استراحا في حديقة نائية على مصطبة عائلية الحجم ، متلاحمة الأخشاب ، أخذت هيئة برميل فقد اسدارته ، تحاذي ضلع الآس المشذب على شكل سور بأبراج0 كان ( السمارتو ) المندمج في استذكاراته المؤلمة ، متسخ المنقار والريش ، رث الثياب مثل الخارج من زحام على شباك تذاكر سينما ، وملامحه الصقرية معتقلة في ذكرى معركة الصحن الطائر . طلب من يونس تخيل منظر صديقه وهو يجبر على أكل الحشائش مثل الأغنام ، لقاء يوم كامل في التنقيب عن صخور المرمر الأزرق ، وعلى العمل كثور حراثة في حملات الاستزراع الشتوية والصيفية0 ثم وصف له مشهد عودة الجيوش ، قبل اعتزال اسرحدون ، ومعها قطعان الأسرى الأذلاء ، وكيف أن الحمير تفرح بقدومهم أكثر من الملك نفسه0
وضع ( السمارتو ) الدلو على المصطبة وغطّاه بكفه ، مانعا صغار الضفادع من تعلم السباحة في مائه المقدس ، وتابع قائلا ليونس بأن حمير الامبراطورية لم تسعد بعدو كما سعدت به يوم قرر الملك الصغير ، في أول ادارة تجريبية في تمشية أمور الرعية ، اعفاء الحمير مدة عام من الخدمة الحيوانية ، وتكليفه بالواجبات المهلكة ، كي يرى بقلبه مساوئ الحلول العدوانية وانعكاساتها المهينة على المستسلمين0 وقال في النهاية :
- في الجيش كنت محض جندي ، ولكنني بعد أن تسرحت لم أعرف من أنا00حكومة نينوى القديمة تقول أنني من البشر ، والناس يقولون انني من الطيور الجارحة ، أما الكهنة فقد رسموني على الجدران كملاك من ملائكة المعابد0
قال يونس بعصبية :
- أنت مفجوع ملذوع بلا دماغ00 لقد جعلتنا نخسر المعركة00 قلت لك افعل شيئا00 حول الكرة الأرضيةالى مدفع ثقيل00 منصة صواريخ00 دبابة00 كيف خطر لك أن تحولها الى ثور مجنح00 ها كيف ؟
رد ( السمارتو ) وهو يحمل الدلو بين يديه مانعا البعوض من وضع بيوضه في الماء المقدس :
- كنت أريد أن أطرد عنك أشباحهم الخبيثة0
أستمرا في النقاش ، وفي عرض أفكارهما المتصارعة حتى بعد ان أمسكا بطريقهما ، وعادا الى تجمعات الألعاب الحية بالحركة والضجيج وحوارات الفرح القديم 0 اجتازا حلقات العشاء الأسري التي كانت تفرش علاقاتها الدافئة ، وسمرها البريء على الاخضرار ، مطيبة الهواء بروائح المطبخ الاقليعاتي وهما يتعاتبان بخشونة سكان الأزقة البعيدة عن مجرى النهر0 حاول ( السمارتو ) استخدام مقاطع الصمت لتجميد اعصابهما والاستعانة بالفكاهة الأكدية لمعالجة وعكتهما الكلامية دافعا بالمشهد حولهما للتراجع الى ازمنة أشعرته بأن قلبه قد تغير الى ربوة احتفالات ، وأنه تربة برية لأزهار البيبون المقدسة0 وفي لحظة انشطرت بين قرون الأزدهار الآشوري ، وبين أيام السلام الاقليعاتي احتشد الفضاء بتسجيلات صوتية ، تعود لتفاصيل من سعادات البيوت والأزقة ، استردت وجودها من قساوة الخبز الأسود ، ومن جنون انفجارات القنابل ، تصاحبها موسيقى الزغاريد وابواق مواكب خميس الأعراس ، بدأت تشارك الأضواء ورواد المدينة القدماء في غبطة العودة الى الحياة0
لم يستطع ( السمارتو ) اطفاء غضب يونس ، وبدت محاولته متخلفة وبعيدة عن الواقع0 أخذ يحك جلد صدره بأظافره ويحرك رأسه وجسده مثل طير يحاول الفرار من قيده0 وقف الصبي ينظر الى حركات ( السمارتو ) بتوجس0 لمح نظرة خوف دامعة سقطت من عينه اليسرى وكأنها ترى سكين الذبح0
كانا بين سكة الموت وتمثال الدب الأزرق عندما طلب (السمارتو ) الغفران لمواقفه المتخاذلة ، واصفا نفسه بالجبان والخائن ومسقط الحضارات0 تذكر يونس رعب لقاء السطح الذي جعله يصدق كل كان يقال عن ( المفجوع ملذوع ) ، وحش الميازيب ، عدو الأولاد الذين لا يسمعون كلام الآباء والأمهات والجدات والخالات0 استخدم ( السمارتو ) قواه الخفية في تشويه صورته الخيالية ، مضيفا الى ارشيف ذاكرة الصبي صورا افتراضية عن التعذيب الجسدي الذي كان سيحدث لو أن الحظ لم يخدم يونس واغضب جدته في يوم أخر ، فدفع الصبي الى تخيل نفسه وهو ضحية الارهاب التربوي . يستغل عوقه وما مات له من اعضاء في مطاردة صدقات السابلة وتقبيل أياديهم . يطرق نوافذ السيارات المتوقفة عند الأشارات الحمر . يموت ذلا وهو ينتظر أنتهاء خطبت الجمعة وصلاة الأحد .
توقف ( السمارتو ) عن تعذيب يونس واعترف قائلا :
- شلل الأطفال خدعة علمية كبيرة .. لا وجود لهذه الجرثومة .. أنا من فعل هذا بهم .. أنا الحصبة والكّزاز والنكاف والاسهال .. أنا عدو اليونسيف رقم واحد ..أنا المتسبب الاول في نقص الدواء .. أنا الزائر الليلي والأب الأول للجراثيم وسوء التغذية ..أنا من يقول للأمهات من شبابيك صيدليات المراكز الصحية في الساعة الثامنة والنصف صباحا : لا يوجد دواء هذا اليوم0
أشار يونس اليه بإصبعه وقال بصوت يابس :
- عرفتك00 أنت الحصار الجائر0
أسقط ( السمارتو ) ذراعيه بحركة بطيئة0 بدا مثل دمية وهو يقول :
- كلا ولكنني شاركت فيه0
ثم روى كيف وقع بسهولة في شبكة صيد المخابرات الأمريكية0 توجه بمنقاره نحو القمر وباح ليونس بأسرار علاقته التاريخية بالطفل آشور بانيبال ، موضحا كيف أدت العلاقة الى تلويث قلبه ، وكيف أن الحقد ترسب فيه وسد أنابيب دمه ما أن جعلته الرغبة الملكية يطير ببطء في الخط السمائي الفاصل بين بابي أدد ونركال ، كي يمكن السهام من التدريب على اصابته ، واذا ما سقط بين الأقدام عرف البانيبالي الصغير أن الأسلحة الحربية محض قذارة ، وأنها لا تستحق أن تنفق نينوى من أجلها الأموال0
أخفض من صوته وهو يخبره بتفاصيل تجنيده عندما عرضت عليه المخابرات الأمريكية عدة أفلام أرشيفيه عن عذاباته في ( بيت ريدوتي ) ، وأقسم ليونس أن ما شاهده كان نسخة حقيقية لا تختلف عن التاريخ بشيء ، فقد شاهد بعينه عملية سحقه تحت عجلات العربات ، وسحله بسروج الخيول ، ونتف ريشه تهديدا له بالسلق كلما عنفص واعترض على استعماله في التعليم كوسائل ايضاح لآشور الأبن0 ولحظة أن دخل على شوارسكوف في خيمته كان قلبه قد تحول الى نصب تذكاري للأحقاد القديمة ، وكان على استعداد للتنازل عن أمجاده وسيرته القتالية العظيمة مقابل سيجارة مارلبورو واحدة0 أستقبله شوارسكوف بحرارة وكأنه من ملوك الصحراء ، وأبدى اعجابه الشديد بعقليته العسكرية ، وقال له ان ما فعله مع العيلاميين ، وفي الوصول الى الاهرامات ، هو من الدروس التكتيكية المهمة في التاريخ العسكري ، وأن خطته التي أدت الى فتح أورشليم ، هي تحفة قتالية تعتبر من كلاسيكيات الحروب0 وقاما معا بجولة تفتيشية لحاملات الطائرات ، وأطلعه على التحويرات التي أدخلت الى المقاتلات ، وكيف أن العلماء الأمريكان قاموا بتشريحه كمبيوتريا للاستفادة من قابلياته الخارقة في تطوير سلاح الجو ، والأخذ بقياسات رشاقته في تصنيع طائرة الشبح ، فخر التفوق الأمريكي0 وفي المساء قلده وسام البطولة من الدرجة الممتازة ، تقديرا لسيرته العسكرية0 وفي الكلمة التي القاها شوارسكوف في الحفل المقام على شرفه ، أعترف أمام الاسيوشيتدبرس واليونايتدبرس ، بأن ( السمارتو ) الذي لقبه بعلي بابا النظام العالمي الجديد ، هو أحد أهم الانتصارات الامريكية التي أفقدت الروس التوازن ، وجعلت الولايات المتحدة تخلع معطف الثلج وتمسك بصولجان تفردها ، ولوكان يونس قد عبر المرحلة الابتدائية ، لأخبره بما فعله مع المجندات في تلك الليلة الليلاء ، ولكنه أكتفى بقوله أنه رقص معهن حتى الصباح وشرب البيرة0
سأله يونس وهو يرفع سرواله الى ما فوق السرة :
أأنت من ألقى القنابل علينا ؟
وضع ( السمارتو ) يده على كتفه وقال بخجل قاطعا اتصاله بعين الصبي :
- لم أفعل هذا00 صدقني0 لقد خدعوني00 استغلوا حاجتي الى الاحترام والتقدير وسرقوا المعلومات مني00 أخذوا الأماكن والمواقع من قلبي00 لقد رأيته ، شاهدته يقف معهم وهو يضحك00 كنت أشم من ذقونهم الحليقة رائحة لحيته الطويلة الزنخة0
عاد يونس ليسأله :
- ألهذا السبب كنت تتهرب من مقاتلتهم معي ؟
شد ( السمارتو ) من ملامحه وأخذ وضع الانقضاض وهو يرد بعنف :
- أنها أسلحة وحشية00 طائرات خارقة وصواريخ خرافية وليست ( مبعوج العين ) أو ( أم العجايا ) كي تخرج ليلا وتتعمد الدخول في القنطرة الكبيرة وتسجنهما في جدرانها برش بول الثعلب عليهما