ليلة الملاك
الفصل الثاني
نزار عبدالستار
نزار عبد الستار
ليلة الملاك
رواية
الفصل الثاني
2
 
اجتازا الباب الثاني المفتوح على ساحة الالعاب بعد سباق ودي، خفف من دم (السمارتو ) وجعل الصبي يضحك كثيرا من رؤية مظهره البهلواني الراكض في الهواء وهو يرفرف بأجنحته رافعا جسده مقدار شبر عن الارض 0 توقفا بين صفين من أشجار السرو، وتمتعا معا بمنظر مؤخرات البط ، وذيول الخيول، ومراوح الطائرات وهي مغمسة بصبغة القمر 0 لهثت الالوان في عين يونس ، وتجسمت آخذة أشكالها الضخمة الميتة وسط حلقات الحواجز المؤمنة بدواليب مرور أغلقها نوم الليل0 تشعبت مخاوفه واتصلت بأوقات خاملة ، ملوثة بأجراس ومساطر ساخنة تقفز منها وجوه قرمزية تتدلى من أفواهها السنة سود طويلة استوقفت ( السمارتو ) كثيرا والهبت عواطفه لشبهها بالرؤوس التي تقطعها الفتوحات الآشورية وترسلها إلى كتبة قسم وثائق الحروب في المكتبة البانيبالية لغرض احصاء الانتصارات0
جند ( السمارتو ) احاسيسه الصادقة في التغلب على شراسة رأسه فسارع إلى فتح جناحيه وهو يستنكر بمقاطع من ملحمة بحزانيا جرائمة بحق البشر ، والأشجار ، والطيور ، والمآذن ، والكنائس ، والهواء . وبضربة جناح ، تذبذبت مقاماتها النغمية مثيرة فحوله نقيق ضفادع نهر الخوصر ، تمكن من تبديد خيبة يونس الذي شاهد الوان النيونات والمصابيح ، ونشرات الاعلانات تنتعش بكهرباء محبة ( السمارتو ) المستمرة والمتناوبة التي كسحت من مبررات شكوكه منوعات تعابير حقده عندما خرج له من ميزاب السطح العلوي مع أدوات ثأره المتوحشة0
أنتظر( السمارتو ) حتى تشبع بصر الصغير بالأضواء ، ثم ضرب الهواء بجناحيه مرة ثانية فجمع له ضجيج ما قطعته التذاكر طوال عقد ونصف من الترفيه ، ومعها فتحت الأكشاك أبوابها وخرجت مكائن ( الشامية ) وهي تفرقع حبوب الذرة ، وتبعتها مكائن شعر البنات وهي تغزل بمهارة عنكبوتية الأوان على رؤوس العيدان ، وخلفها اسطوانات الغاز وهي تنفخ عناقيد البالونات الطائرة بينما ( السمارتو ) يلتقط كلماته من بين شهقات ندمه الدامع ليرتب توبته قائلا ليونس بأن هذه المدينة له ، وأنه الآن المتحكم الوحيد بالأعياد ، وبشفقة الأبوة ، وباحسان المناسبات ، وبحوليات السفرات العائلية0
توردت ملامح الصغير وتوهج أنفه الأقنى وبدا رأسه المقبب غاطسا في استدارة ياقة قميصه الأبيض0 رفع يونس سروال منامته وانطلق راكضا وسط ضجيج الألعاب الفارغة وصخب العشرات من أعياد الفطر والاضحى0 أصوات محتقنة بالسعادة وروائح دسمة من زمن الخير تطارد الأنفاس . مصاطب وحاويات صفر أنيقة ومساحات خضر ندية محتفلة بربيع ثالث تلهث بالكرة والأقدام وصيد الحمام0
فتشا معا آلات الالعاب المزينة برسوم متحركة لشخصيات كارتونية تسعينية الجيل لم يسبق ليونس أن شاهدها ، ومرا بتجمعات الأكشاك المفتوحة على طريقة : خذ ما تريد وقف لتتفرج . وتنزها في مساحات من حدائق نموذجية تمنح بسخاء روائح القرنفل والورد والبنفسج ، وعصفور الجنة ، تتخللها لوحات دالة تقول : اقطف لحبيبك ما تشاء0 كانت المدينة جديدة تماما ومتألقة كيوم افتتاحها القديم ، وجاهزة للتسلية بطاقة عالية ، وليست كما بدت ليونس في العيد الماضي ، مهملة وكئيبة وأغلب العابها مظلمة وعاطلة0 شاهد قاعة الألعاب الأكترونية التي بال على جدرانها السود المتهدمة في الزيارة الأخيرة ، شاهدها مليئة بالأجهزة الحديثة ، يلمع في ارجائها الرخام الابيض0 وعلى بعد قريب رأى يونس بوابة حلبة سباق السيارات مع كابينة المراقبة ومدرجات التمتع بالمنافسات وهي متكاملة البناء ، على عكس ماكانت عليه في السابق ايام صخب فرق الموسيقى الشعبية ، ينفتح جمالها الرياضي على طرق مفروشة بالاسفلت وقد تراصفت على الجانبين سيارات ملونة مستعدة لسماع جرس الانطلاق0اما البحيرة الجافة ، فخر منجزات بلدية اقليعات ايام زمان ، والتي كانت في سنوات سوء المسرة بحيرة حرام لمعارك الشرطة وقوات الامن مع اللصوص ورجال الليل من المطلوبين والهاربين من الخدمة العسكرية ، بدت لعيني يونس لامعة الهدوء ، مستقلة باضاءة شمسية خافتة تسحب من غابات سنحاريب الممتدة إلى فندق نينوى الدولي مؤثراتها الصوتية الحالمة0 كانت البحيرة الجافة ، هذه المرة ، متحررة من اسلاك الحروب الشائكة ومحاطة بسورها الاصلي المعدني المزخرف بحيوانات مائية وطيور ثقيلة ، وبلا لوحة مستلزمات الدخول القديمة التي تستوجب ابراز عقد الزواج أو مضبطة مختار محلة يؤيد الخطبة0 واستطاع يونس في وهلة طفولة من رؤية الزوارق الخشبية المصنوعة على غرار نماذج متحف سفن اقليعات عبر التاريخ راسية بأمان وهي طافية على مياه بحيرة زرقاء0
خدرت تلك التجديدات بصر يونس وملأته بانتشاء لذيذ أبعد عنه خوفه الليلي الذي ورثه من اعوام الفوانيس ، ومن شتاء النوم في السراديب العميقة ، أيام مطر القنابل وغيوم الطائرات 0لم يجد في جيوب قلبه أو في زمن ما قبل الخجل أية صلة تشده إلى المناقير والأجنحة0 كان أكثر تعلقا بالكؤوس وببطولات كرة القدم التي تخسرها اقليعات . يحلم تحت اللحاف بأن يكون مثل حارس محمد ، وأن تعمل الأقدام على تكسير مراوغاته امام الهدف ، وبأن يعود بالمداليات الذهبية ، تحمله الأكتاف على مرأى من مكارم0 لم يسبق له أن احتاج إلى أجنحة ترفعه إلى الأسطح كي يشاهد الملابس الداخلية لنسوان المحلة ، فهذه اشياء يمكن للمرء رؤيتها بسهولة ، أو توصله إلى منارات الجوامع كي يصطاد اللقالق ، فهو يكره الطيور مثل جدته0 كان يرى في تحركات ( السمارتو ) الكثيرة ، والتفاتاته المريبة الخائفة من شيء ما ما يجعله يعاود الشك في مصداقية ما يحدث ، فهذه القدرة التي يملكها المخلوق العجيب لاتتناسب مع ما يبديه من لطف ونظافة كلام ، وفكر بأنه من الممكن أن يكون قنبلة أمريكيه متطورة ، ورجح في بطنه ان يكون خدعة دبرها بمكر ( مطعوج الشايب ) صاحب اللحية الطويلة والاسنان والاظافر الحديدية0
كانا بجوار لعبة النملة النشيطة عندما تساءل (السمارتو) بأنزعاج :
- متى تكف عن هذا ؟
تطلع يونس اليه بجمود ، فتابع ( السمارتو ) :
- اعلم انك انتصرت على ( مبعوج العين ) و( ام العجايا ) وأن ( مطعوج الشايب) سيرسل اليك قريبا ابشع ما لديه من خدم لتأديبك والانتقام منك ولكن لا صلة لي بهذا العجوز آكل الأطفال0
استجمع يونس شجاعته من معارك الازقة ومنافسات بورصة السجائر وسأله وحاجباه يتراقصان من قوة الحجة :
إن لم تكن من صنع امريكا فمن اين لك بهذه القوة 00 ها ؟
بدا ( السمارتو ) بحجمه المناسب للعبة كرة السلة ، وبجناحيه المتقاطعين على ظهره وقد قحل لونهما و بالدلو الخشبي المدلدل من يده اليمنى المزينة بسوار عاجي نقشت عليه مراحل نمو زهرة البيبون ، بدا لبصر يونس مثل تلميذ ينتظر عقابه في غرفة المدير . ظهرت لرأسه قنبعة من ريش منتصب قبل أن يحرك منقاره ويرد بأسلوب مبسط :
- أنا حارس ( اتو نبشتم )00 عملت في صناعة السفينة ، وكنت ملاحه الخاص.. حاربت معه من أجل انقاذ البشرية من الغرق00
أخرج غصن الآس من الدلو وتوجه بمنقاره نحو القمر0 عم السكون المكان0 تلاطم البياض في عدسة عينه الشاخصة وتابع :
- هو الذي أطلقني من السفينة للبحث عن اليابسة000 لم يكن يثق بذكاء الطيور ، مثلك تماما00 كنت بشرا بوجه وسيم ولي حبيبة وأطفال00 وبعد فيضان عظيم ورعد وبرق وأمطار ، كل قطرة منها بحجم الكبة نقصت المياه وكشف ( أتونبشتم ) الغطاء عن السفينة وقال : من يبحث لنا عن اليابسة ؟ 00 فقلت أنا00 ( سمارتو ) الملاح يبحث عن اليابسة ويعود اليك بالبشرى00 كان الرب قد أبطل السباحة والغوص وجعل الماء موتا ، فأخذ ما علق في نعليه من طين بيته ومسح به ظهري00 قال : بأسم الرب تخرج من ظهرك00 من روح الرب تظهر ، فخرجت الأجنحة من ظهري00 ومسح رأسي بطين بيته وقال : بأسم الرب يتحول00 بقدرة الرب بصرك الآن حديد ، فتحولت ملامحي البشرية الى رأس صقر00 وفي اليوم السابع من الصحو أطلقني من السفينة للبحث عن اليابسة00 لم أجد موضعا أحط فيه فعدت00 ثم أطلقني مرة أخرى ؛ فعثرت على هذا الغصن ولم أجد موضعا أحط فيه فعدت00 ثم أطلقني من السفينة المنتظرة للرحمة فوجدت هذا الماء الصافي ولم أعد اليه00
رفع يديه عاليا0 غصن الآس في اليد اليمنى ، والدلو في اليد اليسرى وتابع وفي صوته رعشة سنجاب :
- هذه هي قوتي00 قوتي التي هربت بها في مثل هذه الليلة00 ليلة الخروج من السفينة والعودة الى الحياة0
غافل يونس انشغالات حواس ( السمارتو ) وأقترب محاولا تبليل أصبعه بماء الدلو الا أن ( السمارتو ) طم فوهته براحة يده قائلا بأن هذه حركة غير مؤدبة تزعزع ما بينهما من ثقة0
*****
كانت الاذاعة الداخلية المنطلقة من برج ملتقى الضياع تبث باقة من الاغاني الاقليعاتية القديمة عندما جلسا في طائرة مروحية برتقالية اللون0 أبقى ( السمارتو ) على جناحيه خارج المقعد ، وأنكمش جسده البشري في المساحة الضيقة للمقصورة واضعا الدلو وفيه الغصن بين قدميه0 لم يستقر يونس على مقعده فقد أخذ يتفحص بفضول محروم هيكل الطائرة ، والعتلة وسلاح الالمنيوم الذي يحتاج الى خيال كبير حتى يكتشف المرء بأنه يمسك ببندقية فضائية ، وراح يدخل خيط بصره في ثقب صليب التهديف وهو في أتم الأستعداد للمغادرة0لكن لاشيء يتحرك فالتفت الى ( السمارتو ) ليجدة وقد أغمض عينيه وغطس في مقعده محاولا بيديه المتشنجتين التشبث بأكبر قدر من الأمان0
تطفل الصغير على هلعه متسائلا :
- الى متى سنبقى على الأرض ؟
رد ( السمارتو ) بكلمات مرتبكة وهو يقاوم تيارات هوائية وهمية :
- صحيح ، أنا أكره حياتي وأتمنى أن أتخلص منها اليوم قبل الغد ولكن ليس بهذه اللعبة00لولا حظر الطيران الجوي لأخذتك على ظهري في جولة نحلق فيها معا في سماء اقليعات الجميلة بدلا من المخاطرة مع آلة حروب الأطفال هذه0
صاح يونس وهو يدق بقدميه على أرضية الطائرة :
- هيا يا مفجوع00 اجعلها تعمل0
أخرج ( السمارتو ) غصن الآس من الدلو وهو يتمتم بكلمات أكدية حانقة ثم هزه فوق مقدمة الطائرة فتناثرت قطرات الماء مبللة الجسم الجامد0 أرجع يونس العتلة الى الخلف بينما ( السمارتو ) يحذره من التهور ، فهذا الحديد العجيب ، كما قال ، لايشعر براكبيه0 أخذ حزام الطائرات المروحية يدور بحركة بطيئة ومعها تصاعدت زمجرة المحركات والمفاصل0 أمسك يونس بالمدفع الرشاش وراح يلاحق الطائرات بقذائف صوتية متوترة0 أشفق (السمارتو) على متعته0 صوب بصره بتركيز فتهشم الوميض الخلفي لمروحيات المقدمة0 كانت الطائرة ترتفع وتنخفض بحركة دائرية سريعة شككت ( السمارتو ) ببراعة اساليب المناورة التي يعرفها فتشبث بالمقبض الأمامي مقاوما بخبرة سبعة آلف سنة من التحليق قوة السحب للهواء الضارب على جناحيه ، متطلعا بجاسوسية محارب ، أشعلت الحروب قلبه ، الى مشاهد المعارك الجوية التي كان الصبي يستعرضها في ذهنه وهو يلاحق الطائرات بمدفعه الصوتي مذكرة ( السمارتو ) بأيام عصيبة مرت على كتيبته و معاناتها مع أغطيتها السماوية المتأثرة بالآدعية وأعمال السحر ، وقراءات الطالع0 حاول نسيان الارتفاع بالكلام فقال انه استهلك الزمن في بطولات غير نافعة ، واعترف بتقصيره وبعدم استخدامه لنعمة التفكير في حفظ كرامته من العبث0 ثم تساءل وهو في اقصى ارتفاع للمروحية ، ماذا كان سيخسر لو انه خلد معركة واحدة من المعارك التي حقق فيها النصر لسرجون أو سنحاريب أو اسرحدون على لوح صغير ودفنه في تل من التلال ؟0 أن كيلو غرام واحد من الطين المجفف يجعل المرء يعيش أبد الدهر0 عض سبابته بمنقاره واسترسل محدثا يونس عن غبائه الذي أوصله الى أن يكون مجرد ( مفجوع ملذوع ) ضعيف الشخصية0
احترق دمه0 التفت الى يونس وقال بعصبية :
- كنت أصدق كل ما يقال عني00 لا تنخدع بهذه الأجنحة وبرأس الصقر الكاسر00 أنا دجاجة0
صاح الصبي :
- أترى ؟00 أترى يا مفجوع ؟00 لم يبق غير تلك البنفسجية صاحبة الرقم سبعة0
تصلب ( السمارتو ) في مكانه مركزا بصره على الطائرة البنفسجية التي استجابت لحركة منقاره فأخذت تفر صعودا وهبوطا هربا من صوت يونس مؤججة حماسه الجنوني الذي طرح فضلات متعه القديمة وسعادات القفز من الجسر العتيق الى النهر ، ورعونة تسلق أعمدة الكهرباء والانزلاق عليها، وتهور التعنقش بمؤخرات الشاحنات وهي تغادر ساحات نقليات الحافظ الى شارع الكورنيش ، مذكرة ( السمارتو ) ببراءات التسلية الملكية التي جعلت منه مجموعة العاب شعبية لأوقات فراغ الملك الصغير0
استولت تحركات الصبي على فراغات المقصورة ، وأخذت أطرافه تتجاوز باعتداءات غير مقصودة على انكماشة ( السمارتو ) الذي أبعد عن أحقاده الغريزية رذيلة اصابة الآلة بعطل مفاجئ ، ليس رأفة بسعادة يونس بل تماديا في الاحساس بألم تلك الضربات والركلات0
تطلع الى السماء مستذكرا بمنخاريه رائحة البخور، والدم ، ومسيرة الجلد بأغماد السيوف ، واللكز بأعقاب الرماح وصولا الى منصة الذبح حيث الانتهاء الجبري الى التفاهة والتواضع حفاظا على غرور التماثيل0
سحب ( السمارتو ) يد يونس من الزناد مجمعا لكلماته القليل من الهدوء :
- لم أعد اليه00 هربت بقوتي كي أصنع لهم الأمجاد والأنتصارات ولكنهم قالوا عني بأنني ثمرة الاختلاط الحيواني المحرم ، وأنني كنت أول خطيئة ارتكبها الركاب بعد عثور سفينة المخلوقات على الأرض0
أراد أن يوضح لكنه قرأ في عيني يونس استنتاجات برهة الشرود التي وجهت اليه بعد لحظة نظرة احتقار واخزة0 هز ( السمارتو ) رأسه ثم أمسك بقلادته وقال بحقد :
- أنت لا تقل بانيبالية عنه .
زفر الصبي بعصبية :
- دعني اسقطها يا مفجوع0
أعاد يونس أصابعه الى الزناد واشترك في معركة جديدة تاركا ( السمارتو ) يحاول بهذيانه التاريخي التملص من مأزق المرتفعات0 علق بصره على الغيوم غواية لذاكرته المكتضة بآلاف الطلعات المسائية ، وتكلم عن التحليق التجسسي ، والقتال الليلي ، وسياسة الطالع لكنه قطع كلامه فجأة وحدق في السماء بعمق طالبا من يونس غلق سبطانة الصوت0
كانت اللعبة تدور بمفاصل مرنة وهي تؤدي وظيفتها الترفيهية كما يجب عندما اكتشف ( السمارتو ) في السماء خدعة فلكية أضافت عشرات النجوم الكاذبة الى شبكة الأقدار والمستقبل وخطفت من طريق انليل السرطان والدب الأصغر ، ومن طريق آنو الكلب الاكبر والفأرة مضيفة الى تجربته المرعبة مع المروحيات نكبة تنجيمية لا تقل شؤما عن قراءات كواكب ليلة سقوط نينوى0
اجسام غريبة امتصت بريق النجوم ، اقتحمت المشهد بسرعة ، واندفعت ساقطة عليهما من لون الفضاء القاتم ، اندمجت فوقهما على هيئة اسراب كثيفة ملطخة بأعلام كثيرة أخذت تزداد حجما وهي تنقض مقتربة من طائرتهما فاتحة لسمعهما أفواه الأزيز ، سرعان ما ميز ( السمارتو ) من طلائعها طائرات التورنادو ، والميراج ، والجاكوار0
لم تظهر على يونس أية ردود أفعال غير طبيعية0 كانت المتعة تعصر جسده في الحيز الضيق للمقصورة وتدفعه الى كسر مستلزمات الأمان دون أن يترك لمشاعره كمواطن بسيط يتعرض لقصف جوي فرصة الخوف وتصديق الاشاعات0 شاهد ( السمارتو ) الطائرات المهاجمة تتوحد باطلاق ذخيرتها على شكل خطوط حمر راحت تغزل نيرانها الموجهة حاجبة الرؤية0
صاح يونس بانفعال لا يخلو من ارتعاشات فرح وهو يرد على ما وصل المدينة من انفجارات وأهتزازات وشظايا :
- تمسك جيدا0
استجابت أطرافه لأوامر الصبي قبل ان يحرر من منقاره سؤاله التائه في زحام الصواريخ الآكلة للألعاب التي عمرها بالغصن والماء :
ماذا فعلت بنا ؟
كان يونس يجاهد في الافلات من توجهات القنابل عندما طمأنه بثقة :
- لاتخف سنتخلص منها0
غاص ( السمارتو ) في مقعده محاولا حجب جناحه الناجد للموقف وهو يلوم نفسه بلغة اكدية كثيرة الشتائم ، فقد كان عليه انهاء حياته قبل أن ينقرض السيف0 وقال بأنه الآن فقط عرف لماذا تركت نينوى عظمتها تسقط ما أن غير الدب الأكبر مكانه وظهر في غرب القمر0
خنقهما الدخان بينما النيران المشتعلة حولهما تزحف مطوقة اللعبة0 صاح الصبي بانفعال وهو يحرك اطرافه بعشوائية مرتكزا بذلك على مقبض الرشاش :
- رش الماء يا مفجوع0
تقوس ظهر ( السمارتو ) وهو يحضن الدلو قائلا :
- هذا ليس الماء الذي تشطف به امك عتبة دارها00 انه ماء ( اتونبشتم ) المقدس00 أتفهم ؟
رد يونس بصوت مرتفع تقطع بدوي الانفجارات :
- لاتكن بخيلا00 اننا في حرب يا مفجوع وعلينا أن ننتصر0
صاح ( السمارتو ) وهو يخرج غصن الآس وينثر الماء بعشوائية :
- ابعدهم عن دماغك رحمة بأخيك المغجوع الملذوع0
ارتفعت المروحيات مغادرة حلقة الأذرع الميكانيكية منطلقة في فراغات جوية ضيقة والمدفع الصوتي يرد بعنف مزبد على مطر النار الذي تحول الى حجوم أشد شراسة أخذت تغلق منافذ الاختراق0 كان يونس يمد ( السمارتو ) بتفاصيل عن الموقف القتالي متغلبا بصوته على زعيق الرصاص وايقاع القنابل قائلا له :
- فقدنا لعبة سكة الموت0
يرد ( السمارتو ) من قاع المروحية :
- اللهم اجعل من عرباتها توابيتا لجثثهم .
وبعد لحظة :
- فقدنا لعبة الصحن الطائر0
- اللهم كسر صحونهم وأفسد طعامهم0
- فقدنا لعبة سباق السيارات
- اللهم لا تسرع لهم سيارة واجعل موتهم أسرع0
قال يونس بعد توقف استخدمه لمناورة خاطفة :
- وها نحن نفقد لعبة الطائرات المروحية 0
انتفض ( السمارتو ) من مكانه مستجيبا لقوة دفع هائلة انفجرت أسفل الطائرة ملأت المكان بالدخان وجعلت النيران تتطاول محيطة المروحية0 وبعد اهتزازات مهلكة وتقلبات مخلة سكت المدفع وهبطت الطائرة بهما هبوطا سريعا0هدأ يونس تماما وفقد قدرته على الحركة0 مال رأسه على كتف ( السمارتو ) بطريقة بطيئة وعفوية تشبه استسلامات النوم بينما المروحية تحتك في دورانها المتقافز بالقاعدة الخشبية للعبة0 شاهد ( السمارتو ) ذاكرة الصبي الخاسر تحتشد بمناظر تسجيلية لصحراء فيها بساطيل عسكرية وجمال تتنزه تصاحبها الدبابات والعجلات المدرعة ، ولبرج بقبة عباسية في الساعة الثانية بعد منتصف الليل ولوجوه باكية خلف سياج0
مد يده0 سحب غصن الآس من الدلو وبلل المدفع بقطرات من الماء المقدس ثم أمسك بكف الصبي واعاد سبابته الى زناد الرشاش وضغط معه بقوة مستخدما بسالته المتجمعة من اربع آلاف معركة تاريخية لم تترك له ريشة دون أن يكسرها سهم أو ينتفها سيف ، فتوهج الرشاش بذخيرة حية وبقذائف حقيقية راحت ترشق السماء المتحالفة وتشق بالنار المجاميع المغيرة0
.
استعاد يونس وعيه0 سحب ( السمارتو ) يده وتقوقع في أسفل المقصورة وهو يقول:
- كان عليك أن تفكر في شيء آخر0
رد يونس وهو يرش الفضاء باطلاقات تتحرك كما الأفاعي :
- اخرج يا مفجوع وتمتع معي بالانتصار0
قال ( السمارتو ) وهو يغطي رأسه بأجنحته :
- أناأكره الحروب الحديثة0
وقال لنفسة أيضا : هذه هي نتائج طيبة القلب0 وهذا هو حال من يسمع كلام (العجايا ) وعصر منقاره لاعنا المصادفة التي جمعته بهذا الصبي المحظوظ ، متخيلا مصاعب واجب التفكير الطقسي مع هذا الولد0 وقرر مع نفسه أن يوقف هذه النزهة ما أن يقف بقدميه على الأرض ، ويتصرف معه تصرف ( مفجوع ملذوع ) فقد الماضي والآتي0
مزقت النيران الكتل السود فعادت المروحية الى ألارتفاع من جديد ملاحقة الصور الهاربة التي ابتلعتها السماء . لحظات واستعادا القمر نظافته0 استجابت المحركات لبطء دب في المفاصل الحديدية ، وبدأت الأذرع الرافعة للطائرات تهبط شيئا فشيئا0
التفت يونس التفاتة بريئه وابتسم ابتسامة شكر وعرفان لذلك اللهاث المنقاري ولتلك الاغماضة المشمئزة من ستة وعشرين قرنا متسخا بكبائر الجرائم والتي راحت تستمتع للمرة الأولى بمذكرات ألاجراءات التعذيبية وهي تمخر العذابات ألمتداعية في الدوران الأسترخائي للطائرة0