ليلة الملاك
الجزء الخامس
نزار عبدالستار
نزار عبد الستار
ليلة الملاك
رواية
الجزء الخامس
5
استراحا في حديقة نائية على مصطبة عائلية الحجم ، متلاحمة الأخشاب ، أخذت هيئة برميل فقد اسدارته ، تحاذي ضلع الآس المشذب على شكل سور بأبراج0 كان ( السمارتو ) المندمج في استذكاراته المؤلمة ، متسخ المنقار والريش ، رث الثياب مثل الخارج من زحام على شباك تذاكر سينما ، وملامحه الصقرية معتقلة في ذكرى معركة الصحن الطائر . طلب من يونس تخيل منظر صديقه وهو يجبر على أكل الحشائش مثل الأغنام ، لقاء يوم كامل في التنقيب عن صخور المرمر الأزرق ، وعلى العمل كثور حراثة في حملات الاستزراع الشتوية والصيفية0 ثم وصف له مشهد عودة الجيوش ، قبل اعتزال اسرحدون ، ومعها قطعان الأسرى الأذلاء ، وكيف أن الحمير تفرح بقدومهم أكثر من الملك نفسه0
وضع ( السمارتو ) الدلو على المصطبة وغطّاه بكفه ، مانعا صغار الضفادع من تعلم السباحة في مائه المقدس ، وتابع قائلا ليونس بأن حمير الامبراطورية لم تسعد بعدو كما سعدت به يوم قرر الملك الصغير ، في أول ادارة تجريبية في تمشية أمور الرعية ، اعفاء الحمير مدة عام من الخدمة الحيوانية ، وتكليفه بالواجبات المهلكة ، كي يرى بقلبه مساوئ الحلول العدوانية وانعكاساتها المهينة على المستسلمين0 وقال في النهاية :
- في الجيش كنت محض جندي ، ولكنني بعد أن تسرحت لم أعرف من أنا00حكومة نينوى القديمة تقول أنني من البشر ، والناس يقولون انني من الطيور الجارحة ، أما الكهنة فقد رسموني على الجدران كملاك من ملائكة المعابد0
قال يونس بعصبية :
- أنت مفجوع ملذوع بلا دماغ00 لقد جعلتنا نخسر المعركة00 قلت لك افعل شيئا00 حول الكرة الأرضيةالى مدفع ثقيل00 منصة صواريخ00 دبابة00 كيف خطر لك أن تحولها الى ثور مجنح00 ها كيف ؟
رد ( السمارتو ) وهو يحمل الدلو بين يديه مانعا البعوض من وضع بيوضه في الماء المقدس :
- كنت أريد أن أطرد عنك أشباحهم الخبيثة0
أستمرا في النقاش ، وفي عرض أفكارهما المتصارعة حتى بعد ان أمسكا بطريقهما ، وعادا الى تجمعات الألعاب الحية بالحركة والضجيج وحوارات الفرح القديم 0 اجتازا حلقات العشاء الأسري التي كانت تفرش علاقاتها الدافئة ، وسمرها البريء على الاخضرار ، مطيبة الهواء بروائح المطبخ الاقليعاتي وهما يتعاتبان بخشونة سكان الأزقة البعيدة عن مجرى النهر0 حاول ( السمارتو ) استخدام مقاطع الصمت لتجميد اعصابهما والاستعانة بالفكاهة الأكدية لمعالجة وعكتهما الكلامية دافعا بالمشهد حولهما للتراجع الى ازمنة أشعرته بأن قلبه قد تغير الى ربوة احتفالات ، وأنه تربة برية لأزهار البيبون المقدسة0 وفي لحظة انشطرت بين قرون الأزدهار الآشوري ، وبين أيام السلام الاقليعاتي احتشد الفضاء بتسجيلات صوتية ، تعود لتفاصيل من سعادات البيوت والأزقة ، استردت وجودها من قساوة الخبز الأسود ، ومن جنون انفجارات القنابل ، تصاحبها موسيقى الزغاريد وابواق مواكب خميس الأعراس ، بدأت تشارك الأضواء ورواد المدينة القدماء في غبطة العودة الى الحياة0
لم يستطع ( السمارتو ) اطفاء غضب يونس ، وبدت محاولته متخلفة وبعيدة عن الواقع0 أخذ يحك جلد صدره بأظافره ويحرك رأسه وجسده مثل طير يحاول الفرار من قيده0 وقف الصبي ينظر الى حركات ( السمارتو ) بتوجس0 لمح نظرة خوف دامعة سقطت من عينه اليسرى وكأنها ترى سكين الذبح0
كانا بين سكة الموت وتمثال الدب الأزرق عندما طلب (السمارتو ) الغفران لمواقفه المتخاذلة ، واصفا نفسه بالجبان والخائن ومسقط الحضارات0 تذكر يونس رعب لقاء السطح الذي جعله يصدق كل كان يقال عن ( المفجوع ملذوع ) ، وحش الميازيب ، عدو الأولاد الذين لا يسمعون كلام الآباء والأمهات والجدات والخالات0 استخدم ( السمارتو ) قواه الخفية في تشويه صورته الخيالية ، مضيفا الى ارشيف ذاكرة الصبي صورا افتراضية عن التعذيب الجسدي الذي كان سيحدث لو أن الحظ لم يخدم يونس واغضب جدته في يوم أخر ، فدفع الصبي الى تخيل نفسه وهو ضحية الارهاب التربوي . يستغل عوقه وما مات له من اعضاء في مطاردة صدقات السابلة وتقبيل أياديهم . يطرق نوافذ السيارات المتوقفة عند الأشارات الحمر . يموت ذلا وهو ينتظر أنتهاء خطبت الجمعة وصلاة الأحد .
توقف ( السمارتو ) عن تعذيب يونس واعترف قائلا :
- شلل الأطفال خدعة علمية كبيرة .. لا وجود لهذه الجرثومة .. أنا من فعل هذا بهم .. أنا الحصبة والكّزاز والنكاف والاسهال .. أنا عدو اليونسيف رقم واحد ..أنا المتسبب الاول في نقص الدواء .. أنا الزائر الليلي والأب الأول للجراثيم وسوء التغذية ..أنا من يقول للأمهات من شبابيك صيدليات المراكز الصحية في الساعة الثامنة والنصف صباحا : لا يوجد دواء هذا اليوم0
أشار يونس اليه بإصبعه وقال بصوت يابس :
- عرفتك00 أنت الحصار الجائر0
أسقط ( السمارتو ) ذراعيه بحركة بطيئة0 بدا مثل دمية وهو يقول :
- كلا ولكنني شاركت فيه0
ثم روى كيف وقع بسهولة في شبكة صيد المخابرات الأمريكية0 توجه بمنقاره نحو القمر وباح ليونس بأسرار علاقته التاريخية بالطفل آشور بانيبال ، موضحا كيف أدت العلاقة الى تلويث قلبه ، وكيف أن الحقد ترسب فيه وسد أنابيب دمه ما أن جعلته الرغبة الملكية يطير ببطء في الخط السمائي الفاصل بين بابي أدد ونركال ، كي يمكن السهام من التدريب على اصابته ، واذا ما سقط بين الأقدام عرف البانيبالي الصغير أن الأسلحة الحربية محض قذارة ، وأنها لا تستحق أن تنفق نينوى من أجلها الأموال0
أخفض من صوته وهو يخبره بتفاصيل تجنيده عندما عرضت عليه المخابرات الأمريكية عدة أفلام أرشيفيه عن عذاباته في ( بيت ريدوتي ) ، وأقسم ليونس أن ما شاهده كان نسخة حقيقية لا تختلف عن التاريخ بشيء ، فقد شاهد بعينه عملية سحقه تحت عجلات العربات ، وسحله بسروج الخيول ، ونتف ريشه تهديدا له بالسلق كلما عنفص واعترض على استعماله في التعليم كوسائل ايضاح لآشور الأبن0 ولحظة أن دخل على شوارسكوف في خيمته كان قلبه قد تحول الى نصب تذكاري للأحقاد القديمة ، وكان على استعداد للتنازل عن أمجاده وسيرته القتالية العظيمة مقابل سيجارة مارلبورو واحدة0 أستقبله شوارسكوف بحرارة وكأنه من ملوك الصحراء ، وأبدى اعجابه الشديد بعقليته العسكرية ، وقال له ان ما فعله مع العيلاميين ، وفي الوصول الى الاهرامات ، هو من الدروس التكتيكية المهمة في التاريخ العسكري ، وأن خطته التي أدت الى فتح أورشليم ، هي تحفة قتالية تعتبر من كلاسيكيات الحروب0 وقاما معا بجولة تفتيشية لحاملات الطائرات ، وأطلعه على التحويرات التي أدخلت الى المقاتلات ، وكيف أن العلماء الأمريكان قاموا بتشريحه كمبيوتريا للاستفادة من قابلياته الخارقة في تطوير سلاح الجو ، والأخذ بقياسات رشاقته في تصنيع طائرة الشبح ، فخر التفوق الأمريكي0 وفي المساء قلده وسام البطولة من الدرجة الممتازة ، تقديرا لسيرته العسكرية0 وفي الكلمة التي القاها شوارسكوف في الحفل المقام على شرفه ، أعترف أمام الاسيوشيتدبرس واليونايتدبرس ، بأن ( السمارتو ) الذي لقبه بعلي بابا النظام العالمي الجديد ، هو أحد أهم الانتصارات الامريكية التي أفقدت الروس التوازن ، وجعلت الولايات المتحدة تخلع معطف الثلج وتمسك بصولجان تفردها ، ولوكان يونس قد عبر المرحلة الابتدائية ، لأخبره بما فعله مع المجندات في تلك الليلة الليلاء ، ولكنه أكتفى بقوله أنه رقص معهن حتى الصباح وشرب البيرة0
سأله يونس وهو يرفع سرواله الى ما فوق السرة :
أأنت من ألقى القنابل علينا ؟
وضع ( السمارتو ) يده على كتفه وقال بخجل قاطعا اتصاله بعين الصبي :
- لم أفعل هذا00 صدقني0 لقد خدعوني00 استغلوا حاجتي الى الاحترام والتقدير وسرقوا المعلومات مني00 أخذوا الأماكن والمواقع من قلبي00 لقد رأيته ، شاهدته يقف معهم وهو يضحك00 كنت أشم من ذقونهم الحليقة رائحة لحيته الطويلة الزنخة0
عاد يونس ليسأله :
- ألهذا السبب كنت تتهرب من مقاتلتهم معي ؟
شد ( السمارتو ) من ملامحه وأخذ وضع الانقضاض وهو يرد بعنف :
- أنها أسلحة وحشية00 طائرات خارقة وصواريخ خرافية وليست ( مبعوج العين ) أو ( أم العجايا ) كي تخرج ليلا وتتعمد الدخول في القنطرة الكبيرة وتسجنهما في جدرانها برش بول الثعلب عليهما
وضع يده في الدلو وأخذ قليلا من الماء ، ثم بلل رأسه ماسحا المنقار وما يحيطه من ريش بالماء المقدس0 بدا عليه الاعياء وهما يتابعان سيرهما يرافقهما القمر0 استمع ( السمارتو ) الى طائفة من الشتائم الخاصة بمحلة حوش الخان ، وهي تثور في اعماق الصبي دون أن تصل الى لسانه ، متهمة ( السمارتو ) بالتخاذل والجبن ، فقال له أنه يستحقها ، بل هي قليلة ، ثم ضرب صدره بقبضته وهز رأسه بعنف وهو يردد كلمة نعم ويسب نفسه بالأكدية0 وأمام غرفة حمراء الصبغ تدل جرادل التراب وسيارة الجيب الجاثمة بلا عجلات على أعمدة الطابوق ، أنها وحدة تذكارية لمكافحة الحريق0 تمهل تاركا يونس يسبقه بخطوات0 كان بحاجة الى أن يرفع صوته ويقول له بأنه رأى ما حدث دفعة واحدة ، واحس أن الانفجارات التي وقعت في البعد ، هي من أدق الاصابات فيه0
توغل يونس في مناطق لم تكتشفها زيارته السابقة0 مناطق بدت معزولة بمسارات مقفلة عن عالم الضياء الذي كان فيه0 شعر وهو بين الأشجار اليابسة، وقامات الأشواك ، وأكوام الأوساخ ، بأنه فقد ( السمارتو ) الى الأبد0 لم يكن البرج حاضرا لنجدته في الجهات التي بحث بصره فيها0 وأعلمته الأصوات المنسحبة من سمعه ، بأن ما حدث له في هذه الطرق المأهولة بالجن والشياطين ليست ضياعا عابرا0 ازدادت مخاوفه قلقا حين بدأت رؤيته للأشياء ، تفقد الوضوح ، وتتليف بالظلام وهي تخسر الأضواء تباعا ، بالانطفاء أو بالابتعاد والذوبان خلف حدود البصر0 تهرب من محاصرة الرعب بالمشي السريع وبالركض أحيانا ، الا أن فراره أفضى بعد الاعياء ، الى تيه أعمق ، والى ظلام عزله عن المدينة وعالم المسرات ومسح قرص القمر0 أطلق صوته بنداءات مرتجفة0 قال أظهر يا مفجوع ولا تلعب هذه اللعبة0 ثم تنازل الى طلب أن يعيده الى البيت ، قائلا بأنه لن يفعلها مرة أخرى ، معترفا بأنه هو الذي سرق لعبة جزيرة الكنز من حسن لحبه للقراصنة والبحر ، ولكنه احرقها في السطح لأنه لم يستطع اللعب بها ، وحلف بتراب أبيه أنه لن يضايق ملا حامد بعد الآن ، ولن يسرق نعليه ويسقطهما في خزان مياه المرافق الصحية ، ووعده بالاستمرار على حضور دروس الفقه في جامع مريم خاتون ، وأقسم انه لن يتفرج على المجلات التي يحصل عليها فريدون من السواق الأتراك ، وأنه لن يسرق النقود من أمه ليطلع على السينما ، وأن الله سيسخم وجهه أذا أكل ( السويق لويق ) مرة أخرى ، وبدد حصة الشهر من السكر0 ثم بكى0 بكى بعفوية وبلا تصنع ، وكأن الضرب البيتي ، وعصا ملا حامد المؤذن ، وشجارات الازقة لم تمنحه في يوم من الأيام حصانة دمعية0
انفتحت الطرق ، وتمهدت لاقدامه المدارج محاطة بحبال من ضوء أحمر . تحدبت مثل جسر ، وهي تتواصل بالتوهج0 مد خطواته بحذر ، الا أن سمعه أستعاد ضجيج الفرح الضائع ، وأخذت هياكل الألعاب تقترب من البعد ، وهي تتفتح مثل أزهار ضوئية في العتمة ، مطعمة المشهد بالأغاني الاقليعاتية ، المهتمة بالأكلات الشعبية ، وبسعاد المسكينة التي لخها جحش البلدية ، فتقدمت أقدامه بثقة هابطة به الى مدينة الألعاب ، حيث قابله ( السمارتو ) الواقف على حدود الانارة ، بقامته المكللة بالريش الأصفر ، وبرأس الصقر الكبير الذي شمخ بهيئة القانص المفترس ، وبيده اليسرى الدلو الخشبي المنقوش بطقوس قرابين التعبدات السحيقة0
قال يونس ، وهو يبتسم ماسحا دموعه بظاهر كفه :
- لقد أخفتني يا مفجوع
تكلم ( السمارتو ) بلغة أكدية لها قافية رنانة ثم قال :
- أعتذر عن هذا الخلل ، فحالتي النفسية تؤثر سلبا على قدراتي00 لا تحاول استفزازي مرة أخرى رجاءا0
*****
 
توقفا عند عربة غازية لنفخ البالونات كانت متروكة في فسحة كونكريتية مطوقة بنصف دائرة من أكشاك الأكلات الخفيفة0 فتح ( السمارتو ) علبة بالونات ملونة ، رسمت عليها وجوه كاريكاتيرية ل ( مطعوج الشايب ) و ( مبعوج العين ) و ( أم العجايا ) وطفق يفتح فيها صنوبر الغاز ، ثم يعقد أفواهها بالخيوط ، ويعطيها ليونس الذي يطلقها الواحدة تلو الأخرى ، متتبعا برأسه المقلوب الى الخلف أرتفاعاتها و مغادرتها الأبدية أجواء المدينة ، مشبعا بذلك رغبته القديمة بغزو الفضاء0
نشر ( السمارتو ) أجنحته مغيرا المنظر أمام بصر يونس0 استبدل عربة غاز الهليوم بماكنة مثلجات عملاقة كثيرة الأنابيب مع صانعة دوندرمة شعبية ، متكونة من برميل خشبي في داخله وعاء أصغر حجما ، تحيط به قطع الثلج المملح0 لم يعرف كيف يشرح للصبي المندهش الخطوات العلمية للانتاج وقال عن هذه الأشياء ، انها كانت معروفة قبل هجوم طيور الأعداء ، وتكلم عن التوابع الفنية الضرورية ، والمواد الصناعية الداخلة في هذه الهدية المفرحة ، وعن الشروط المتوفرة التي تناضل من أجلها وزارة صحة اقليعات قائلا : لو أن آشور بانيبال الطفل تأخر عن زمنه قليلا ، وعلم بمدى الترابط الغذائي بين ال (top tip ) وتدريبات الجيوش المتطورة ، لطلب منه أن يصنع له ( الموطا ) وفق موصفات ما بعد الضربة ، ليحارب بها اللياقة البدنية كما فعل هو مع بنيان الطفولة البانيبالية ، عندما أخذ على عاتق انتقامه المروع ، تجريد الأجسام السليمة من عافيتها ، وتحريم الكالسيوم عليها بعد تجنيده وعمله لصالح ال (( C.I.A ، ولكنه وعد يونس بتدبر الأمر وفق اجازات جهاز التقييس والسيطرة النوعية ليكون عامل مثلجات محلى بضمير قديم ، كي تعود العلاقة بينهما الى سابق عهدها.
تدفقت الأصوات عليهما ما أن بدأ ( السمارتو ) المزين بقبعة بيضاء عليها رسم زهرة البيبون الصفراء برش الماء المقدس ، مضيئا المكان بقلائد من المصابيح الملونة ، جالبا الأقداح البلاستيكية ، وأعمدة قراطيس البسكويت مع صحون زورقية الشكل ، وزعها بتناسق على نضد طويل ، احتوت على مساحيق الفستق ، والبندق ، وجوز الهند المصبوغ ، وقطع الحلقوم ، والسجق واللوزينة ، والكشمش ، والشوكولاتة الساخنة ، مع جلاتينات مختلفة الألوان0 أضاف ( السمارتو ) الى المنظر مجموعة حديثة من الخلاطات الكهربائية ومكائن عصر الفواكه ، مزينا واجهته المفتوحة بعناقيد العنب الشقلاوي والتين السنجاري ، والموز التلعفري ، وتفاح سرسنك الأخضر ، معلقا لافتة مثقبة على امتداد تجاوزاته على الطريق العام ، كتب عليها بالخط الاقليعاتي : ( كسرا للحصار الجائر يقيم السيد مفجوع ملذوع ( السمارتو سابقا ) مهرجانه الأول للمثلجات والمرطبات عبر العصور )0
زرعت المفاجأة يونس قبالة ( السمارتو ) المنهمك في تحريك الوعاء المعدني وسط الثلج ، وظهرت على وجهه علامات متناقضة وتقلبات عاطفية غير مستقرة0
سأله :
- أهذا لي ؟
رد( السمارتو ) وهو يتنقل من صحن الى آخر مجملا طبقات المثلجات الملونة ،
المحمولة على قراطيس البسكويت بالمطيبات المختلفة :
- نعم وبلا نقود0
ترك الدلو على النضد وتقدم حاملا المثلجات بيدين ثابتتين0 أخذ يونس ما يقدر على الامساك به دون الاخلال بتوازن ارتفاعات الألوان0 قال ( السمارتو ) :
- تذوقها0
عالجها الصبي بفمه وقال :
- انها لذيذة00 ها قد صارت تشبه الصاروخ0
وضع ( السمارتو ) ، بضربة جناح ، مصطبة أسفنجية الأضلاع لجهد سعادتهما ، بعد أن ترك عماله غير المرئيين يسعفون تجمهر الأصوات بالمثلجات0 منحه وجه يونس الملطخ بالألوان الباردة التأمل اللازم لاعلان الاحتجاج ، فلا شيء أتعس من الاستمرار على التواجد في مختلف العصور بلا وظيفة سوى التوجع والبكاء على الآشورية في مدفن مغاربها0 أراد أن يكون أكثر دقة في تفسير أزمته ، الا أنه سكت أمام القسم الأول من أحلام الصبي التي اكتشفت أهمية ( السمارتو ) التجارية وتعددية استثماراته المالية المربحة ، فراحت تتجمع في معزل عن حفلة شهيته ، مظهرة جدته فطوشة وهي تجلس على فراشها وأمامها صندوق أعشابها المفضلة ، تلتهم السفوف العجيبة ، خلطة الحياة والعافية ، متنعمة بصحة وقوة الأزمنة السابقة لصواريخ كروز وتوما هوك ، أثناء عدها الرتيب لنقودها ، بينما ( السمارتو ) المغلوب على أمره في السطح ، يرتدي ثوب عملها الذي قشط الاستهلاك الوانه وأزالت الرقع معالمه ، يلصق ببطن التنور الحار أرغفة خبز الناس ، بعد أن يحول عجينه الأسمر ، بقدرة الماء القدس ، الى عجين أبيض ، مجنبا جدته فطوشة مذلة الغش في قرصة الخبز ، وسرقة طحين العالم ، محافظا على سمعتها الطيبة لدى زبائن مخبزها البيتي0
ومن السطح نقله الى مشهد آخر أقل شماتة به ، أستهله بمنظر كامل يظهر أمه السعيدة وهي تشرف على عمل ( السمارتو ) المنقول مع آلات الدوندرمة الأجنبية الى دكان زوجها الميت الذي بني في الأصل ليكون مطبخا ، قبل أن يتقاعد عن العمل في دائرة البريد فتخف موازينه وتدفعه الحاجة الى فتحه على الزقاق0 كانت أمه مليحة الحال تنظم ( عجايا ) المحلة في طوابير طويلة وهي بثياب المآتم الجديدة ، موزعة عليهم قراطيس المثلجات ، بدل قراطيس ( حب شمس ) التي كانت تبيعها لهم ، طوال أعوام حزنها على صالح ، الرجل الوحيد الذي دخل عقلها0
منعه من الاسترسال في استخدامه تجاريا وهو يطمس علامات الألم التي لا يقدرعلى رؤيتها غير الصقور الكريمة والبواشق المتعففة0
*****
كانا يسيران في طريق لعبة السيارات المتصادمة عندما قال له بأنه وقف في ذهن آشور الصغير الموقف نفسه ، لحظة كان يجرب قابليته ، ويسخرها من أجل التقدم العلمي ، وكانت آخرها محاولته اكتشاف نظرية تمكن البشر من الطيران ، بعد ان ظن في ساعة ضجر أن الأرض لم تعد صالحة للتسلية ، فعمل على ابقائه في جو مختبره في حالة طيران دائمة ، كي يتمكن من رصد الحركات العضلية والتفاصيل المساعدة . كان يسنده بالرماح الحادة ليمنعه من السقوط ، مجمدا حركته ليطبعه بالرسم على دليل الطيران المصور0 وفي يوم شديد الذل عرّضه لعواصف اصطناعية أدخلها قصره من أنابيب فخارية تتصل بمنافخ ضخمة تستعمل في الأكوار ومعامل الحديد و الصلب ، وذلك لامتحان امكانيته الفطرية في حالة وصوله الى عواصف القمر0 في تلك اللحظة العصيبة تركه آشور الصغير للأعاصير ، وذهب لقضاء حاجة كبيرة الحجم ، ولكنه لم يعد الا بعد أن اقترب من الثلاثين وكان وقتها قد صار ملكا صالحا . جاء مع أولاده الى ( بيت ريدوتي ) في زيارة ثقافية لمتحف نضاله العلمي ، وعندما دخل قاعة المختبر ووجده بالقرب من السقف يقاوم الرياح ومختلف أنواع العواصف منذ عشرين عاما ، أشار اليه ، وقال لاولاده : ( هذا هو مصير من يتوهم في نفسه العبقرية القادرة على اكتشاف نظريات غير واقعية )0
وقفا بين الحواجز الملتوية ، النابتة من شباك التذاكر ، واندمجا في الطابور الطويل تحيط بهما الأصوات والتجلقات والحوارات الساخرة ، وراحا يتطلعان بصمت متخاصم الى حلبة التصادم المحاطة بسياج أحمر ، حيث كانت تتحرك السيارات الملونة بعنف ،متجردة من الفن والذوق والاخلاق ، متسببة في حوادث ممتعة ، تطلق العنان لحناجر السعادة كي تصدح بالصراخ والشتائم المحتشمة0
استغل ( السمارتو ) المنفعل توقفات الطابور وحركاته الدودية البطيئة في تحليل تلك الأحداث المتسارعة ، ملمحا الى العراقيل السياسية التي واجهت البانيبالي الكبير ما أن وضع التاج على رأسه ، فقد أكتشف في يوم تتويجه البارد ، الذي مر بإحتفالات بسيطة اقامها الاقارب والاصدقاء ، بأنه بحاجة عاجلة الى اعداء أشداء ، ينشطون خمول نينوى ، ويعيدون الناس الى امجاد حماسهم ، لكن هذا الامر بقي حبيس احلامه الى ان دخل عليه الحاجب وهو في مكتبته البانيبالية المشهورة ، يقلب الواح الطين ، ويملأ فراغ حكمه بمطالعات عن عصور الحروب الجميلة ، وأخبره بأن الاعداء يحيطون بأسوار نينوى ، وفي ايديهم اشياء غريبة تسمى أسلحة ، فأمر الملك باستدعاء قدماء الأتقياء من الكهنة المنقلبين ، مع ما تبقى من حكماء الدولة ليسألهم أن كانت الألهة ما تزال تخلق الاعداء الى الان ؟0 اتفقت الافواه على النطق بكلمة نعم0 فحملت افكاره جواب السؤال ، وعاد الى مختبره ليوقف نفخ العواصف ، وليخير ( السمارتو ) بين نسيان خلافاتهما والتعاون بصدق وأمانة على البدء في تأسيس الجيش وتسليحعه معا ، وبين أن يأمر بمحاكمته عسكريا بتهمة التآمر على طفولته الملكية وبجريمة تدريسه الدروس الخاطئة التي تعادي الفكر الحربي مما تسبب في الحط من خبرته السياسية ، ولياقته القيادية ، وشجاعته القتالية ، وهدده بأن يعتبر ذلك حلقة أخيرة من حلقات التآمر الاستعماري ، الذي بدأ بمخطط اسر مواهب أسرحدون الحربية ، وانتهى بإثم الاطاحة بعرشه0
غافل يونس ذكريات ( السمارتو ) ، وتسلل الى شباك التذاكر وحصل على تذكرتين مكنتهما من الدخول الى الحلبة ذات الارضية المعدنية0 لم تكن المسافة شاسعة بين سيارتيهما ، مما دفع ( السمارتو ) الى القول بصوت عال، تغلب على وقع الاقدام الراكضة للفوز بالسيارات القوية ، بأنه اضطر الى الموافقة على التعاون معه املا في استعادة مكانته ، ولكنه نسي ان يأخذ منه وثيقة ملكية تنص على ذلك0
انتفضت السيارات متكهربة بتيار عنيف ، وأخذت نهايات اعمدتها الخلفية تحتك بالشبكة المتدلية من الاعلى ، مولدة شرارات نارية وذيول من النجوم0 حصر ( السمارتو ) الدلو بين ركبتيه ، وراح يخلص سيارته الصفراء من السواق المتهورين للوصول الى يونس ، صاحب السيارة البرتقالية ، الا ان محاولاته كانت تحاصر بحوادث مؤسفة ، واختناقات مرورية يائسة0 وعندما جاءته الفرصة ، في لحظة تقابلهما الحر الخالي من المتطفلين ، اندفع يونس بسرعة هائلة موجها صدمة عنيفة الى ( السمارتو ) الذي ارتد بسيارته الى الخلف قبل ان ينطق بكلمة ، فاضطر الى رش الماء المقدس وسط الحلبة وهو يتمتم بقراءة أكدية حانقة ، فنمت في المنتصف مظلة كونكريتية زرقاء اللون مع شرطي مرور في فمه صفارة معدنية ، مانعة الابتسامة ، وبيده دفتر المخالفات ، مانع التحية0 توقفت السيارات محتجة على هذا التدخل ، وتعالت الاصوات رافضة هذا التواجد0
صاح يونس ويده اليسرى على جيب قميصه :
- ماذا فعلت يا مفجوع ؟ 0
رد ( السمارتو ) بخجل :
- اردت ان اقول لك بانني ساعدته على تاسيس الجيش وابليت بلاء طيبا في مقاتلة الاعداء0
ضرب يونس مقود السيارة بيده وقال بعصبية :
- أهذا كل سيء ؟
هز ( السمارتو ) رأسه نافيا ، وأكمل قائلا :
- ولكنه غدر بي بعد الانتصار وأمر بسجني مدى الحياة مدعيا بانه شاهد في اجتماع من الاجتماعات نظرة حاقدة في عيني تريد الانتقام0 حاولت اقناعه بأنها نظرة كبرياء الصقور ، وانها نظرة معروفة في عالم الكواسر الا أنه أصر على عدم التفريق0
قال يونس كاسحا بنبرة التهديد خيمة الصمت :
- أبعده عن سيارتنا0
رد ( السمارتو ) مزكيا الشرطي الذي كان يتجول بين السيارات محررا الغرامات المالية بسرعة لا تخلو من بهجة0
- لقد جلبته من زمن آخر ، يحترم فيه القانون
لم تنفع محاسنه في السماح له بتأدية واجبه المروري ، فتنازل وأزاله بحركة من أجنحته0 عادت السيارات الى عراكها وحوادثها ، متفقة هذه المرة على استهداف (السمارتو) ، ومطاردته للنيل من خبثه0
كانت المسافة بينه وبين يونس أبعد من مدى قدرته على كشف ما يدور في ذهنه من محاكاة ، الا أنه عثر في ملامحه المتنافرة على شرود خطير0دقائق وتحطم سياج اللعبة بفعل قوة مشاكسة دفعت بأشخاص لهم عضلات عنقودية تفوح منها رائحة زيوت رياضية الى اقتحام المكان بالغازات والقنابل اليدوية والرصاص العشوائي . لحظات وجاءت سيارات شرطة قفزت الى الحلبة ، وراحت تنقلب فوق بعضها مشكلة عدة اكوام من الحديد والدخان والأضواء المتقطعة بالألوان . بعدها هجمت علىالحلبة فصائل القوات الخاصة ترافقها من الأعلى الطائرات العمودية0
ترجل يونس وأسرع الى ( السمارتو ) قاذفا بنفسه الى سيارته لحظة ان جاءت وجبة جديدة من سيارات الشرطة وحاصرت مستطيل اللعبة0
صاح يونس :
- هيا انطلق00 ابتعد عن هذا المكان0
- كيف ؟
- الماء00 استخدم الماء0
أغمض يونس عينيه عندما تحركت السيارة الصفراء مغادرة المكان بقفزة قوسية ، رفعتهما في الهواء للحظات ، ثم هبطت بهما على الطريق المؤدي الى البرج ، واندفعت هاربة تلاحقها نيران المسدسات والقذائف الانبوبية0