|
نزار عبد الستار
ليلة الملاك
رواية
الفصل الثالث
3
لم يقطع عليه فرحته 0 راقب بهدوء احتفالات قلبه وما ظهر على وجهه من سعادة اجهدت ملامحه ، وشاركه في استعادة تفاصيل المعركة0 تقبل بارتياح كبير ثناء يونس الذي اعترف بشجاعته وجهوده التي ساهمت في تحقيق النصر0 بدت ايماءات الصبي وكلماته الضخمة صادقة ونقية وهي تتلاحق من فمه المؤطر بالزبد واصفة ما جرى بدقة0 كان صوت يونس المنفعل يتحلل في سمع ( السمارتو ) الى أنغام وترية ناعمة صاحبتها ذاكرته بمشاهد مواكب الاحتفال وهي تدخل من ابواب القصر وتتجمع في قاعة العرش حول موائد الملك المنتصر0 لا أحد قال له يا بطل 0 لم يشكره ملك أو جندي أو كاهن0 كان يعامل معاملة الخيول المجهدة في ايام الحرب ، وتزينه طقوس ومراسيم المعابد في ايام السلم ، كما يفعل الطباخ بجثة الخروف المشوية قبل أن يضعها أمام سيده0 لم يستطع ( السمارتو ) المحافظة على مظهر الكاهن الخارق ، وبرود الجندي المطيع فاستسلم لفرحة الموقف قائلا بأسلوب احجار الحوليات المغروسة في شوارع نينوى بأنه مع دعوة أن تكون السماء للطيور فقط ، واعترف بمنقار أحمر بأن هذا الهدف النبيل لم يكن في دماغه عندما عمل بحقارة على افشال محاولة عباس بن فرناس وتسبب في موته كي لا ينافسه على صنفه العسكري ، ولكن كثرة الاطفال ومشاغل الانتقام حالت دون محاربة المحاولات التالية ، أما الآن وبعد أن صار الفضاء ملكا لاعداد هائلة من الطائرات فمن الأفضل لسمعته الجديدة ، ولمكانته السابقة كملاك آشوري ، مساعدة الطيور على استرداد السماء0
وفي جولتها التفقدية لاصلاح ما دمره القصف التقط ( السمارتو ) من تفكير الصبي الكثير من الاهداف والمبررات والدوافع البعيدة عن معاناة الطيور وأزمة الطبيعة 0 ظهرت صورها واضحة ما أن وقفا امام خرائب لعبة سكة الموت وطفق ( السمارتو ) يستخدم أجنحته وماء الدلو لاعادة الحركة والاضواء الى هياكل الحديد المتفحم 0 كان منظر الدمار قاسيا على عيني الصبي المفتوحتين على سواد كامل0 سواد معلم بعرق جسد يتنقل في عينيه بثوب حزين0 تركه ( السمارتو ) يقف محمولا بين ذراعي صورة أمه المتحركة مع اصوات صفارات الانذار ، كما تركته سعادة العيد الاخير يقف في المكان نفسه مع صينية قراطيس حب شمس وقمر ، وراح يجرد الاضرار قائلا له بانه ضيع بخياله الاهوج على عمره امكانية استرداد طفولته ، متكلما عن فرصة حظه التي فقدها بحرب وهميه وانتصارات كاذبة0
غاب عن عينيه الا أن صوته بقي مع وقفة يونس يتحدث عن خيبة رأفته التي استغل الصبي شعائرها ابشع استغلال دون أي احترام لقداسة هذه الليلة0 وبعد فاصل لغوي من كلمات اكدية وآرامية عاد ( السمارتو ) ليقول بانه ارتكب حماقة فادحة عندما غير سياسته الحاقدة ، واعتمد على الطيور الحديدية القادمة من غرب القمر0 ثم ضاع صوته في انهيارات الهياكل المتفحمة ليقول بعد انقشاع رماد تماثيل الخيول والاسود والفيلة بانه منذ تلك اللحظة التاريخية وهو يشكو من اورام خضر تنتشر على سفوح قلبه الاسود0
سأله يونس بصوت حزين :
هل ستعيدني الى البيت يا مفجوع ؟
قامت العوارض وانتصبت الهياكل متلاحمة يشدها صوت ( السمارتو ) المترنم وهو يخرج من الغبار وبيده غصن الآس ، ترافقه جوقة انغام وترية تستعرض تحولات القضبان وكتل الحديد المتجمع في اماكنه0 ثم توهجت الأضواء ودبت في الآلة زمجرة اختبارية أعادت ترتيب العربات التي كانت تعذب بصر يونس وتهزأ بثيابه البيتية قبل أقل من عام عقابا له على افعاله المجهولة ، الا انها تبدو هذه المرة طيبة ومتسامحة وليست لديها أية نية في جعل العيد صغيره وكبيره يزعل عليه مرة أخرى0
التفت يونس الى( السمارتو ) وسأله بحب وهو يسدد نحو صدره سبابة معجبة :
أأنت من عمر لنا البيوت و الجسور وأعاد الماء والكهرباء والنفط والغاز الينا ؟!
ارتجف جسد ( السمارتو ) أمام نظرة الاحترام الموجهة اليه0 أراد أن يقول له لا أنا لم أبن البيوت التي دمرتها الطائرات ، ولم أرفع الجسور التي أسقطتها القنابل0 لم أجعل الماء صالحا للشرب . لست من أعاد التيار الكهربائي وأنقذكم من الفوانيس ، ولكن كنت أنصح الناس وأدعوهم الى ركوب سفينة ( اتونبشتم ) 0 أنا أول من زرع وأول من حصد في الأرض الجديدة ولكني تركت آثار أقدام ( آتونبشتم ) وسرت في شارع الملوك0 تركت خطواته المقدسة تختار طينها وأنا وجدت الأرض التي أحط عليها00 حولوني الى حيوان عسكري تبحث المعابد في سلوكه اليومي عن فأل حسن00 جردوني من كلمتي الطيبة ودججوني بالسلاح كي لا تندرس الأسماء الكبيرة0 أراد أن يقول أنا لم أفعل هذا ولكنني حررت لهم أورشليم ومنعت العيلاميين من امتلاك الأرض ، وحاربت الهكسوس على جبهة مصر ، وها أنا ذا الآن أؤمن بضرورة أن تكون السماء للطيور0 أقشعر منقاره وانتصب ريش رأسه خوفا على كلمة البطل وهويقول :
- نعم00 أنا من فعل هذا0
*****
ترك يونس صاحبه مع الآلات المدمرة ليعيدها الى الخدمة ، وتوغل في أجواء تسلية بائدة تشكلت من قطعان أسود التراب ، وزواحف منقرضة النسب ، وقوافل من جمال بحزاني وسرب من طيور القيقو ، وسبع بقرات نمروديات انتشرت في مناطق تبستنت اكراما للحظة استذكار تطل عليها ملكة من شرفتها قبل أن تنجبه لهم0 حاول ( السمارتو ) بهذه الهدية البسيطة تعريف يونس بذل ضحايا أول مدينة العاب عرفتها البشرية بعد الطوفان والمسجلة بأسم عاشق شمورامات مخترع التسلية ، الا أن الصبي فضل التعرج في انعطافات أشد اضاءة حيث أزدهرت من جديد آلات الشواء الضخمة بواجهاتها الزجاجية وبأسياخها المتحركة ، وهي تخوزق الدجاج ، ومعها صفائح القلي ، وهي تقلب قطع اللحم ، مطلقة روائح الأغنام في أجواء متعتهما0
تسمر يونس أمام المشهد وأخذ يملأ صدره بأنفاس الآلات ، مجابها الحرارة بوجهه المنتفخ على المنظر ، مداعبا بنظراته الجلود الذهبية المتيبسة على اللحم الأبيض وهي تدور فوق امشاط النيران بامتلاء شهي0 فتح ( السمارتو ) آلة الشواء الغازية وسحب أحد الأسياخ0 أفرغ ما فيه على نضد مستطيل ثم أمسك بمقص قصير الشفرتين وراح يقطع الدجاج الى انصاف موضحا للصبي تلك العلاقة المعقدة بين صنوف الجيش والقيادة العليا0 هجم يونس على النضد وأمسك بقطعتين سمينتين وأخذ ينهشهما بنهم بلا معونه من خبز أو فواتح الشهية بينما وقف ( السمارتو ) يحرك أجنحته لتبريد الدجاج وهو ينفي نفيا قاطعا تلك المزاعم التي كانت تجعل من القصر مصنعا من مصانع الفتن السياسية ومطبخا لطبخ المشكلات الداخلية ( يقصد بالمزاعم جهود الأعداء في كتابة التاريخ وتأليف الأساطير المضادة ، أو ما أتفق على الاشارة اليه في المراسلات الملكية بعبارة حسد انتصارات ) قائلا بأن الأمور تغيرت في نينوى بعد عودة الرجل الطيب من بطن السمكة0 وقال انه قابل أسرحدون شخصيا0 أنتزع الدلو الخشبي من يد الصبي المختنق واستبدله بقنينة صفراء اللون من مشروب ( سفن آب ) الأصلي ( وهو مشروب طيب المذاق يساعد على الهضم كان موجودا في اقليعات قبل هجوم الطائرات في 17/1/1991 )0 تجشأ يونس بعمق طاردا غازات الماضي وهو يفكر بعملية خطف سريعة ينتش فيها دجاجة سمينة ويهرب بها الى البيت0 سحب ( السمارتو ) من السيخ دجاجة برازيلية ضخمة وضعها في كيس ورقي مع أرغفة من الخبز الأبيض وأكياس صغيرة مليئة بالطرشي والزيتون0 غاب في قراءات أكدية صامتة وهو يحمل الدجاجة على راحة يده ثم قذف بها الى الاعلى فاختفت على الفور مع رائحتها المتكبرة0 تحنط يونس أمام هذه الاستجابة السريعة وهو يقبض بأسنانه على عظمة الفخذ الخارجة من بين شفتيه اللامعتين بعصارة اللحم0 تابع ( السمارتو ) كلامه واصفا الحالة التي كان عليها اسردحون عندما سلمه بنفسه لوح التسريح الطيني الخاص به وبثلاثة من زملاء السلاح0 كان اسردحون قد تنازل عن مظاهر هيبة الملوك وجلس على مقعد بسيط صنع من اغصان العرموط وعلى يمينه تربع الرجل الطيب0 لحيته الملكية غير مشذبة ، بيضاء اللون ، خالية من صبغة الشباب ، وثيابه بسيطة لا تملك حصانه نسيجية ضد الفصول ولا تزيد بشيء عن ثياب كتبة دوائر شؤون الناس الذين رفع عنهم القانون جريمة الرشوة ، وبيده مسبحة طويلة حباتها من نوى الزيتون البعشيقي تركت بلا صقل دلالة الزهد والتقشف0 قال أسرحدون بأنه آمن بكلمة الرجل الطيب العائد من بطن السمكة لذلك لن يكون لنينوى أي جيش بعد الآن ما عدا كتائب التبشير وصفوف الكلمة الطيبة0 وبناء على ما تقدم من فعل قرر أن يسرحهم الى الأبد ويحرم عليهم مستحقاتهم التقاعدية من رزق الدم ، ولكن تقديرا لخدمتهم الطويلة واخلاصهم المديد فقد أمر بتوزيعهم على وظائف لعمل الخير تليق ببطولاتهم0
شعر يونس بثقل في بطنه ، وبانتفاخ في وجهه ولكنه لم يكن يريد التوقف أبدا0 بدا الأمر خارج المقادير والحجوم ولاعلاقة له بوجبات الطعام التقليدية0 كان يحك باللحم لسانه وسقف فمه ويملأ به الفراغات بين أسنانه متغرغرا بالدهن مشاهدا أمه المنتظرة الحصة التموينية تقتل الأيام الأخيرة من الشهر بالباذنجان المشوي الذي سدت به معدته قبل أن ينام0 كان لا يريد أن يفارق هذا المذاق وأن لا تتوقف الوجبات وأن يستمر في الأكل الى الأبد0
لم يعتمد ( السمارتو ) على متابعة بصر يونس لمنقاره المتكلم فواصل الحديث قائلا بأنه أضطر الى الكذب حتى يتمكن من توضيح الأمور ، وأعترف للصبي بفكرة معاقبة الذات التي تراوده كلما احتفل بذكرى ليلة الخروج التي تجعله بلا سبب عضوي يكتشف أن لا قيمة لذرائعه وللأحداث التاريخية التي نكلت به0 لقد كذب عليه وقال بانه هو الذي عمر البيوت والجسور وأعاد الكهرباء كي يفر من عقابه لنفسه ، والحقيقة انه يكره النور ، وأنه هو الذي يعرقل جهود دائرة الكهرباء في الوقت الحاضر ويجعلها غير قادرة على توفير أكثر من نصف الطاقة . وتكلم عن فرحته بسماع كلمات أسرحدون وكيف خيل اليه أنه شاهد ( اتونبشتم) وكيف أنتعش من احتمال أن يعود كما كان يعمل في بناء السفن ويحذر الناس من ملوك الأعداء الذين يغرقون العالم بطوفان الدم0 ثم مثل أمام يونس المنشغل بافتراس الدجاج كيف تقدم وسأل الملك : من سيقضي على أعداء الامبراطورية يا مولاي بعد أن الغيتم الجيش وسرحتم المخلوقات الحربية ؟0 قلد ( السمارتو ) صوت أسرحدون وهو يقول : سنترك الذين ظلموا أنفسهم للرب الذي لا يظلم أحدا . وما أن خرج من قاعة العرش حتى القي القبض عليه ووضع في عربة خاصة انتقلت به الى بيت ريدوتي ، مقر آشور بانيبال ، ولي العهد الصغير ، ليباشر وظيفته الجديدة هناك وهي البقاء أمام طفولة الملك كمثل حي على بشاعة الحروب0
أنتهز ( السمارتو ) فرصة ضياع وجه يونس في الهياكل العظمية وراح يملأ بايعاز من جناحيه علب الأكشاك بحلويات ونساتل حقيقية ، مبدلا التمر اليابس ، وجراثيم العلامات التجارية الوهمية ، والمواد الأولية التالفة ، بحشوات صحية من ألعسل والفستق والبندق ، ومغرقا بسكويت الظروف الصعبة بشوكولاتة اعتذره ، محققا المكونات على الأغلفة الكاذبة مضيفا السكر ، وشراب الذرة ، والحليب المقشود ، وزبدة الكاكاو ، ومسحوق جوز الهند وهو يترنم متمايلا : ( أتا يونسا لو ملئي كرشكا اوري وموشي خدادو أتا ) مهيجا بذلك الأصوات المحتدمة بالتصفيق والتي تعالت من الماضي السعيد مندفعة نحو الأضواء0
*****
تغيرت سحنة يونس ، وغابت التخسفات تحت عينيه ، وبدت رموشه أكثر طولا وساقاه مستقيمتين ، وتحسنت بشرته وزال عنها الغبار الأسود0 اتجه منقار ( السمارتو ) نحو الشمال مراقبا الصبي بعينه اليسرى متخيلا ضحايا جرائمه الذين تعذبوا وهم دون العاشرة يلعبون ويأكلون الحلويات أمام ضميره المتألم ، ولكنه ، كما فسر ذلك لنفسه ، لم يكن يعرف أن آشور بانيبال الطفل لا يتكرر ، وأن الحياة المعاصرة زاخرة بشخصيات مثل :( مطوج الشايب، والديو، والدامية ) لا تقل شرا عنه ، تغنيه عن متاعب التعذيب والانتقام ، ولكن يبدو أن ما فعله لأكثر من ستة وعشرين قرنا كان من أجل هذا الصبي الذي شاء حظه القاعد أن يفوز برحمة ( السمارتو ) السنوية ويدخل الى لب قلبه ، حيث مدفن ( السمارتو ) المسكين ، فرخ الخير والأبن الفخري ل( أتونبشتم )
توقف يونس أمام صف طويل من أكشاك لا نهاية لها ، مرفوعة المظلات ، تلمع فيها العلب الزاهية المفتوحة لبصره الحائر بين سبائك الحلوى ، وقطع البسكويت الهش والصلب ، وتجاعيد الشوكولاتة المتجمدة فوق مزيج العسل والحليب وسكر العنب ، واقرص المعجنات المتلاصقة بمختلف ألوان الكريمات0 طافت بانفه روائح الفانيلا والمطيبات ونكهة البرتقال والتفاح ، والموز والاناناس0 شدته صور الأغلفة البراقة وقلائد التين المجفف ، والبندق المغطى بالكاكاو وأنواع لا تحصى من العلكة مع التماثيل السكرية الواقفه على القصبات0 لم يجد لعابه اللزج ، في ذاكرة ما تحت اللسان وفي سقف حلقه ، غير طعم السمسمية ، وحموضة كرات ( شيرة النسوان ) السوداء الملوثة بالليمون دوزي كي يسيل في فمه0
ظهر ( السمارتو ) أمام يونس ، وقال بهيئة ملتزمة مثل مذيع تلفزيوني يقطع البرامج بخبر عاجل :
- أنها لك00 هدية ليلة الخروج من سفينة ( اتونبشتم ) 0
تقدم الصبي ببطء جنائزي وهو يمسك بشعثة رأسه0 توقف لبرهة ثم انطلق راكضا وغاب في وسط الأكشاك تاركا ( السمارتو ) يتذوق بقلبه حلاوة أعمال الخير متنسما روائح القصب وخشب الأرز تحت سبعة قدور لصاحب القرابين ، مرتعشا بقراءات صلاة الشكر وسط الرياح الأربع ، لكن يونس برز فجأة بسحنة منقلبة أكسبتها ألوان الحلويات هيئة كاهن الاشيبو المتخصص بالتعازيم وخداع العفاريت . سحب الصبي أنفاسه قائلا بفم ممتليء ، تتكسر فيه الكلمات مع قطع البسكويت :
- مفجوع00 أنا بحاجة الى أربع خمس سيارات لنقلها0
صدم ( السمارتو ) بلقطات توهجت كاشفة عن مناظر رخاء تعاقبت عليها واجهات فروع البنوك ، وسيارات فارهة ، وبيت ضخم من حجر الحلان والمرمر بأعمدة عالية وقباب ، وبنطلون جينز ماركة ( بلو ) ، تلتها عمليات جمع وطرح وقسمة ازدحم بها ذهن الصبي الذي قال بانفعال :
- افتح دماغك يا مفجوع00 سنكون من اصحاب الملايين في ظرف اسبوع0
سدد ( السمارتو ) للصبي نظرة قانصة فتراجع قائلا بصوت منكسر :
- الأفضل أن تنقل محتويات الأكشاك الى البيت كما فعلت مع الدجاجة0
ولكنه فكر بأن البيت لن يتسع لها ثم تخيل وجه جدته فطوشة واستجداءات ملامحها الطامعة0 ابتلع ما في فمه وتابع :
- نانتي فطوشة تكرهك00 تكره كل أنواع الطيور لأنكم تذرقون فضلاتكم على ملابسها المنشورة في السطح00 أمي تتفاءل بهذا ، ولكن نانتي تقول أن خراء الطيور غير صالح للسحر0
رد ( السمارتو ) بنبرة توعد باردة :
- بسيطة0
كانا بين لعبتي دودة القز ، وسكة الموت عندما اعترضت جولتهما رغبة ثقيلة أخذت تبحث باصرار عن مخرج . أعلن يونس عن حاجته بلا أكاذيب أو ذرائع وقد شجعه الفرح على اعتبار هذه المشاركة بريئة لا تختلف عن المرافقات الصيفية للسحالي والبعوض . وفي دورة المياه العمومية ربط يونس ارتياحه وارتعاشاته اللذيذة المتصاعدة الى حد الدموع ، والتي تذكره بقطف التين الأخضر ، بانتقام ( السمارتو ) 0 أشعرته اساءاته الكلامية بالحزن ، متحسسا في موضع الغياب والخدر ، ضخامة فقده للدجاجة ، وانزلاقات الحلويات والشوكولاتة ، ونكهات الفواكه التلفزيونية ، وسخونة ال ( سفن آب )0
سد ( السمارتو ) منخريه بفتيلتين ورقيتين صنعها من كيس شامية وجده بين الحشائش ليتمكن من محاورته بوقوفه تحت فتحة التهوية0 انقطعت ردود يونس فجأة تاركه كلمات ( السمارتو ) تتعاقب بلا عرقلة شارحة تلك الظروف الصعبة التي لاحقته بسوء الطالع الى مقر الملك الصغير لحظة دخوله عليه وهو يتلقى من معلميه الجهابذة الدروس الكفيلة بتعليمه لهجة المستقبل الخاصة بأهل اقليعات ، فكان أسم ( السمارتو ) الذي أعلن عنه الحاجب الكلمة الأولى التي فكر آشور بانيبال الصغير بنقلها من الأكدية الى الاقليعاتية . قال بانه لايعرف المعنى الاكدي لأسمه ، ولكنه يرى أن أسم ( مفجوع ملذوع ) الاقليعاتي يناسبه تماما0 صفقت الهيئة التدريسية لنجابته وجعلت من هذه الحادثة اللغوية عيدا سنويا لميلاد القواميس والمعاجم0
قطع يونس بغنائه مسلسل الذكريات الآشورية وراح صوته ينطلق من فتحة التهوية محمولا على طبقة ارتياح وهو ينتخب من الأصوات الجديدة المقاطع الشائعة في الشوارع0
اعترض ( السمارتو ) على ذوقه قائلا :
- اجعل هذا الليل لاحلامك ، وتذكر أن الشمس قادمة0
رد يونس وهو يرفع سروال منامته :
- أنا معك ، ولكن لا تحاول اخافتي كما فعلت في السطح0
قال ( السمارتو ) مصححا معلومات الصبي :
- قل لجدتك أن ( للمفجوع ملذوع ) أمعاء انسانية وهو لا يترك فضلاته تسقط على الناس كما تفعل الطيور0
*****
دخلا من باب معطر برائحة الجوز الشقلاوي كتب عليه بخط يوسف ذنون (لعبة بيت جدي ) ينتسب لبيت ضخم حجب النصف الشرقي من مساحة المدينة ، عملت واجهته العريضة ، وقشرته الجصية المطعمة بقطع المرمر الأزرق ، مع تفاصيل خارجية دقيقة لزقاق حي بتصرفات الناس وهم يعيشون في سوق القطانين ، عملت هذه المعالم على اشعار يونس بأن الجولة الليلية قد انتهت وأنه سيكره الآن على النوم0
كان ( السمارتو ) أكثر مرحا وهو يرى حبه العميق للتراث ينجح باستثمار بيت مصطفى التتنجي علىهذا الشكل الجميل بعد أن تخلص من مخالفات الندافين ورائحة تجار الصوف والقطن 0
سارا في قنطرة سوداء ما لبثت أن توهجت بنشرات ضوئية راحت ترسم بالضوء قصة حسين النمنم ، مستخدمة صوت المذيعة فرقد ملكو في روايتها0 استمرت النشرات في متابعتهما بعد أن انفتحت على شريط بعرض متر على جدران الغرف والايوانات المتحلقة حول الحوش0 اندفعت من جانبي القنطرة موجة ضوئية عنيفة مصحوبة بموسيقى نهرية من عود خالد محمد علي ضربت الكلك في عمق الايوان الكبير0 حاول حسين وجماعته كبح جماح الطبيعة بالدعاء والاستغفار الا أن المياه التي جعلت (السمارتو ) ينكمش ارتفعت متغلبة على خبرة حسين وقلبت الكلك0 أحس يونس بيد ( السمارتو ) المتراجع الى الخلف تعصر استدارة كتفه مما زاد في شعوره بالملل لكن صوت فرقد الغريق عاد ليطفو بنبرة فرح بعد أن قطع الموت استغاثات التجار ليلاحق صراع حسين النمنم مع الامواج التي تخلصت من صفعات كفه بأن قذفته الى سفح جبل رسمته الأضواء على شكل مثلث أخضر0 هدأت الموسيقى تاركة صوت فرقد يتبع حسين الى الكهف الذي اكتشفه ويصف كيف عثر بطل الحكاية في الجبل على أشجار محملة بغرائب الفواكه0 وبنبرة أمومة وصفت فرقد كيف ملأ حسين بطنه وأشعل النار طلبا للدفء0 وعندما بدأ حسين بخلع ملابسه غاب صوت فرقد المذيعة0 استمرت المشاهد بلا تعليق وما أن ظهرت الفتاة الجميلة حتى فحج يونس رجليه معاندا حركة ( السمارتو ) ألساحبة لذراعه0 اضطربت الألوان وتداخلت الى أن تلاشت تماما0
تمتم ( السمارتو ) :
- خلل فني0
بدا الانزعاج على يونس0 طالبه قائلا :
اريد متابعة الحكاية
انها حكاية حسين النمنم ألا تعرفها ؟
بقى التحدي متحفزا على وجهه فتابع ( السمارتو ) باستسلام0
- اسمع00 قد تبدو لك جميلة ولكنها ليست كذلك فهي دامية بشعة00 سأقص عليك حكاية أجمل0
لم يرض يونس بهذا ولكنه أستغل رغبة ( السمارتو ) في ارضائه ليطلق سؤاله الخجول :
- أهذا هو الفيديو ؟!
إنطفأت الاضواء فجأة وساد الظلام التام في المدينة مهجرا ضجيج الاعياد0 صاح يونس بصخب تمثيلي :
- عرفتك00 أنت من يقطع الكهرباء0
قبض ( السمارتو ) على كتفه مهدئا :
- إنتظر0
قال يونس بصوت خامل:
ست ساعات هذا القطع ، أم ثلاث ؟
عاد الغبار الضوئي الاصفر الى وهجه السابق رافعا غطاء الظلام ، منعشا آلات المدينة بالأفراح القديمة0 ومن الباب دخلت الأنوار لتتناوب مغيرة معالم البيت0 تأثثت الفراغات وامتلأت بشبكات معقدة راحت ترسم الشخوص التي كان من الممكن للصبي أن ينتسب اليها كي يكبر في ظل تربيتها0 أحس برجفة الدمعة في جسده كتلك التي تصيب المرء عندما يتأثر ببكائيات أقدار
الهنود السينمائية0 صعدت الرجفة من أطرافه لتتوقف في حلقه محبوسة المعنى ولكنها دافئة ، فيها استرخاء الأماسي وصفاء البال0 أطلق ( السمارتو ) في الحوش روائح الخبز والشاي ، ومن حرارة المسامرة وطرقات الباب وذكريات الرجال وهمسات تجمعات النساء تنفس0 شاهد في رسوم الضوء كيف كان يرتكب دعابات الصراخ في القناطر ويمارس الاختباء الاستعطافي تحت القنبة ، وكيف كان يلعب رياضة الشقاوة ويكثر من اكل الكراث والبقدونس كي ينبت الشارب0 وكيف كان يسرق مكانس الخوص ويصنع من جرائدها السهام ويطلقها من أنابيب لفافات الخيوط بعد أن يدق عليها الرؤوس الثقيلة من سدادات القناني0 وشاهد في الضوء الجد والجدة والأب والأم والخال والخالة والعم والعمة والجيران مع ابنتهم في ليلة الحنة والزفاف والختان وحفلات توديع واستقبال الحجاج وسمع ملاعقهم وهي تضرب المناسف في رمضان وجمعة الخضر والأحد الخامس لدير مار كوركيس0 وقف (السمارتو ) خلف الصبي وجذبه موجها بصره الى أماكن اليوميات الأسرية السعيدة حيث كان يجتهد في المحافظة على اخلاقيات روابط الدم في العمومة والخؤولة وأعجبه هذا النمو السريع وظن : بأن ذلك الولد السمين والقوي الذي يتصرف كالرجال ويجلس مع الكبار ، والبنات يتنافسن في خدمته ، فيجلبن له طاسات الماء واستكانات الشاي بتوجيه من عيون الخالات والعمات ، ظن بأن ذلك الولد السمين هو يونس الحقيقي ، وأنه كان هكذا في يوم ما ، وشعر بوخزة حزن لأنه صار أصغر سنا وتطور حزنه الى خوف فقال بصوت مرتعش بأنه لم يكن يعلم بوجود هكذا نوع من القنابل والصواريخ التي تحول الرجل الكبير الى طفل صغير والسمين الى ضعيف وتجعل الانسان يعيش الى الوراء0 وقال بأنها كانت تسقط وتنفجر كما تفعل القنابل القديمة دون أن يعلم أحد بخطورة الدخان الذي يقلل من حجم البيوت والمناسبات والأقرباء . ثم فكر مع نفسه بأنه بعد سنوات سيتحول الى طفل رضيع ، وأمه تعود الى ما قبل انجابه وانها لن تعرفه0 ارتعش ( السمارتو ) وانتصب زغب رأسه فقد انتقلت عدوى الحزن اليه مسقطة قشرة قلبه السميكة0 سحب الأضواء من نيونات الذكريات البيتية واستبدلها بحزمة من اشعة متغيرة انعكست في بطن الايوان على شكل مربع سينمائي 0اراد ( السمارتو) المتأثر بحزن الصبي على عمره المتراجع ان يبرر تخاذله ويروي ليونس سيرة انحطاطه مستعينا بنسخة فيلم من انتاج ال ( C.I.A) المأخوذة عن قصة حياته ، متجاهلا الحياء في مقاطع التعذيب الاشوري0 امسك ( السمارتو ) برأس صاحبه ، معلقا على احداث زمنه الافل بالتصريحات ، مغطيا تنازلاته الأخيرة بأمثلة من اقرب المواقف اليها ، مدعيا بأنه لم يكن ينصاع لاستدعاءات الكبار ، اجلالا للتجاعيد ، بل تعذيبا لندمهم على انجابهم للبانيباليين ، وأنه كان يوظف قلبه في قساوة اجراءات العقاب0 ثم ذكّره بحادثة لقائهما ، واعاده الى صباح جمعة التعارف ، عندما كانت جدته فطوشة تطعم التنور أقراص العجين فتسلل يونس وهو يحمل خشبة مفرقعاته ، بعد أن ملأ التجويف المسنن لمقبض دولاب ملابسها بمسحوق كبريت نصف علبة ثقاب وربطه على طرف الخشبة وسد التجويف بمسمار غيظ0 واستغل حركة انحنائها ، وهوى بالخشبة على موقع شديد القرب من ساقيها المنفرجتين ، موجها بقوة رأس المسمار نحو أرضية السطح ، فانفجر الكبريت بعنف ( توما هوك ) وبقوة طلق خمس ولادات ، قاذفا بروح فطوشة الى عمق السماء0 وعندما ارتد وعيها متناثراعلى ما حدث اصطادته بنعال سريع أصاب ربلة ساقه ، وهي تدعو بصوت عال : ( مساك الله بالكفن يا مفجوع ملذوع )
شاهد يونس اللسان الأحمر يتدلى من المنقار المعقوف ، والعين اليمنى تتسع كما في فزع لحظة انزلاقه المروع من ميزاب السطح العلوي عندما خرج على شكل سحابة دخان أصفر انقشعت عن هيئته المهجنة ورأسه الحيواني الضخم ، تتقاطع على ظهره الأجنحة وتتدلى على صدره قلادة أدوات انتقامه : سكاكين تاريخية من جماجم خشنة تستخدم للحك والتنعيم ، ومسامير صلب ، وقصبات أرجل ، وسواعد محشوة بالقار ، ومقشرة جلود بشرية0
سحبه من ياقة قميصه وزفر في وجهه رائحة بقرة متفسخة وهو يقول :
- وأخيرا أمسكت بك أيها البانيبالي الصغير0
برم الفائض من قميصه في قبضته ورفعه عن المقعد وتابع :
- جاءت ساعة حسابك وحلت لحظة عقابك0
سأله يونس بصوت مخنوق وهو يسبح في الهواء بحركات عشوائية :
- ماذا جرى يا مفجوع00 نحن أصدقاء أنسيت؟00لماذا تعيد ما حدث في السطح؟
أتسألني ؟00 لقد دمرت حياتي
تغير القاء الكلمات في صوته وهو يعدد الأضرار التي لحقت به ، وبات أكثر تذبذبا وأشد رخاوة وهو يتعثر بالتشنجات البكائية السريعة ، قائلا بأنه مجرد محارب خدم الماضي باخلاص وقدم الغالي والرخيص من اجل صيانة نينوى الحبيبة00 نينوى الشاسعة00 نينوى الكرة الأرضية ، وقال :
- اتجدني المثل البشع لدموية الحروب 00 تترك صناع السيوف والرماح وتمسك بي00 تترك اصحاب الاوامر من المنتصرين وتمسك بالجندي00 أي الوحيد الذي يعرف ما معنى السلام؟!
هرّب يونس القليل من صوته المسحوق عبر القبضة الخانقة ، وهو يتأرجح في الهواء مثل ارنب مسكين مسقطا دمعتين فاترتين على اليد الموشومة بعروق الغضب0 قال :
- ام افعل لك شيئا00 هم الذين لايريدون ان العب 00 أنا لم افعل شيئا0
انفتح المنقار وأخذ شريط اللسان الرفيع يستطلع أنفاس الاسترخاء0 انفك الانكماش وارتخت اليد ببطء وهبطت بالصبي على الأرض0 نظر ( السمارتو ) اليه بعينه اليمنى ورأسه الكبير يواكب قلبه باهتزازات نابضة0 نفض أجنحته وقال بصوت هادئ :
- لا أستطيع نسيان حقدي على الطفولة00
انطفأت الأضواء للحظات0 تفككت مربعات الجدران ودارت لتتراصف على استقامة واحدة فاتحة الفضاءات للبصر0 اشتعلت كشافات الألوان الخضر والزرق والحليبية صابغة حدود النهر والأحراش على القاطع العريض بينما الأشعة الخلفية المنبعثة من ثقب الأخشيم تعكس جريان الماء بين حركات الأضواء وعلى الخلفيات الثابتة لنباتات الماء0 قال (السمارتو) الكثير من الكلام عن احقاده ومأساته مع آشور بانبال وقال بأنه كان يبحث عن كفارة تنزل السكينة على قلبه ولكنه لم يكن يعرف كيف يستطيع التوقف عن كره الأطفال والكف عن تعذيبهم انتقاما من الطفولة البانيبالية الا بعد أن التقى بزميله ( شيخ الشط ) أحد أهم
مخلوقات قرية الرجل الصالح والوحيد الذي بقي في خدمة النهرية الآشورية بعد أن رفض أسرحدون تسريحه احتراما منه لقداسة السمكة الكبيرة 0 لم تتوقف محاولة زملاء السلاح في حماية المدينة الا أن الأمور كانت شديدة الصعوبة وتحتاج الى اعادة تنظيم ، فالدندان الحزين عاد الى كهولة الخيبة ورجع الى مستنقعات قصر المطران بعد أن هزمه الزمن و ( دحق دقلك ) في متحف كلية العلوم يسبح في محلول الفورمالين وعليه بطاقة تقول بأنه سلحفاة نادرة0 أما ( الزنطغ ) فقد انقطع عن العالم وسكن قلاية القديس متي على جبل مقلوب0 وبقي ( بقى زي ) يحافظ على ذكرياته فوق بقايا قلعة باشطابيا يحارب الجيوش الوهمية ويجمع أحجار القلعة التي تسقطها الرياح0 وهنا كف ( السمارتو ) عن الكلام وتراجع مقدما المؤثرات الصوتية والظلال التي نقشت بقايا الجسر المجاهدي على منظر النهر0
نبت صوته المسحوق من رحى تدور . ارتدت موجة اندفعت بقوة عاكسة التيار0 مد (السمارتو ) جناحيه حتى لامس ريشه الأصفر الماء ثم قال بنبرة قوية :
- طاهرة أرضها00 عامرة بالايمان فأخرج بأسم الله0
ارتفعت موجة مزبدة ما لبثت أن تراجعت عن شيخ الشط الذي اندفع الى السطح وهومنتفخ الوجه والجسد0 اطلق زفيره المحبوس فعاد اليه حجمه0 كان بلا يدين شعره الأبيض المجدول والمزين بالأصداف يغطي النصف الأعلى من جسده السمكي0 نفخ ( السمارتو ) في ملامحه العكرة فبانت لحيته الطحلبية وتوهجت في الهواء عينه الجاحظة حتى صارت بلو الجمر0 قال الشيخ وهو يقاوم دفع التيار :
- ( سم000 الله سغ قارق )0
رد ( السمارتو ) :
- وعليك السلام ورحمة الله وبركاته
- (سم00بياغ خضر معنو قي حمي بساع تلو سعد )0
نهض ( السمارتو ) وهو يسأله بملامح مبتهجة :
- متى ؟
أجاب شيخ الشط دون أن يكف عن هز رأسه :
- ( معف )
ثم دار حول نفسه وهو يودع ( السمارتو ) قائلا :
( سم00 الله سغ قارق ) 0
هنا قال ( السمارتو ) بأنه استجاب للدعوة وذهب لملاقاة الخضر رغبة منه بالخلاص0
ظهر الخضر وهو يجلس على صخرة ارتفعت من النهر0 ملامحه المنتعشة بالصفاء تشع بنور هاديء 0 استسلمت المياه لسكون روض امواجها المنحدرة بينما عرائش الشواريق على الشمال من تل السعد تضمخ الهواء بشذا الرياحين0 اطرق ( السمارتو ) محاولا ابعاد بصره عن عيني الخضر في حين كف شيخ الشط عن الاهتزاز0 بتر الخضر الصمت بصوت توغل في صدريهما0
- الضياء على الابواب
وضع الخضر يده البيضاء على ريش ( السمارتو ) ثم قال :
- افتح مدينة قلبك لعيدك القادم وأنتظر0
أنتظر منه المزيد ولكن الخضر ذاب في الظلمة الباردة وبقي صوته :
- النجاة في الحب0
غرقت الصخرة وسط أمواج متصارعة ثم ما لبثت أن هدأت صفحة الماء0
تحركت الجدران حاصرة الفراغات المربعة ودخلت الألوان في السواد الثخين وانقطع النهر0 فتح ( السمارتو ) جناحيه وقال ليونس بأنه قال لنفسه أسمع كلام الأخضر السائر على الماء وتوقف يا سمارتو عن عصر الدموع لليلة واحدة0 افتح مدينة قلبك للغفران واجعل القمر في صدرك0 ثم امسك بكتفي الصبي وواصل بصوت عال معتذرا عن خشونة اللقاء وعن تأخره في قول كلمة لا تخف0 دار به في الحوش قائلا بأن هذا البيت بيته ، وبأنه الآن يفتح الأبواب للضياء0 دفعه بينما النيونات تخفق بالبياض منيرة البيت بأكمله0 تعمقا في المكان ويونس يفتح الباب تلو الآخر بينما ( السمارتو ) يطلق سراح أشباح الأيام السود والخلافات العائلية والتذمر النسائي من فحولة الفقر وعنوسة الأحزان وتعب الرزق ويطرد البكاء المتعشعش في الزوايا وعلى ريش المراوح والمزروع في المتسلقات الكهربائية من أسلاك ومصابيح ومفاتيح اضاءة والمتراكم على اطارات الصور التذكارية والذي هاجمهما بطنين كلمات ممسوحة الحروف في تشتتها ، تنبثق بنداءات جماعية في توحدها فتسمع صافية في ( بابا ) وواضحة في ( ماما )0
|