لم تظهر على يونس أية ردود أفعال غير طبيعية0 كانت المتعة تعصر جسده في الحيز الضيق للمقصورة وتدفعه الى كسر مستلزمات الأمان دون أن يترك لمشاعره كمواطن بسيط يتعرض لقصف جوي فرصة الخوف وتصديق الاشاعات0 شاهد ( السمارتو ) الطائرات المهاجمة تتوحد باطلاق ذخيرتها على شكل خطوط حمر راحت تغزل نيرانها الموجهة حاجبة الرؤية0
صاح يونس بانفعال لا يخلو من ارتعاشات فرح وهو يرد على ما وصل المدينة من انفجارات وأهتزازات وشظايا :
- تمسك جيدا0
استجابت أطرافه لأوامر الصبي قبل ان يحرر من منقاره سؤاله التائه في زحام الصواريخ الآكلة للألعاب التي عمرها بالغصن والماء :
ماذا فعلت بنا ؟
كان يونس يجاهد في الافلات من توجهات القنابل عندما طمأنه بثقة :
- لاتخف سنتخلص منها0
غاص ( السمارتو ) في مقعده محاولا حجب جناحه الناجد للموقف وهو يلوم نفسه بلغة اكدية كثيرة الشتائم ، فقد كان عليه انهاء حياته قبل أن ينقرض السيف0 وقال بأنه الآن فقط عرف لماذا تركت نينوى عظمتها تسقط ما أن غير الدب الأكبر مكانه وظهر في غرب القمر0
خنقهما الدخان بينما النيران المشتعلة حولهما تزحف مطوقة اللعبة0 صاح الصبي بانفعال وهو يحرك اطرافه بعشوائية مرتكزا بذلك على مقبض الرشاش :
- رش الماء يا مفجوع0
تقوس ظهر ( السمارتو ) وهو يحضن الدلو قائلا :
- هذا ليس الماء الذي تشطف به امك عتبة دارها00 انه ماء ( اتونبشتم ) المقدس00 أتفهم ؟
رد يونس بصوت مرتفع تقطع بدوي الانفجارات :
- لاتكن بخيلا00 اننا في حرب يا مفجوع وعلينا أن ننتصر0
صاح ( السمارتو ) وهو يخرج غصن الآس وينثر الماء بعشوائية :
- ابعدهم عن دماغك رحمة بأخيك المغجوع الملذوع0
ارتفعت المروحيات مغادرة حلقة الأذرع الميكانيكية منطلقة في فراغات جوية ضيقة والمدفع الصوتي يرد بعنف مزبد على مطر النار الذي تحول الى حجوم أشد شراسة أخذت تغلق منافذ الاختراق0 كان يونس يمد ( السمارتو ) بتفاصيل عن الموقف القتالي متغلبا بصوته على زعيق الرصاص وايقاع القنابل قائلا له :
- فقدنا لعبة سكة الموت0
يرد ( السمارتو ) من قاع المروحية :
- اللهم اجعل من عرباتها توابيتا لجثثهم .
وبعد لحظة :
- فقدنا لعبة الصحن الطائر0
- اللهم كسر صحونهم وأفسد طعامهم0
- فقدنا لعبة سباق السيارات
- اللهم لا تسرع لهم سيارة واجعل موتهم أسرع0
قال يونس بعد توقف استخدمه لمناورة خاطفة :
- وها نحن نفقد لعبة الطائرات المروحية 0
انتفض ( السمارتو ) من مكانه مستجيبا لقوة دفع هائلة انفجرت أسفل الطائرة ملأت المكان بالدخان وجعلت النيران تتطاول محيطة المروحية0 وبعد اهتزازات مهلكة وتقلبات مخلة سكت المدفع وهبطت الطائرة بهما هبوطا سريعا0هدأ يونس تماما وفقد قدرته على الحركة0 مال رأسه على كتف ( السمارتو ) بطريقة بطيئة وعفوية تشبه استسلامات النوم بينما المروحية تحتك في دورانها المتقافز بالقاعدة الخشبية للعبة0 شاهد ( السمارتو ) ذاكرة الصبي الخاسر تحتشد بمناظر تسجيلية لصحراء فيها بساطيل عسكرية وجمال تتنزه تصاحبها الدبابات والعجلات المدرعة ، ولبرج بقبة عباسية في الساعة الثانية بعد منتصف الليل ولوجوه باكية خلف سياج0
مد يده0 سحب غصن الآس من الدلو وبلل المدفع بقطرات من الماء المقدس ثم أمسك بكف الصبي واعاد سبابته الى زناد الرشاش وضغط معه بقوة مستخدما بسالته المتجمعة من اربع آلاف معركة تاريخية لم تترك له ريشة دون أن يكسرها سهم أو ينتفها سيف ، فتوهج الرشاش بذخيرة حية وبقذائف حقيقية راحت ترشق السماء المتحالفة وتشق بالنار المجاميع المغيرة0