ليلة الملاك
الفصل الرابع
نزار عبدالستار
نزار عبد الستار
ليلة الملاك
رواية
الفصل الرابع
4
فشل ( السمارتو ) في حث يونس على التنازل عن رغبته ، ولكنه عاد وأستغل وقوفهما في طابور الرواد غير المرئيين ، في بداية الممر الحديدي المؤدي الى شباك التذاكر ، ليصف جمال ومتعة لعبة الخيول الخشبية ، الا أن يونس أصر على ركوب الصحن الطائر ، وأتهم ( السمارتو ) بابتكاره لهذه الخدعة ، وطالبه بسحب الزحام الوهمي فورا وتسهيل الوصول الى قاطع التذاكر0
لم تنفع الأصوات المشاكسة والتجلقات الكريهة وحوادث العيد في ثني الصبي ، كما خطط ( السمارتو ) ، فأضطر الى كسر النظام وحجز مقصورة لهما0تأكد ( السمارتو ) من قوة ومتانة عمود الأمان الذي أغلق عليهما الجانب المفتوح من مقعدهما العريض0 أمسك بالعمود الفضي بقوة حاصرا الدلو بفخذيه ، ونظر بعين سماقية اللون الى يونس الذي لمح جلد رقبته الأبيض من بين الريش الذي برمه الفزع0
قال يونس باستخفاف :
- من العيب يا مفجوع أن تشعر بالخوف من هذه اللعبة0
تصلب جسد ( السمارتو ) وهو يرد بتوتر :
- ومن العار أن أمتلك الأجنحة وأطير بهذه الصناديق الحديدية0
انتهز ( السمارتو ) هذه الفرصة ليكشف عن بطنه ، رافعا الثوب الى الأعلى0 شاهد يونس سلسلة لحمية ، سمراء اللون ، تخالف البشرة البيضاء ، شطرت البطن بشكل عمودي0ثم روى له كيف أن آشور بانيبال ، صاحب الأعوام السبعة ، سأله عن سبب عدم حضوره الى القصر للعب معه قبل أن تشغله أمور الحكم ودروس تعليم السلطة عن ممارسة الطفولة . وشرح له كيف أن البانيبالي الصغير فتحه بخنجره من الأعلى الى الأسفل ، بدافع من طلب العلم ، كي يتفرج على مسار اللقة0
حطت حمامة رصاصية اللون على الكرة الأرضية التي تتوسط حلقة المقاعد ، وراحت تراقبهما بحذر0 استمر يونس بهز رأسه وهو ينظر الى ( السمارتو ) الذي أحس بلا منطقية الجمود الصامت فالتفت قائلا بحرج :
- والله العظيم0
ترك ( السمارتو ) الصحن يتحرك ويدور محاولا الابقاء على هذه الحركة التحضيرية الى أطول فترة ممكنة ، الا أن حركات يونس القلقة كانت تستعجل السرعة ، وتحثه على فعل المزيد 0 فتش ( السمارتو ) ذهن الصبي فوجده خاليا من النوايا الحربية ، ولم يعثر على أية رغبة غير سليمة ، ثم تفحص الأصوات الضاجة فيه ، فوجدها أصوات محركات حضرت في ذهنه حبا للسرعة والمغامرة ترافقها هتافات بريئة تنشد الفوز0 وعندما اشتدت الحركة وأخذ الصحن يدور بقوة رافعا طرفه عن القاعدة ، إتضح له أن السرعة والهتاف وحتى الصحن نفسه ، هي لجلب إنتباه فتاة سوداء ، إسمها مكارم ، وجدها تسكن رأسه ، في مشهد يعود الى آخر يوم له في المدرسة 0
استقرت سرعة الصحن ، طاردة يونس الى أقصى اليمين0 حاول ( السمارتو) إستئناف ذكرياته ، لتطهير ذهن الصبي بتفاصيل انحرافه المهني ، وكيف انزلق الى رغبات إنتقامية ، ربطته بادارات بيتية ، تديرها الجدات والعمات والخالات ، بعد ان فقد مستقبله العسكري ، نتيجة تكتيك خاطيء ، وتوبة سياسية . ورغم حركة الخض المنتظمة ، التي احالته الى صناعة الالبان الأشورية ، فقد تمكن من القول بأنه احتاج الى ارتكاب ملايين الجرائم ، بحق من هم دون العاشرة ، ليعرف في هذه النزهة التكفيرية بأنه بدد سبعة آلاف سنة من عمره في استثمارات حيوانية ، وأنه كان يتصرف مثل الملك والقائد العسكري ، ومثل (مفجوع ملذوع ) مجبرا قلبه على استعمال دم الحقد لتدوير الانتقام وضخه الى الأبد ، معترفا بأنه كان يحقق الأنتصارات بالخيانة ، ويبث الرعب في الليل ، ويلوث جروح ختان الأولاد ، نكاية بذلك الطائر الجميل الذي هرب من البحر ليغرق في وحل الأرض0
استيقظ ( السمارتو ) من همومه ، وانتبه الى نظرة متلهفة ، تطل من شباك الصف الرابع ( ج ) ، استقرت على الساحة المشمسة التابعة لفناء مدرسة أبي تمام الأبتدائية0 نظرة عميقة ومقصودة ، ولم تكن خاطفة كما ظن ، عندما ظهرت له أثناء كلامه ، بين كلمتي الأنتصارات والخيانة0 كانت تلك النظرة تنتظر بمسحة حزن ، مرور رتل الصف الرابع ( ب ) الذي سيخرج خلف الست سعدية ، معلمة الرياضة0 حاول ( السمارتو ) استشارة يونس في تغيير الكرة الأرضية الضخمة الموضوعة مركز الصحن ، واستبدالها بثور مجنح من ثيران خرسباد الشهيرة ، ولكن مكارم السوداء ، خرجت من صفها خلف الست سعدية ، حاملة صندوق الألعاب الأحمر، الخاص بالرياضة البناتية0 كان الصحن الهائج يدور بعنف مقلدا حركات الدرهم الساقط على الارض ( الدرهم عملة أقليعاتية انقرضت بعد هجوم الطائرات ) لحظة ان مد ( السمارتو ) يده وقبض على ساعد الصبي ، خوفا عليه من تلك الأنتقاله السريعة التي انطلق بها خلف بناية المكتبة ، يركل كرة النايلون الصغيرة ، مسجلا لفريقه هدف الفوز0 أكتشف ( السمارتو ) ، بمساعدة ملامح يونس المنقبضة ، أن لا أهمية لان يكون أفضل لاعب كرة قدم في المدرسة ، ما دامت مكارم لاتعرف بأن بقع الملح على القميص ، وجلد الحذاء المسلوخ ، والشعر الملوث بالتراب ، والبنطلون المثقوب في موضع الركبة ، وحتى مساطر عقاب مديرة المدرسة ، الست مرضية شنشل ، التي تضرب ثورة الدم في راحتيه ، بقساوة حملها لمضرب الحشرات ، وقتلها ذبابة دخلت مطبخها0 اكتشف أن لا أهمية لكل هذا ، ما دامت مكارم لا تعرف بأن المظهر البائس ، هو من المظاهر الضرورية لأفضل هداف في المدرسة0 لم يكبت ( السمارتو ) شفقته ، فقارن هذه المواقف بمأساته أيام خدمته الجبرية في ( بيت ريدوتي ) ، الا أن مكارم وقفت ممتشقة جسدها الذي كانت عليه وهي في الصف الأول الأبتدائي0 وقفت لترفع يدها ، محاولة ايصال إصبع السبابة الى مستوى بصر المعلمة0 دفع يونس الجالس بجوارها على
الخشبة نفسها ساقيه تحت المقعد المقابل ، ضاغطا بيديه المتشابكتين على موضع الحزام محاولا القبض على المغص ، وعلى تلك الالتواءات الحافرة في موضع الحدود السفلى لبطنه وبصره المتسلق يرتفع شيئا فشيئا ، ملاحقا حافة التنورة الزرقاء القصيرة0 كانت مكارم كما شاهدها ( السمارتو ) المفتوح المنقار تقف على رؤوس أصابعها0 تنزل كعبيها عندما تبتعد المعلمة بوجهها الى الجهة اليمنى ، وترفعها بقفزة سريعة ما أن يعود وجهها الى جهة اليسار0 انكمش لسان ( السمارتو ) الاحمر وألتف غالقا نهاية حلقه وهو يرى بصر يونس يلتقط صورة المثلث الصغير للقماش الأبيض الذي إرتفعت عنه التنورة الطائرة خلف جواب السؤال0
صاح يونس وهو يدفع ( السمارتو ) في خاصرته :
- أبعد أجنحتك عن وجهي0
حدجه ( السمارتو ) بنظرة أستنكار قبل ان يعدل من جلسته ويحصر أجنحته دافعا بظهره نحو مسند المقعد0 تذكرالرسوم الفاضحة ، التي كان الالقاشي الكبير يرسمها بسخام المشاعل على جدران السجن ، ادامة لأدوات الانجاب لديه ، وقال مهددا يونس ، وهو يمسك من مجموعة قلادته بمقشرة الجلود البشرية :
- حافظ على أخلاقك يا ولد
رفع الصبي يده الى مستوى جبهته ، وأدى التحية العسكرية قائلا :
- نعم سيدي0
اضطر ( السمارتو ) الى اضافة المزيد من الصراخ ، ونداءات الاستغاثة للتاثير على صمود قلب الصغير ، وقلل الاضواء ، وضاعف سرعة الصحن ، الا انه لم يستطع تحمل عنف حركة الهبوط والصعود التي نتفت ريشه وسكبت الماء المقدس على فخذيه ، وارتد الصراخ ليلحق بقلبه النازل الى قدميه ، فتراجع واعاد الصحن الى وضعه الطبيعي ، موبخا نياته الشريرة 0
احتاج ( السمارتو ) الى وقت طويل ، كي يحصل على المعلومة التي لم تعد مجدية0 كان ارتفاع الصحن وهبوطه ينقل يونس الى لمحات خاطفة ، تمنحه متعة متابعة الطائرات الحربية الاقليعاتية وهي تهبط في المطار المقابل للمدرسة0 احتفظ ( السمارتو ) بصورة لاوكار الطائرات ، اخذها من ذهن الصبي الذي تابع الامر بحسن نية ، متذكرا كيف كان يجلس على سور المدرسة ويتفرج على المطار العسكري0 لم يكتشف يونس تورط (السمارتو) في عملية التخفيف من سرعة الصحن وجعله قليل الارتفاع و بطيء الهبوط0 اخذه الاحساس بالقوة من مراقبة حياد ( السمارتو ) 0 كان يدور ويرتفع في الهواء ، بإرادة منه وبطاقته هو ، تلك الطاقة التي تشحنه بالتفوق ما أن يتصل بصره بعيني مكارم ، ويرى فيهما ذلك الانبهار والفخر0 كان ( السمارتو ) على علم بالزيادات والمبالغات التي ادخلها يونس على تفاصيل المعركة السعيدة التي انتصر فيها على ليث سالم رشيد بن بلقيس أم العربي0 لا احد تجرأ وتصدى لليث المغرور وصفعه سوى يونس ، لأن لا احد كان يجد في نفسه الشجاعة اللازمة لتحمل نتائج غضب أمه0 حدث ذلك عندما اراد يونس اسكات ليث ومنعه من التمادي في سخريته0 ربما تكون هذه التفاصيل هي السبب الاساس الذي بقي يدفع يونس طوال مواسم عديدة الى سرقة ثمار اشجار بيوت حي الطيران0 لم تكن لديه رغبة في دخول هذه المدرسة النموذجية التي جعلها الموقع الجغرافي الراقي ، تتخصص في جمع ابناء الاطباء والمهندسين واولاد المناصب العالية0 كان يكره أن يكون مؤدبا وعاقلا ونظيفا ، وبقي لسنوات لا يستطيع أن يفهم لماذا يصر الجميع على التفوق ولا يجد فرقا بين الخمسة والعشرة ، وكان يسخر من الجميع لعدم معرفتهم بالعلاقة الحقيقية بين الأب والأم ويحاول ارشاد تلاميذ الصف الى المخرج الصحيح الذي ينزل منه الأطفال ، الا أن أباه حاول تغيير واقع الحال فأصر على أمنيته قائلا لأمه بأن مخالطة الأغنياء والأذكياء ، تجلب حسن الطالع ، وتجعل الولد يتفوق . لكن الولد فتح عينيه على اشياء كثيرة وأخذ يتفوه بمطالب ليس لها نهاية أقلها اعتدالا طلبات معلمة الفنية : عدة نجارة وحدادة وحبال نايلون وورق ( الآبرو ) والطين الاصطناعي0 وأكثرها تطرفا تطلعات يونس نفسه : آلة كمان ودراجة هوائية0 هذا ما عرفه ( السمارتو ) من مصادره الخارقة ما أن رغب في الوصول الى الأسباب غير المباشرة للمعركة0
كان ليث قد اكتشف الحقيقة واتهم يونس بالكذب وأخبر الجميع ، ومنهم مكارم الواقفة مع صديقاتها بالقرب من الحانوت ، بأن بيت يونس يقع في محلة حوش الخان وليس في الدندان ، وأن أباه يملك دكانا صغيرا يبيع فيه ( الحامض حلو ) و ( الموطا ) وليس ضابطا كبيرا في الجيش0 أضطر يونس الى اسكات ليث بصفعة قوية صبغت وجهه بحمرة قانية0 تماسكا بقوة وتدحرجا على الأرض وسط انقسامات مشجعة كانت تسير لصالح يونس الذي تمكن بمساعدة بصر مكارم من ابقاء ليث على الأرض ومن الجلوس على بطنه ، وتوجيه اللكمات القوية الى وجهه وصدره ، الى أن سحلتهما بهيجة فراشة المدرسة0
كان الصحن يدور ببطء ، وبلا ارتفاعات مثيرة وكأنه من الألعاب الآمنة المخصصة للأطفال في سن الخامسة ، عندما احتج يونس قائلا :
- عدت الى الغش يا مفجوع00 دعه يدور ويرتفع00 كن طيبا معي
اعتذر ( السمارتو ) :
- نسيت نفسي00 كنت اتفرج على ما يجول في دماغك0
سأله يونس باهتمام :
- كيف تستطيع فعل ذلك ؟
رد ( السمارتو ) بعد أن فتح منقاره الى أقصاه وأعطاه بسبابته وابهامه اشارة انه يبسم:
- هي بركة اتونبشتم00 كان علينا أن نعرف ما يدور في رؤوس الركاب كي نحافظ على قوة الايمان في أنفسهم0
استرد الصحن سرعته وارتفاعاته المخيفة مصحوبا بأصوات المتعة وصراخ الرعب ويونس يقول بقوة :
- أكثر00 أكثر يا مفجوع
استجاب ( السمارتو ) وهو يرى المشاهد تتغير0 نزل القمر وصعدت الشمس0 لم يكن المنظر يعود الى نظرته المتلهفة التي تطل من شباك الصف الرابع ( ج ) ، قبل دقائق من مجيء عمه جبار الذي جعل من يوم 27/2/1993 آخر يوم له في المدرسة ، ومن درس الرياضيات آخر درس لم يفهم منه شيئا ، عندما عاد به الى البيت لينظر الى أبيه الذي سكت قلبه فجأة ، وليشارك مع الدموع في حمله الى المقبرة0
لم يكن المنظر يعود الى تلك النظرة بل كانت رؤية كاملة لقائد شجاع يطل بها من صحنه الطائر على الأرض0 أرض آمنة محاطة بسور تسكنها الأشجار والحديقة وساحة أسمنتية وصفوف بنوافذ واسعة يتطاير منها غبار الطباشير والاصوات الصارخة : دار دور .. نار نور ، وصوت مكارم يعرب جملة ( اذهب الى المدرسة ) ويونس يقول :
- أكثر00 أكثر يامفجوع0
صاح ( السمارتو ) :
- أكثر الى أين ؟
- الى السماء كي نطير مثل الطائرات0
تحولت الأصوات على مرأى منهما الى طائرات ذبابية الحركة ، متلاحمة الأجنحة ، ملأت قطعة السماء . أرتفع الصحن عاليا . أعلى مما أراد يونس وغصن الآس في يد ( السمارتو ) الذي شاهد الصواريخ تسقط على المطار والمدرسة0 تهدم الأوكار وتسقط السور0 اذهب : فعل أمر مبني على السكون والفاعل (000)
طائرات الميج والجاكوار وأف 16 تقصف الأشجار0 انقض الصحن مخترقا السحابة السوداء0
صاح يونس :
- افعل شيئا0
رد ( السمارتو ) وهو يعقد ذراعيه على صدره0
- هذه مشكلتك00 كان عليك أن تتجنب ذكرهم0
- ولكنهم ينظرون الي00 حول الكرة الأرضية الى شيء ما00 علينا أن نقاوم0
لا فائدة00ماذا تستطيع أن تفعل ثيران خرسباد المجنحة ؟
شاهدهم ( السمارتو ) . شاهد قاماتهم الصغيرة وهي تنهض كما كانت تفعل للطائرات الهابطة0 نظر الى رؤوسهم المرفوعة الى الأعلى والى أيديهم وهي تلوح في الهواء0
قال ( السمارتو ) بحزن :
- لقد حدث هذا منذ زمن بعيد0
تفرقت الطائرات وتوزعت على الجهات0 انقطع صوت مكارم عن سمع يونس وغاب في الأحجار والتراب وفحم الأشجار0
هدأ الصحن وعاد الى الدوران ببطء0 نزلت الشمس وصعد القمر0 توقفت الحركة بهما وسكتت أصوات المتعة وانقطع صراخ الفزع0
سأله يونس بصوت حار وهو يترجل تاركا المقعد :
- لماذا تركتهم ولم تنقذهم ؟
- قال ( السمارتو ) دون أن يسمعه أحد :
- ها هم يعودون يا اتونبشتم0