- هناك خلل في صندوق النيران ، وفي مجمع الرماد 0 ذراع التوصيل التي توصل العجلات المديرة مع الكابس لا تعمل 0 جهاز التسخين الزائد بحاجة الى تصليح0 لا وجود للوقاد الميكانيكي ، وقبة الرمل ليس فيها ذرة رمل00 لا اظن ان هذا القطار سيمشي00 يبدو وكأنه التهم قنبلة امريكية كبيرة00 الي بالدلو ايها الصغير0
ارد يونس ان يسكب ماء الدلو على المحرك ، ولكن ( السمارتو ) انتشله من يده في اللحظة الاخيرة ، وراح يستخدم غصن الآس في معالجة العطل0 حثه يونس على الاكثار من رش الماء وهو يقول :
- اريده ان يسير بسرعة الطائرة0
مد ( السمارتو ) يده بحركة سريعة محاولا غلق فم يونس بكفه0 قفز الصبي متراجعا الى الخلف وهو يسأل عن سبب هذا الغضب0
قال ( السمارتو ) بانفعال :
- لعنة الله عليك00 قلت لك لا تذكرها 00 لا تنطق بهذه الكلمة0
وضع الدلو جانبا ، وجلس على الدرج الناقل الى مقصورة القيادة 0بدا عليه الانهاك والتعب 0 رفع يونس سروال منامته الى مستوى السرة ، وخلع نعليه ثم مسح عرق قدميه بالارض0
قال يونس مهونا الامر :
- لا تغضب مني00 قم يا مفجوع 00 انت اقوى من بوش فلماذا الخوف0
تغطت السماء بسحب حمر ، قدح فيها البرق0 اسرع ( السمارتو ) الى حمل يونس 0 رفعه من خصره ووضعه في المقصورة 0 اخذ الدلو ولحق بالصبي0 سكتت افراح المدينة ، وحامت في الجو المكفهر اصوات رعد مع زعيق نفثات احتراق واحتكاكات فولاذية صارخة0 اضطر ( السمارتو ) الى استعمال الماء المقدس لادارة محرك القطار بعد ان منعته اضطرابات السماء من فرصة تعلم قيادة هذه الدودة الحديدية0 تحركت العجلات فوق السكة ، دافعة القطار بحركات متنافضة تشبه القفز0 وما ان ودعت العربة الاخيرة نهايات الرصيف حتى هبطت شعلة مذنبة ، سقطت على المحطة محولة الابنية الى فتات اسمنت ، والمظلة الى موجة صوتية0
قال ( السمارتو ) بانفعال وهو يحاول السيطرة على القطار المرتجف بفعل الانفجار :
- أرأيت 00هذه هي نتائج ثرثرتك0
تساءل يونس وهو يرمق صاحبه بعينين ثائرتين :
- ألن نقاتلهم ؟0
رد ( السمارتو ) متهكما :
- بماذا يا فحل ؟0
دوت إنفجارات قريبة وانفلاقات مطرية ، تناثرت حول السكة محاصرة القطار المتوغل في امتدادات الحدود المحاذية لحدائق المدينة 0 لم ينتبها الى تلك المطاردات الطائرة خلفهما الا بعد ان صبغت العربات الخلفية بحمرة قانية ما لبثت ان تحددت بظلال حمر ، تفرقت حول مسار القضبان واخذت اشكال طائرات مقاتلة ، راحت تواكب سرعة القطار في دورانه حول المدينة0
صاح ( السمارتو ) :
- لقد عادت0
شده يونس من ثوبه محاولا الوصول الى الدلو وهو يقول :
- لنقاتلهم00 انها فرصتنا0
ابعد ( السمارتو ) الدلو عن يديه وهو يتحرك للنهوض0 مد رأسه خارج مظلة القيادة ، وخاطب يونس قائلا :
- خذ مكاني 00 اياك ان تتهور0
قبض يونس على ساقه صارخا باعلى صوت :
أتريد الهرب ؟0
احسا معا بتصاعد حرارة الظلال وبإنتشاراتها المبيدة للالوان 0 تقمص (السمارتو ) هيئة صقر جائع ، ونهاه بلا رحمة :
- اغلق فمك 0
خلص ساقه من يد الصبي ، وسحب جسده من ضيق المكان0 وقف على السلم متحديا الريح الضاربة على جسمه0 فتش عن موضع لقدمه يمكنه من تسلق المحرك الاسطواني0 حاول يونس أن يلحق به ليطلب منه العدول عن التخاذل والاستسلام ، فعاد ( السمارتو ) ليصيح بصوت عنيف ، تغلب على ضجيج المعادن :
- جفت الأرض يا اتونبشتم00 جفت الأرض0
أطبق على مقبض الدلو بمنقاره ، ثم مال بجسمه الى الأمام بهدف الامساك بالمدخنة السوداء ذات الدور التجميلي المعترف بفضل الفحم0 تمكن من الصعود الى مقدمة القطار ، وهو يقاوم الاهتزازات واندفاعات الهواء المخربة لأجنحته ، مضحيا بوقار ما شاخ من ريشه الأصفر ، تاركا ملاقط الرياح تنتف منه ما تشاء0 استدار ببطء حتى تمكن من الوصول الى سقف مظلة القيادة0 ثبت قدميه دون أن يحجب بساقية مجال الرؤية عن يونس الذي أخذ ينقر الزجاج الأمامي احتجاجا على تصرفات ( السمارتو ) 0 وضع الدلو على المظلة وفتش بكفيه في مربع السقف عن زوائد خنجرية أو خشونة حديدية تزيل عن جروح يديه ما تخثر من دم0
هتف يونس بينما القنابل تدك شجيرات الآس وتطرح الأشجار مشردة العصافير وسكنة الأحراش :
- ماذا تفعل أيها الجاسوس ؟
استمر ( السمارتو ) في استخدام سطح السقف لتوسيع الجروح واحياء الألم وهو يرد على يونس مفجرا صوته بالكلمات :
احمي مدينتك ، وألعابك ، وضحكتك0
تدفق الدم من كفيه وسالت من الجروح سخونة القلب0 استعمل أصابعه في رسم UN ) ) بخطوط حمر أخذت تنبض مرتجفة ، ثم ضرب يده بقوة طابعا على السقف شكل كفه الأيمن0
*****
أطلق القطار صفيره المتصل ، وإشرأبت مدخنته نافثة الدخان الأبيض ، وهو يتقدم على خطه الحديدي ، مقتحما ادغال مساره المحاط بالاسلاك0 فكر ( السمارتو ) في معالجة مناظر الطبيعة المتوحشة المحاصرة للسكة ، وفي ازالة الظلام النائم على الجانبين ، ما ان تذكر الصبي ، في نوبة خمول ، عربة خاله مقداد المسطحة التي يجرها البغل ( فودكا ) ، يوم كانت مهنة الخبازة غير مزدهرة ، وشهرة حب ( شمس وقمر ) غير مؤهلة لمنافسة الحب الابيض والاحمر والفستق والسسي ، ومكانة سجائر الاسبين المهربة لا وجود لها0 زرع ( السمارتو ) بحركة من جناحيه اعمدة الانارة على امتداد الخط الدائري للرحلة، الا ان حركة القطار المؤلمة للعظام ، ابقت في ذهن يونس على العربة وعلى اشباح الابنية المرتجفة بفعل هزات الارض المحقونة بالصواريخ ، ايام كانا ينقلان الجنود من محطة القطار الى ساحة باب الطوب ، مقابل التنازل عن الفائض من تجهيزاتهم العسكرية : بساطيل ، بطانيات ، بيريات ، انطقة ، بلا علم من ال ( U2 ) والميراج والتورنادو و ( B52 ) 0
اوعز ( السمارتو ) بجناحيه الى اذعة البرج ببث باقة من الاغاني الاقليعاتية القديمة ، فوصلهما على الفور صوت المطرب فخري فاضل ، وهو يسب آباء القطار، وصوت المطرب عامر يونس ، وهو يلعن حركاته التي خطفت منه محبوب القلب ،الا أن صوت الخال مقداد إرتفع ، في ذهن الصبي ، مغنيا قصيدة الاطلال ، على ايقاع صفارات الانذار المتقطعة ، مستلهما من عبوة قاصر فاس البلاستيكية المملوءة بالعرق البعشيقي ، والمحصورة بين ساقيه ، حقيقة العيش في عالم بلا حروب ، لاينقصه الغاز والكاز والبنزين والكهرباء والماء والخبز0 عالم أمين وبعيد ، لايصله صوت أمريكا ، ولايعرف من مونت كارلو غير أميرتها0