ، قاهر المياه ، لكنه تصلب في مكانه باحترام خاشع متناسيا كلامه بعد أن شاهد في العمق من ذاكرة يونس صورة متحركة تجمعه مع امه تعرض نظرته القديمة المتعلقة بآلة كمان صغيرة ، وكيف قالت له امه وهي تجره من يده : هذه الألعاب يجلبها السقيع من مكة لذا يجب أن تنظر اليها فقط0
*****