ليلة الملاك
الفصل السادس
نزار عبدالستار
نزار عبد الستار
ليلة الملاك
رواية
الفصل السادس
6
فتح ( السمارتو ) باب البيت الزجاجي وأطل بمنقاره باحثا بحاسة الشم في عتمة مشتل التجارب الزراعية عن رائحة الشرطة0 التصق يونس بظهره ماسحا وجهه بنعومة الأجنحة حاملا بيديه بطيخة كبيرة مضلعة الأصفرار كان قد قطفها من بيت خضراوات الفصول المعمرة . امسك ( السمارتو ) بيد يونس وسحبه الى الخارج0
تفحص يونس البطيخة مستعينا بالأضواء ، متخيلا منظره بقبعة الخوص على رصيف من ارصفة باب الطوب، يبيع البطيخ للعائدين الى بيوتهم0حذره ( السمارتو ) من كارثة السقوط من عينه ، ناصحا اياه بالكف عن اثارة التضخم باحلام الثراء ، وأن عليه احترام ماضيهما المشترك في هذه النزهة ، معددا مواضع التشابه التاريخي بين معاناة يونس مع قسوة الهجوم الجوي ، وبين مأساته في منتصف الألف الأول قبل الميلاد ، ايام جمعته الاحداث بالالقاشي الكبير صاحب اللحية الطويلة الزنخة ، رفيقه في الزنزانة الخاصة بالخارجين عن تقديس الملك0
قال يونس :
- ولكنها مربحة يا مفجوع 0
رد ( السمارتو ) على الفور :
- هو ايضا تحدث عن الارباح ، رغم ان مهنة القصخون قد انقرضت في نينوى وحلت محلها المسلات وجداريات اخبار الملك السنوية0
وهنا انتهز ( السمارتو ) هذه الفرصة وقص عليه كيف كان الالقاشي يصر على معرفة الحكايات التي عاصر تنقلاتها . قال ذلك وهما بلا مسار او هدف بين مناظر حديثة هجنها النسيان بمقتطفات من طقوس آشورية ، معترفا ليونس بعجزه آنذاك عن ايقاف استدراجات الالقاشي الثعلبية التي اخذت منه اخبار ( اتونبشتم ) الكاملة مع قائمة مفصلة بأسماء الذين انجبهم ألانسان الأول بعد اليوم السابع ، اضافة الى قصة الرجل العائد من بطن السمكة ، وقصص وقائية كثيرة كانت تستعمل في التعاويذ والاحتفالات ، وحكايات سرية عن الكون والنشوء المبكر0 ووصف له كيف كان الالقاشي يلين الجدار ببوله ليكتب القصص والحكايات باظافره الطويلة على طين السجن ، ويصرف وقته المنحبس في حفظها ، ناقلا ماضيها على ظهر قلبه ليعود ويخرمها بعد ذلك ببوله المدمر ، وعندما سأله عن فوائد اهتماماته الثقافية ، اجاب بأنه سيرويها لأولاده وأحفاده في اوقات مناسبة ، وقال :
- ولكنني قلت له بأن لا احد ينام وهو يسمع مثل هذه القصص والحكايات المفزعة ، فرد بأنه سيرويها لهم كي يجبرهم على الصحوة 0
صاح يونس مشوها انفعالات ( السمارتو ) :
- القطار يا مفجوع00 هاهو القطار0
انتهى بهما الممشى المتعرج الى محطة معتقة بالاهمال ، ومسقفة بطبقة كونكريتية تحاول منحنياتها الرقيقة ان تقلد شكل موجة نهرية0 كان القطار القصير يقف على الحدود الغربية للمدينة بمحاذاة السدة الترابية التي امتد عليها الشارع الرابط بين الجسر العتيق وجسر اقليعات الخامس0 لم يكن منظر المكان يملك قوة الجذب الكافية لقطع التذاكر ، وقد ساعدت غابات الاشواك اليابسة على جعل القطار يبدو كئيب الهيئة مثل قطارات الشحن الخالية من الالوان0 كان يونس قد لمح مدخنته الملطخة بطين السفر البائد وهيكل مقصورة القيادة عندما اراد ( السمارتو ) ان يمنحه فرصة اكبر للتعرف على بدايات خيانته0 صدمتهما عند الباب كلمة عاطل مرسومة بخط مرتجف على صفيحة معدنية صلبتها القبضان0 استعادت ملامح يونس تعابيرها الطبيعية امام رداءة المشهد0
حضن بطيخته وسأله :
- هل تستطيع ان تعيده الى العمل ؟0
دفع ( السمارتو ) الباب بيده وهو يقول :
- الاشياء المصنوعة من الحديد تستطيع ان تعود كما كانت0
أعطى يونس البطيخة ( للسمارتو ) وانطلق راكضا نحو مقدمة القطار0 تفحص الشكل الاسطواني لغطاء المحرك والصفارة الصغيرة القريبة من المقصورة ، وتحسس نعومة قضبان السكة المصقولة ، وسار مقلدا بيديه مشية العجلات فوق القواطع الخشبية المغروسة في الحصى الناعم0
أجلسته تهديدات ( السمارتو ) في المكان المخصص لانتظار المسافرين0 اعاد أليه البطيخة واخرج من ماء الدلو غصن الآس، الا أن منظر الاشواك العائد الى ربيع ضائع ، جعله يعيد الغصن الى مكانه ، ويتقدم الى حصد الاشواك بيديه قائلا بأنه يريد لكفيه ان يتعادلا مع آلام قلبه0 ضرب يونس البطيخة بحافة مقعده فشقها وراح يفرغ ما فيها من حبوب على الأرض بينما ( السمارتو ) ، المشغول بالاشتثاث ، يصف شدائد زمالته للالقاشي الكبير ، الذي استغل خلافاته مع الملك لتعبئة قلبه بالضغائن والاحقاد العنصرية ، وكيف كان يسخر من غبائه الذي جعله بمنزلة العبيد الخارجين عن القانون ، ويحرضه على الاستقلال ومخالفة الاوامر ، ويعلن احتقاره له ويعامله معاملة القطط الشرهة والضفادع الغبية0 وفي يوم ساخن من ايام صداقتهما الجبرية ، فتحت الزنزانه بأمر من رحمة الملك ، ودخل الحاجب طالبا منه الخروج لمقابلة ولي نعمة البشرية ، فما كان من الالقاشي الكبير الا ان رفع ثوبه واهانه بعريه وقال له اذهب ايها العاطفي المغفل0 اذهب وقبّل اليد التي تصفعك ، وامنح مؤخرتك الى القدم التي تركلك0 اذهب الى القذارة ايها الصرصار النتن ، يا من جعلت الصقور تغرد مثل البلابل0 وامام اشور بانيبال كان الامر يختلف تماما ، فقد صافحه الملك بحرارة ، واعطاه للجلوس مساحة محترمة من قنبة العرش ، وخاطبه مخاطبة الصديق لزميل مراهقته ، قائلا له بانه قرر ان يعيد اليه حقوقه العسكرية ، ومكانته التاريخية حفاظا على ماتبقى من نينوى ، ثم طبع قبلة ملكية على منقاره ، وقال انه سيرحل في وقت قريب الى العالم السفلي بعد ان جمع من المفاخر الكثير ، ومن البطولات اكثر مما يستطيع الشعب ان يصدقه ، وانه عاش عمره يركض وراء هدف واحد ، هو الاستيلاء على الامجاد ، واحتكار المنجزات كي يكون آخر العظماء ، والان وقد حقق لنفسه ما اراد فأنه من العسير ان تكون في احفاده القدرة على تحقيق شيء ، لذلك فهو يتقدم اليه بطلب ان يترك احقاده الشخصية على صفحة ، ويدشن مع الملوك الذين سيأتون من بعده ، علاقة مبنية على اسس سياسية صحيحة ، فالالهة لن تكف عن خلق الاعداء0 ثم صفن قليلا وعاد ليقول ، ضاربا ذراع القنبة بكفه المفتوح انه يعز عليه ان يرى نينوى المسكينة من املاك آباء الجميع0
ظهرت اجزاء القطار وعرباته كاملة لعيني يونس0 استدار ( السمارتو ) امام الصبي المنشغل بالتهام القطعة الاخيرة من البطيخة 0 شاهد الولد صديقه اللاهث يقف بيدين داميتين ، وبريش مبروم لوثه التراب والعرق0
سأله :
- ماذا فعلت بنفسك يا مفجوع ؟
تقدم ( السمارتو ) وهو يمد يديه الى الامام ، وقال بإختناق :
- فعلت الكثير00 أنظر0
- انك تنزف بغزارة0
- إنها دماء نينوى ايها البانيبالي الصغير0
عاد يونس ليسأله :
- هل سيمشي القطار؟0
تكلم ( السمارتو ) مع نفسه باللغة الاكدية قائلا : ( أنا اكره الاسئلة البانيبالية ) ثم فتح غطاء المحرك ، ودس رأسه بين احشائه وقال :
- هناك خلل في صندوق النيران ، وفي مجمع الرماد 0 ذراع التوصيل التي توصل العجلات المديرة مع الكابس لا تعمل 0 جهاز التسخين الزائد بحاجة الى تصليح0 لا وجود للوقاد الميكانيكي ، وقبة الرمل ليس فيها ذرة رمل00 لا اظن ان هذا القطار سيمشي00 يبدو وكأنه التهم قنبلة امريكية كبيرة00 الي بالدلو ايها الصغير0
ارد يونس ان يسكب ماء الدلو على المحرك ، ولكن ( السمارتو ) انتشله من يده في اللحظة الاخيرة ، وراح يستخدم غصن الآس في معالجة العطل0 حثه يونس على الاكثار من رش الماء وهو يقول :
- اريده ان يسير بسرعة الطائرة0
مد ( السمارتو ) يده بحركة سريعة محاولا غلق فم يونس بكفه0 قفز الصبي متراجعا الى الخلف وهو يسأل عن سبب هذا الغضب0
قال ( السمارتو ) بانفعال :
- لعنة الله عليك00 قلت لك لا تذكرها 00 لا تنطق بهذه الكلمة0
وضع الدلو جانبا ، وجلس على الدرج الناقل الى مقصورة القيادة 0بدا عليه الانهاك والتعب 0 رفع يونس سروال منامته الى مستوى السرة ، وخلع نعليه ثم مسح عرق قدميه بالارض0
قال يونس مهونا الامر :
- لا تغضب مني00 قم يا مفجوع 00 انت اقوى من بوش فلماذا الخوف0
تغطت السماء بسحب حمر ، قدح فيها البرق0 اسرع ( السمارتو ) الى حمل يونس 0 رفعه من خصره ووضعه في المقصورة 0 اخذ الدلو ولحق بالصبي0 سكتت افراح المدينة ، وحامت في الجو المكفهر اصوات رعد مع زعيق نفثات احتراق واحتكاكات فولاذية صارخة0 اضطر ( السمارتو ) الى استعمال الماء المقدس لادارة محرك القطار بعد ان منعته اضطرابات السماء من فرصة تعلم قيادة هذه الدودة الحديدية0 تحركت العجلات فوق السكة ، دافعة القطار بحركات متنافضة تشبه القفز0 وما ان ودعت العربة الاخيرة نهايات الرصيف حتى هبطت شعلة مذنبة ، سقطت على المحطة محولة الابنية الى فتات اسمنت ، والمظلة الى موجة صوتية0
قال ( السمارتو ) بانفعال وهو يحاول السيطرة على القطار المرتجف بفعل الانفجار :
- أرأيت 00هذه هي نتائج ثرثرتك0
تساءل يونس وهو يرمق صاحبه بعينين ثائرتين :
- ألن نقاتلهم ؟0
رد ( السمارتو ) متهكما :
- بماذا يا فحل ؟0
دوت إنفجارات قريبة وانفلاقات مطرية ، تناثرت حول السكة محاصرة القطار المتوغل في امتدادات الحدود المحاذية لحدائق المدينة 0 لم ينتبها الى تلك المطاردات الطائرة خلفهما الا بعد ان صبغت العربات الخلفية بحمرة قانية ما لبثت ان تحددت بظلال حمر ، تفرقت حول مسار القضبان واخذت اشكال طائرات مقاتلة ، راحت تواكب سرعة القطار في دورانه حول المدينة0
صاح ( السمارتو ) :
- لقد عادت0
شده يونس من ثوبه محاولا الوصول الى الدلو وهو يقول :
- لنقاتلهم00 انها فرصتنا0
ابعد ( السمارتو ) الدلو عن يديه وهو يتحرك للنهوض0 مد رأسه خارج مظلة القيادة ، وخاطب يونس قائلا :
- خذ مكاني 00 اياك ان تتهور0
قبض يونس على ساقه صارخا باعلى صوت :
أتريد الهرب ؟0
احسا معا بتصاعد حرارة الظلال وبإنتشاراتها المبيدة للالوان 0 تقمص (السمارتو ) هيئة صقر جائع ، ونهاه بلا رحمة :
- اغلق فمك 0
خلص ساقه من يد الصبي ، وسحب جسده من ضيق المكان0 وقف على السلم متحديا الريح الضاربة على جسمه0 فتش عن موضع لقدمه يمكنه من تسلق المحرك الاسطواني0 حاول يونس أن يلحق به ليطلب منه العدول عن التخاذل والاستسلام ، فعاد ( السمارتو ) ليصيح بصوت عنيف ، تغلب على ضجيج المعادن :
- جفت الأرض يا اتونبشتم00 جفت الأرض0
أطبق على مقبض الدلو بمنقاره ، ثم مال بجسمه الى الأمام بهدف الامساك بالمدخنة السوداء ذات الدور التجميلي المعترف بفضل الفحم0 تمكن من الصعود الى مقدمة القطار ، وهو يقاوم الاهتزازات واندفاعات الهواء المخربة لأجنحته ، مضحيا بوقار ما شاخ من ريشه الأصفر ، تاركا ملاقط الرياح تنتف منه ما تشاء0 استدار ببطء حتى تمكن من الوصول الى سقف مظلة القيادة0 ثبت قدميه دون أن يحجب بساقية مجال الرؤية عن يونس الذي أخذ ينقر الزجاج الأمامي احتجاجا على تصرفات ( السمارتو ) 0 وضع الدلو على المظلة وفتش بكفيه في مربع السقف عن زوائد خنجرية أو خشونة حديدية تزيل عن جروح يديه ما تخثر من دم0
هتف يونس بينما القنابل تدك شجيرات الآس وتطرح الأشجار مشردة العصافير وسكنة الأحراش :
- ماذا تفعل أيها الجاسوس ؟
استمر ( السمارتو ) في استخدام سطح السقف لتوسيع الجروح واحياء الألم وهو يرد على يونس مفجرا صوته بالكلمات :
احمي مدينتك ، وألعابك ، وضحكتك0
تدفق الدم من كفيه وسالت من الجروح سخونة القلب0 استعمل أصابعه في رسم UN ) ) بخطوط حمر أخذت تنبض مرتجفة ، ثم ضرب يده بقوة طابعا على السقف شكل كفه الأيمن0
*****
أطلق القطار صفيره المتصل ، وإشرأبت مدخنته نافثة الدخان الأبيض ، وهو يتقدم على خطه الحديدي ، مقتحما ادغال مساره المحاط بالاسلاك0 فكر ( السمارتو ) في معالجة مناظر الطبيعة المتوحشة المحاصرة للسكة ، وفي ازالة الظلام النائم على الجانبين ، ما ان تذكر الصبي ، في نوبة خمول ، عربة خاله مقداد المسطحة التي يجرها البغل ( فودكا ) ، يوم كانت مهنة الخبازة غير مزدهرة ، وشهرة حب ( شمس وقمر ) غير مؤهلة لمنافسة الحب الابيض والاحمر والفستق والسسي ، ومكانة سجائر الاسبين المهربة لا وجود لها0 زرع ( السمارتو ) بحركة من جناحيه اعمدة الانارة على امتداد الخط الدائري للرحلة، الا ان حركة القطار المؤلمة للعظام ، ابقت في ذهن يونس على العربة وعلى اشباح الابنية المرتجفة بفعل هزات الارض المحقونة بالصواريخ ، ايام كانا ينقلان الجنود من محطة القطار الى ساحة باب الطوب ، مقابل التنازل عن الفائض من تجهيزاتهم العسكرية : بساطيل ، بطانيات ، بيريات ، انطقة ، بلا علم من ال ( U2 ) والميراج والتورنادو و ( B52 ) 0
اوعز ( السمارتو ) بجناحيه الى اذعة البرج ببث باقة من الاغاني الاقليعاتية القديمة ، فوصلهما على الفور صوت المطرب فخري فاضل ، وهو يسب آباء القطار، وصوت المطرب عامر يونس ، وهو يلعن حركاته التي خطفت منه محبوب القلب ،الا أن صوت الخال مقداد إرتفع ، في ذهن الصبي ، مغنيا قصيدة الاطلال ، على ايقاع صفارات الانذار المتقطعة ، مستلهما من عبوة قاصر فاس البلاستيكية المملوءة بالعرق البعشيقي ، والمحصورة بين ساقيه ، حقيقة العيش في عالم بلا حروب ، لاينقصه الغاز والكاز والبنزين والكهرباء والماء والخبز0 عالم أمين وبعيد ، لايصله صوت أمريكا ، ولايعرف من مونت كارلو غير أميرتها0
اضطر ( السمارتو) الى الخروج بالقطار نحو مسارات جديدة ، طالبا من يونس الانتباه ومراقبة ماسيحدث0 نظر يونس إليه بهدوء وبلا اهتمام0 لم تستطع تلك الالتفاتة ان تصمد ، فكسر بصره وأطرق برأسه أمام خوفه من احتمال ان تنهض أمه من نومها ولاتجده فوق القنبة0 تأثر ( السمارتو) بحزن الصبي ، فعرض عليه ان يشاركه في قيادة القطار0 قال هذا وهو يفتح منقاره ، مشكلا من سبابته وابهامه شارة الابتسامة0 وافق يونس دون ان يظهر عليه الحماس0 نهض وتسلق ظهر ( السمارتو) الذي إنسحب بدوره نحو اليمين آخذا مكان الصبي0 إندفع القطار بانسيابية رقيقة تخلو من اهتزازات الاحتكاك ، ما ان عبث يونس بالعتلات والازرار ، مرجفا عقارب ساعات قياس الضغط والسخونة والسرعة ، التي راحت تدور مغيرة مواضعها ، مانحة القاطرة البخارية قوة سحب كبيرة0
ربت ( السمارتو ) المبتسم على كتف يونس 0 تقابل بصرهما للحظة، تبادلا فيها النظر الى ملامح السعادة البادية على وجهيهما0
قال ( السمارتو ):
انظر خلفك0
إمتلأت العربات الخلفية بوجوه صغيرة مبتسمة ، يتقدمها وجه مكارم الاسود0 وجوه جميلة أخذت من الصف الرابع (ج) ومن الصف الرابع (ب) ، ازدحمت بها العربات الملونة بألوان الطيف0 كانوا ينظرون اليه ويلوحون له بأيديهم ، كما شاهدهم من الصحن الطائر0 وفي العمق ، رأى العربة الاخيرة محملة بالمعلمات : بلقيس أم العربي ، سعدية أم الرياضة ، سهاد أم الانكليزي ، شكرية المحجبة أم الدين ، ايمان أم الرياضيات ، بهيجة أم حسين0 تصلب جسده لمرأى مرضية شنشل ، مديرة المدرسة ، تجلس في المقدمة بنظارتها السميكة الخضراء ، وشعرها الابيض0 إبتسمت له وهي ترفع مسطرتها الخشبية الكبيرة 0 شاهدها تغطي قمة المسطرة بمنديل ورقي ، ثم ترفعه بحركة سريعة ، محولة المسطرة الى باقة ورد ملونة0
نظر يونس الى (السمارتو) ، وقال بوجه ضاحك :
ايها الجاسوس الحقير00 أحبك0
تدحرجت الدموع من عيني (السمارتو) هادمة سدود احقاده ، وبدا منقاره المعقوف بفعل عواطفه السائلة ، مثل حنفية ماء بحاجة الى تبديل جلدتها0
كان (السمارتو) السعيد بحلاوة النسيان ، والمتمتع بصفاء وطمأنينة المواطن الصالح ، قد أخرج يده الحاملة لغصن الآس من القطار ، ومد سكة جديدة ، أخذت القطار في رحلة سياحية مرت بالغابات ، والشلالات الحديثة المقامة على سد سنحاريب العظيم ، ومكنته من الانطلاق شمالا نحو مصايف مدينة دهوك0 أحس في تلك اللحظة بأنه يمتلك القدرة الصادقة على الاعتراف ، ولكنه أطال بالسكوت عمر احترام يونس لانجازاته الكبيرة ، واشترك معه في التعرف على الجغرافيا ، متقمصا مشاعره ، الا انه لم يستطع منع خوارقه من التجسس على أفكار الصبي ، الذي كان يبحث عن وسيلة شيطانية تجعل ( السمارتو ) يملكه القطار لاستثماره اقتصاديا في الاعياد والمناسبات الوطنية0
وفي ( زاويتا ) دخل القطار في أنفاق مظلمة ، تعمقت ببطون الجبال الحاملة لغابات أشجار الجوز والعنب الكشمشي0 اضطر ( السمارتو ) الى إزالة طلاب المدرسة ، والهيئة التدريسية عن الوجود ، تخلصا من أصواتهم الصارخة في جوف النفق 0 تكلم أولا عن سهولة الاخطاء ، وكيف أن المرء يحيا وفي لغته التي يستخدمها للتفكير والنشاطات الذهنية الكثير من الكلمات المبهمة التي لايمكن الاتفاق على معانيها 0 إنها ليست سهلة وواضحة مثل كلمة خبز أو ماء أو شمس0 وقال أيضا أن المرء حين يقدم على فعل شيء فأن أول اجراء يقوم به هو اختيار الكلمة المناسبة لعمله قبل مناقشة الأمر مع الطرف الآخر من عقله0 هكذا كانت الأمور قبل سبعة آلاف سنة ، فالرجل المتزوج مثلا يقول لنفسه أنا أحب امرأة جاري ولا يقول أخون زوجتي لذلك فأن كلمة الطوفان كانت هي الأقرب الى تفكيره من خيانة نينوى لحظة استماعه رجاء آشور بانيبال الخائف على مستقبل أسمه0
قال يونس بغضب :
كف عن الاعيبك الحقيرة وأعد للنفق طوله الحقيقي0
تراءت لهما دائرة ضوء ، أخذت تقترب بسرعة معلنة عن نهاية انبوب ظلام الاعتراف0 خرج القطار من بطن الجبل وهو يطلق صفيره الحاد ، متجها نحو مرتفعات ( انشكي ) الشاهقة ذات الانحدارات الصخرية العمودية0 أنتقل القطار من استدارات السفح الى جسر طويل ربطهما بالبعد المقطوع بالظلام0 أعاد ( السمارتو ) الطلاب الى العربات ففتحوا في سمعه أفواه الصراخ ، ما ان مكنتهم الأضواء السياحية من رؤية أعماق الوادي الممسكة بسيقان الجسر الخشبي0
أستخدم ( السمارتو ) صوت مكارم وقال برقة :
قلل من السرعة يا يونس00 دعنا نستمتع بجمال الطبيعة الساحر0
استجاب القطار لهذا الطلب ، فهدأ الهواء ، وسكت الصراخ ، واستطاعت الأنوف أن تلتقط من السفوح الخضر روائح الأشجار الصيفية دائمة القداح ، وتمكنت اللآذان من معرفة مسارات الينابيع السائلة من عيون الجبال ، وأماكن موسيقى السمر التي كشفت عن مواقع القرى المتنفسة في الليل0
كانت ذاكرة يونس الملتهبة تحتفل بكلمات مكارم المزيفة عندما قال ( السمارتو ) بأنه شاهد الألقاشي الكبير يقف بين فم آشور الملك وأذنه ، وأنه كان يدس فتيلة لحيته الزنخة في ثقب سمعه لحظة أن وجد نفسه أمام فرصة اعادة الطوفان لتأديب البشر ، فرحب بالتعاون مع الملك شرط أن يعيده الى وظيفته العسكرية السابقة ويمنحه الصلاحيات الكافية للتصرف الحر ويحرره من سلطة المعابد ، لأنه لن يقبل أن يتحمل لكمات وصفعات وبصاق الكهنة ، حفاظا على الحدود الفاصلة بين البشر والآلهة . وأعترف ليونس بأن الشرط الأخير ليس من ذكائه بل من كلمات الألقاشي الكبير التي كان يسمعها في أذنه الأخرى البعيدة عن فم آشور بانيبال0
توقف قطار مدينة الالعاب في محطة ( انشكي ) ، المعلقة على ارتفاع ألف متر فوق سطح البحر ، وترجل الجميع لزيارة كهف هوشيار المزدان من الداخل برسوم ملونه بالحجم الطبيعي لحيوانات العصر الطباشيري ، والمؤثث بأدوات عظمية وصوانية مثل المطاحن اليدوية والهاونات وأدوات المطبخ مع مطارق ومساحي وسكاكين ومكاشط من الحجر الاوبسيدي0 لم يجد ( السمارتو ) فرصة لمتابعة الحديث مع يونس فعاد الى القطار منتظرا ما سيحدث للأطفال والمعلمات بعد أن تهاجمهم قبيلة نياندرتالية متوحشة لم تأكل شيئا منذ أسبوع0
وصله عويل المعلمات أولا ، تبعه صراخ التلاميذ0 تدافع الجميع للخروج من فم الكهف الضيق ، تاركين يونس يقاتل بمفرده جوع القبيلة المسعورة0 توجهت الأنظار بترقب الى الكهف المختنق بضجيج المعركة . ومن غيمة الغبار ورماد المواقد خرج الصبي وهو يحمل مكارم بين ذراعيه المتورمتين بالعضلات0 لحظات وأنطلق القطار بهم ، تلاحقه الأحجار ، وكرات القار ، ورماح سيقان اللقاق0
تضخم وجه يونس الملطخ بطين الفترة النيوليثية وقال زافرا غضبه :
ماذا فعلت ؟
رد ( السمارتو ) بهدوء :
أخذت حقوقي كاملة ، وانتظرت الفرصة المناسبة0
وتابع متكلما عن الحالة السياسية في نينوى بعد موت آشور بانيبال ، ولكنه عاد ليتوقف عند لحظة مغادرة الملك العجوز الحياة0 لم يستطيع الاستقرار على مقعده0 أصابته نوبة كآبة تاريخية0
سأله يونس بينما القطار يسير على الخط الصاعد الى سولاف0
كيف خطر لك أن تفعل ذلك وتعرض حياتنا للخطر0
رد ( السمارتو ) وهو يتلمس جسده محاولا لجم رجفته :
هو الذي أجبرني 0
ثم أنتهز الصمت المتأثر بجمال جبل ( هناو ) المكلل بكازينو تحف به الأضواء والكشافات المنيرة ، وراح يصف بدقة كيف كان الجسد المحاط بالمشاعل ودخان البخور الطارد للأرواح الشريرة ينتظر وصول وفد المقبرة0
لم يستطيع ذلك المشهد غسل قلبه بالشفقة ، ورفض حقده وساطة هيبة الموت التي دخلت الى المخدع ، وراحت تسحب الروح بخفة الشهيق من الجسد العاطل0 ذكرته فقاعات اللعاب وشخير الحشرجة في حلق الملك بكل احتمالات الموت التي واجهها في ( بيت ريدوتي ) ، وبضريبة التقدم العلمي التي دفعها من عذاباته وآلامه ، وقال ليونس أنه شاهد الموت يصل الى يدي آشور المريض ، وروى له كيف خرجتا من الحياة بلا رعشة0 تحولتا الى طعام للدود بالقوة نفسها التي كان آشور بانيبال يمسك بها السيف ، ويقذف بها السهام والرماح ، وأنه استمع الى القلب الذي نبض نبضة حاسمة وجريئة لم يحس بها ظهر فرس من شجاع ، ولم يفرح بها جسد امرأة من رجل ، ثم سكت محافظا على سمعة قسوته0 مات آشور بانيبال الملك بهدوء مثل رجل سعيد عمل بنزاهة طوال النهار ثم أطعم أطفاله وداعب زوجته ونام قرير العين والضمير0 مات آشور بانيبال الملك العظيم ، الملك الجبار ، ملك الجهات والكون ، ملك بلاد آشور والعالم وهو يحترم أعماله وأوامره وقوانينه وخطبه وحروبه0 مات وهو يؤمن بشكل كامل ومؤكد ، بأنه عذب ( السمارتو ) وأهانه ، وقلل من شأنه ، وأذله خدمة للسلام الدولي ، وللتعايش الأممي ، والأمان الانساني ، وتحقيقا للارادة البشرية0 وقص على يونس قصة عداء المعابد له وكيف شنت حملة عنيفة عليه في اللحظة التي مات فيها آشور بانيبال فشاع أسم ( مفجوع ملذوع ) بين عامة الناس ووصل الى أفواه صغارهم يرشقونه به ويلاحقونه بفضائحه البانيبالية ملاحقتهم للمجانين والكلاب الغبية ما أن امتنع الملك الجديد آشور ايلاني عن تجديد الثقة برتبته العسكرية ، وأهبط عنوان وظيفته الى وسيلة جوية لكرامات الكهنة0 كانت تلك هي الفرصة الذهبية لرجال المعابد ، الذين زوروا الاساطير بنسخ طينية الحقوها بمكتبة آشور بانيبال ، بعد أن أكثروا من استخدام عبارات الطبع والاستنساخ مثل ( ال ادي ) و ( هيبو لابيرو ) ، كي تمكنهم من القول أن الحمامة هي الطائر الذي أطلقه اتونبشتم من السفينة ، جاعلين من غصن الزيتون الرمز الابدي للسلام 0
أخرج ( السمارتو ) غصن الآس من الدلو ، وراح يتأمله بحزن وهو يتابع الكلام عن عقود الذل التي عاشها في تلك الفترة ، وكيف وجد نفسه بلا قيمة تاريخية ، يسعى خلف الانتقام ومعاقبة من يتسبب في نطق اسم ( مفجوع ملذوع ) الكريه ، مسخرا حقده في تعذيب الاطفال ، لانه كان يرى في افعالهم ، براءة قبضة آشور بانيبال الطفل وهو يشق بطنه بالسكين ليتفرج على مسار اللقمة 0
بدا منظر ( السمارتو ) في عيني يونس ، أكثر بشاعة مما شاهده في لحظة خروجه من ميزاب السطح ، فقال بأدب محاولا خفض حرارة انفعالاته :
أستاذ ( سمارتو ) نحن الان على مشارف مصيف سولاف 0
أمره برأس مرفوع :
لاتقف 00 استمر0
سلط ( السمارتو ) النعاس على عيون الركاب ، فاجتاز القطار محطة سولاف بلا احتجاج وتوغل في خط مظلم 0
قال يونس مبديا تعاطفه :
لاتحزن 00 سينتقم الله منهم0
ومني0
قال هذه الكلمة ثم سكت مفكرا بضخامة العقاب الذي يستحقه ، تاركا يونس ينفرد بالليل الذي لم يكن يعرف من جماله غير مايحدث للدكاكين والاسواق في ساعة متأخرة ، عندما كان يختصر طرق العودة من بيت خاله مقداد ، ليشاهد الاماكن التي يعرفها وهي بلا بيع ولا شراء ، ويقاوم الخوف باحصاء الاقفال ، ولكن هذا الليل يختلف تماما 0 ليل حر ونظيف وبلا كلاب0
كان يونس ، يتخيل نفسه ، يلعب في المباراة النهائية لكأس العالم مع منتخب اقليعات ضد منتخب البرازيل ، ومكارم تشاهده في التلفزيون عندما عاد ( السمارتو ) ليتكلم عن معاناته في السنوات الاخيرة من عمر الامبراطورية الاشورية ، ذاكرا تفاصيل الاضطهاد ، وكيف مسحوا اسمه من الاسطورة ، وقالوا له كن حمارا طائرا ، وحشا منتقما بلا ضمير 0 أوقف ( السمارتو ) رعشة منقاره بقبضة يده0 تطلع الى القمر المنخفض ، محركا رأسه من جهة اليمين الى جهة اليسار في حركة كتابية ، ثم أعطى يونس صورة وافية عن الاوضاع السياسية ، مفصلا الاحداث التي دفعت بالميديين والبابليين وما تجمع لهم من اعوان وحلفاء الى محاصرة نينوى بعد ان جردوها من ممتلكاتها ومقاطعاتها الشاسعة0 كانت فكرة الطوفان ، كما قال ، هي العقيدة التي وجدها تستحق التضحية ، وشرح نظريته قائلا ليونس ان ( اتونبشتم ) أخطأ عندما ظن أن العالم بحاجة الى بداية جديدة0
عبر القطار حدود مدينة الالعاب ، ودخل في سكتها الحديدية التي ايقظت الركاب0 غابت الاضواء المساعدة بقلائدها والوانها المتناسقة عن دورة القضبان ، وأخذت أطراف المدينة تسترد ظلامها الموحش الكئيب ، ناشرة قامات الاشجار العملاقة ، المتزاحمة على التربة ، تاركة المتسلقات البرية والاحراش الطبيعية ، تتطفل علىالسياج وتمد أذرعها ، متوغلة بين بياض متكسرات الحصى الناعم المفروش تحت القطار0
عثر ( السمارتو ) ، في ذاكرة الصبي ، على اعادة منقحة وزيادات كاذبة لعملية كهف ( هوشيار ) ، عندما خرج منه وهو يحمل مكارم بين ساعديه0 ترك يونس القطار يتجشم عناء البحث عن محطته ، وضغط بكفيه على بطنه ، مجمدا حركة لقطة عاطفية ، تظهر مكارم السوداء وقد طوقت رقبته بذراعيها ورفعت شفتيها الى فمه0
فصل ( السمارتو ) بصوته بينهما ، قائلا أنه وجد في نهر الخوصر ، الشاطر لنينوى ، المشروع المائي الذي من الممكن ان يحقق حلم الزوال والاندثار0 حلم الطوفان الاخير0 ترك الكهنة يسخرون الادعية والتراتيل والذبائح كوسائط نقل الى النصر ودحر الاعداء ، وتتبع مجرى النهر الى سد سنحاريب على الطريق بين نينوى والشيخانو0 أخرج ( السمارتو ) غصن الآس من الدلو 0 رفعه عاليا ، وقال : هذا هو سدك يا ( سن – آحه – ريبا ) يا من اسمه ، الاله عوض موت الاشقاء0 هاهو ماؤك يجري صافيا الى نينوى الخضراء من منابع نهر الكومل0 يا مولاي الملك ، لقد تلألأت نجمة كالمشعل ، وقت شروق الشمس ، واختفت عند الغروب 0 تشتعل النيران الان في نينوى 0 تلتهم قصورمتعتك ، ومافيها من خشب السرو والارز والعرعر والبقس والتوت والطرفاء0 مولاي الملك ، لاتغلق علينا الابواب ، وامنح بركتك لنا0 امنحنا الماء ، وقل للعنتك المنقوشة على أسس السد ، يا لعنتي لا تتحققي ، لاتصيبي خادمي المطيع ، ملاح ( اتونبشتم ) ، الذي جاء لينقذ نينوى من ظلمها ، وقل يا مياه تدفقي 00 حطمي الصخور التي وضعتها بيدي ، وانسكبي بأمر مني0
أعاد ( السمارتو ) الغصن الى الدلو ، ووصف ليونس كيف كسر السد وتدفقت المياه مهاجمة نينوى ، ففاضت الخنادق ، وارتفعت المياه بين السورين ، مذوبة الطابوق0 امتلأت القنوات وتفجرت أنابيب الفخار0 غرقت الحدائق والبيوت ومخازن الاسلحة ، وصوت الالقاشي الكبير يقول في أذنيه : ( خربت نينوى0 من يرثي لها؟0 من اين أطلب لك معزين ؟ ) 0 فتح مجرى النهر الثائر ثلمة في سور اللبن ، فتدفق جنود العالم الحاقد مثل السيل وسقطت نينوى 0
أمسك ( السمارتو ) بكف يونس وقال له :
صرخت 00 صحت بهم 00 جاءكم الطوفان00 طوفان ( السمارتو ) 0 لقد فسدت أرضكم امامي ، ورأيت شركم قد كثر في الارض00 ها أنا مهلككم لأنني تأسفت في قلبي ، وها هي نهاية كل شيء قد أتت أمامي 00 لن أقول لكم كيف تبنى السفينة ، وما هو عرضها وارتفاعها ، ولن أقيم عهدي معكم0
هاجمت سحب البعوض القطار المار بالبحيرة 0 قتل قسم كبير منه في دخان القاطرة، اما القسم المتبقي ، فقد نجح في الركوب بعد أن غرز ابره ، حاجزا أماكنه على وجوه وسواعد الاطفال0
قال يونس وهو يحك خده :
اننا نقترب من المحطة0
توقف القطار بهم قبل الرصيف بمسافة طويلة0 كانت الاحجار والحديد وركام المظلة قد قطعت الخط ، ومنعت القطار من التقدم 0 حرك ( السمارتو ) جناحيه0 أزال الاطفال والمعلمات وفَرَق البعوض0 لاحظ يونس ماحدث ، ولكنه لم يعترض على ذهاب مكارم 0 كانت حجوم أعضاء وجه الصقر ضامرة ومنكمشة ، وبدت لمشاعر الصبي مزيفة وغير حقيقية 0 لم يعرف يونس سبب ذلك ، ولكنه أراد أن يقول له في تلك اللحظة الجميلة من علاقتهما : اخلع عنك هذا القناع ودعني ارى وجهك00 وجهك البشري0
قال ( السمارتو ) بتأثر ويده تقبض على ريش قمة رأسه:
هذا هو رأسي الحقيقي 00 أنا لست من البشر0
مد الصبي يده ببطء0 تلمس جبين ( السمارتو ) مزيلا آثار الشد العصبي ، مجمعا بحنان وعطف ، اصفرار زهرة البيبون المطبوعة عليه 0
سأله ( السمارتو ) :
أتحبني؟
اجاب يونس :
نعم لقد اطعمتني الدجاج والآيس كريم وتركتني العب0
ترجل الصبي من القطار0 شده منظر دولاب الهواء العالي0 قال( السمارتو ) :
ولكنني أسقطت نينوى وعذبت الاطفال ، وعملت مع رالف ايكيوس وبتلر0
أشار يونس الى قمة الدولاب وهو يقول :
خذني الى هناك يا مفجوع 0