الخشبة نفسها ساقيه تحت المقعد المقابل ، ضاغطا بيديه المتشابكتين على موضع الحزام محاولا القبض على المغص ، وعلى تلك الالتواءات الحافرة في موضع الحدود السفلى لبطنه وبصره المتسلق يرتفع شيئا فشيئا ، ملاحقا حافة التنورة الزرقاء القصيرة0 كانت مكارم كما شاهدها ( السمارتو ) المفتوح المنقار تقف على رؤوس أصابعها0 تنزل كعبيها عندما تبتعد المعلمة بوجهها الى الجهة اليمنى ، وترفعها بقفزة سريعة ما أن يعود وجهها الى جهة اليسار0 انكمش لسان ( السمارتو ) الاحمر وألتف غالقا نهاية حلقه وهو يرى بصر يونس يلتقط صورة المثلث الصغير للقماش الأبيض الذي إرتفعت عنه التنورة الطائرة خلف جواب السؤال0
صاح يونس وهو يدفع ( السمارتو ) في خاصرته :
- أبعد أجنحتك عن وجهي0
حدجه ( السمارتو ) بنظرة أستنكار قبل ان يعدل من جلسته ويحصر أجنحته دافعا بظهره نحو مسند المقعد0 تذكرالرسوم الفاضحة ، التي كان الالقاشي الكبير يرسمها بسخام المشاعل على جدران السجن ، ادامة لأدوات الانجاب لديه ، وقال مهددا يونس ، وهو يمسك من مجموعة قلادته بمقشرة الجلود البشرية :
- حافظ على أخلاقك يا ولد
رفع الصبي يده الى مستوى جبهته ، وأدى التحية العسكرية قائلا :
- نعم سيدي0
اضطر ( السمارتو ) الى اضافة المزيد من الصراخ ، ونداءات الاستغاثة للتاثير على صمود قلب الصغير ، وقلل الاضواء ، وضاعف سرعة الصحن ، الا انه لم يستطع تحمل عنف حركة الهبوط والصعود التي نتفت ريشه وسكبت الماء المقدس على فخذيه ، وارتد الصراخ ليلحق بقلبه النازل الى قدميه ، فتراجع واعاد الصحن الى وضعه الطبيعي ، موبخا نياته الشريرة 0
احتاج ( السمارتو ) الى وقت طويل ، كي يحصل على المعلومة التي لم تعد مجدية0 كان ارتفاع الصحن وهبوطه ينقل يونس الى لمحات خاطفة ، تمنحه متعة متابعة الطائرات الحربية الاقليعاتية وهي تهبط في المطار المقابل للمدرسة0 احتفظ ( السمارتو ) بصورة لاوكار الطائرات ، اخذها من ذهن الصبي الذي تابع الامر بحسن نية ، متذكرا كيف كان يجلس على سور المدرسة ويتفرج على المطار العسكري0 لم يكتشف يونس تورط (السمارتو) في عملية التخفيف من سرعة الصحن وجعله قليل الارتفاع و بطيء الهبوط0 اخذه الاحساس بالقوة من مراقبة حياد ( السمارتو ) 0 كان يدور ويرتفع في الهواء ، بإرادة منه وبطاقته هو ، تلك الطاقة التي تشحنه بالتفوق ما أن يتصل بصره بعيني مكارم ، ويرى فيهما ذلك الانبهار والفخر0 كان ( السمارتو ) على علم بالزيادات والمبالغات التي ادخلها يونس على تفاصيل المعركة السعيدة التي انتصر فيها على ليث سالم رشيد بن بلقيس أم العربي0 لا احد تجرأ وتصدى لليث المغرور وصفعه سوى يونس ، لأن لا احد كان يجد في نفسه الشجاعة اللازمة لتحمل نتائج غضب أمه0 حدث ذلك عندما اراد يونس اسكات ليث ومنعه من التمادي في سخريته0 ربما تكون هذه التفاصيل هي السبب الاساس الذي بقي يدفع يونس طوال مواسم عديدة الى سرقة ثمار اشجار بيوت حي الطيران0 لم تكن لديه رغبة في دخول هذه المدرسة النموذجية التي جعلها الموقع الجغرافي الراقي ، تتخصص في جمع ابناء الاطباء والمهندسين واولاد المناصب العالية0 كان يكره أن يكون مؤدبا وعاقلا ونظيفا ، وبقي لسنوات لا يستطيع أن يفهم لماذا يصر الجميع على التفوق ولا يجد فرقا بين الخمسة والعشرة ، وكان يسخر من الجميع لعدم معرفتهم بالعلاقة الحقيقية بين الأب والأم ويحاول ارشاد تلاميذ الصف الى المخرج الصحيح الذي ينزل منه الأطفال ، الا أن أباه حاول تغيير واقع الحال فأصر على أمنيته قائلا لأمه بأن مخالطة الأغنياء والأذكياء ، تجلب حسن الطالع ، وتجعل الولد يتفوق . لكن الولد فتح عينيه على اشياء كثيرة وأخذ يتفوه بمطالب ليس لها نهاية أقلها اعتدالا طلبات معلمة الفنية : عدة نجارة وحدادة وحبال نايلون وورق ( الآبرو ) والطين الاصطناعي0 وأكثرها تطرفا تطلعات يونس نفسه : آلة كمان ودراجة هوائية0 هذا ما عرفه ( السمارتو ) من مصادره الخارقة ما أن رغب في الوصول الى الأسباب غير المباشرة للمعركة0
كان ليث قد اكتشف الحقيقة واتهم يونس بالكذب وأخبر الجميع ، ومنهم مكارم الواقفة مع صديقاتها بالقرب من الحانوت ، بأن بيت يونس يقع في محلة حوش الخان وليس في الدندان ، وأن أباه يملك دكانا صغيرا يبيع فيه ( الحامض حلو ) و ( الموطا ) وليس ضابطا كبيرا في الجيش0 أضطر يونس الى اسكات ليث بصفعة قوية صبغت وجهه بحمرة قانية0 تماسكا بقوة وتدحرجا على الأرض وسط انقسامات مشجعة كانت تسير لصالح يونس الذي تمكن بمساعدة بصر مكارم من ابقاء ليث على الأرض ومن الجلوس على بطنه ، وتوجيه اللكمات القوية الى وجهه وصدره ، الى أن سحلتهما بهيجة فراشة المدرسة0
كان الصحن يدور ببطء ، وبلا ارتفاعات مثيرة وكأنه من الألعاب الآمنة المخصصة للأطفال في سن الخامسة ، عندما احتج يونس قائلا :
- عدت الى الغش يا مفجوع00 دعه يدور ويرتفع00 كن طيبا معي
اعتذر ( السمارتو ) :
- نسيت نفسي00 كنت اتفرج على ما يجول في دماغك0
سأله يونس باهتمام :
- كيف تستطيع فعل ذلك ؟
رد ( السمارتو ) بعد أن فتح منقاره الى أقصاه وأعطاه بسبابته وابهامه اشارة انه يبسم:
- هي بركة اتونبشتم00 كان علينا أن نعرف ما يدور في رؤوس الركاب كي نحافظ على قوة الايمان في أنفسهم0
استرد الصحن سرعته وارتفاعاته المخيفة مصحوبا بأصوات المتعة وصراخ الرعب ويونس يقول بقوة :
- أكثر00 أكثر يا مفجوع
استجاب ( السمارتو ) وهو يرى المشاهد تتغير0 نزل القمر وصعدت الشمس0 لم يكن المنظر يعود الى نظرته المتلهفة التي تطل من شباك الصف الرابع ( ج ) ، قبل دقائق من مجيء عمه جبار الذي جعل من يوم 27/2/1993 آخر يوم له في المدرسة ، ومن درس الرياضيات آخر درس لم يفهم منه شيئا ، عندما عاد به الى البيت لينظر الى أبيه الذي سكت قلبه فجأة ، وليشارك مع الدموع في حمله الى المقبرة0
لم يكن المنظر يعود الى تلك النظرة بل كانت رؤية كاملة لقائد شجاع يطل بها من صحنه الطائر على الأرض0 أرض آمنة محاطة بسور تسكنها الأشجار والحديقة وساحة أسمنتية وصفوف بنوافذ واسعة يتطاير منها غبار الطباشير والاصوات الصارخة : دار دور .. نار نور ، وصوت مكارم يعرب جملة ( اذهب الى المدرسة ) ويونس يقول :
- أكثر00 أكثر يامفجوع0
صاح ( السمارتو ) :
- أكثر الى أين ؟
- الى السماء كي نطير مثل الطائرات0
تحولت الأصوات على مرأى منهما الى طائرات ذبابية الحركة ، متلاحمة الأجنحة ، ملأت قطعة السماء . أرتفع الصحن عاليا . أعلى مما أراد يونس وغصن الآس في يد ( السمارتو ) الذي شاهد الصواريخ تسقط على المطار والمدرسة0 تهدم الأوكار وتسقط السور0 اذهب : فعل أمر مبني على السكون والفاعل (000)