ليلة الملاك
الفصل السابع
نزار عبدالستار
نزار عبد الستار
ليلة الملاك
رواية
الفصل السابع والأخير
7
 
 
تغلب ( السمارتو ) على نوازعه الشريرة ، وسمح ليونس باجتياز قاطع التذاكر ، مجنبا متعته مذلة الوقوف في الزحام الوهمي والتعرض لشذوذ الانتظار0 بدت المدرجات ، والقاعدة الخشبية المتألقة ببياضها المدهون بالشمع ، مثل كعكة عملاقة0 استطالت مع تقدمهما القضبان ، ونهض الدولاب الدائري أكبر مما كان عليه قبل رغبة يونس ، واكثر اضاءة ، وقد تغلفت العوارض المشعة ، من نقطة المحور الى دائرة المحيط ، بنيونات ينسكب منها البياض الزئبقي الثخين ، مخلفة في دهشة الصبي ، الشعور بأنه يمسك بنجمة0 وبدا الدولاب ، في شكله الكامل ، مع عناقيد العربات المتدلية من المحيط المعلق في الهواء ، مثل قرط تدلى من شحمة القمر 0
توقفا على منصة التحميل0 دخل ( السمارتو ) الى حجرة التشغيل والسيطرة الصغيرة ذات النافذة الزجاجية العريضة تاركا يونس يتطلع بأنبهار متفحصا تفاصيل الآلة الضخمة التي وضعها منظرها المعقد في مقارنة تذكارية مع سيارة الكهرباء ذات الذراع المتحركة التي ترفع الكهربائي في صندوق ابيض الى قمة عمود النور0 مد ( السمارتو ) رأسه من الباب طالبا من يونس الابتعاد ريثما يتم التشغيل التجريبي0 سمع يونس صوتا مطاطيا يشبه ما يصدر عن مكابح السيارة0 ارتجفت القضبان بارتداد ثم استقرت ودارت ببطء مؤرجحة العربات الحوضية ، ومحركة الهواء أمام وجه يونس المنفرج بابتسامة فرحة0 خرج ( السمارتو ) من حجرة السيطرة ووقف خلف الصبي معلقا الدلو على ساعده0 أخذ الدولاب بالدوران على سرعته الترفيهية المعتادة0 تجاهل ( السمارتو ) التفاتة يونس وأستمر في التعليق على ما تحدثه هذه الألعاب من متعة وتحدث عن الألعاب في العصر الآشوري وكيف كانت تتكون من الأحجار ، والخرز ، والأخشاب ، والطين ، والصوف للبنات 0 ومن الأسلحة الجارحة والحبال ، والحيوانات الضالة للأولاد0
سحبه يونس من ريشه وقال بحنق :
- أوقفها لنركب00
حرك ( السمارتو ) رأسه يمينا ويسارا وهو يقول بطريقة تمثيلية :
- ماذا جرى يا بانيبالي00 ماذا جرى00 أنظر كم هو جميل أن ترى هذه العجلة الخرافية تتحرك بحصان كهربائي00 سيصيبك الخوف يا بني ، وربما تقع0
فرك يونس عينه متطلعا بخمول الى ( السمارتو ) الذي ضرب كفا بكف ثم قرفص وحمل الصبي بذراعه اليمنى قائلا بأنها المرة الأولى التي يمزح فيها منذ سقوط نينوى ووافقه على طلبه لأن ليس هناك ما هو أجمل من رؤية أقليعات النائمة من صهوة دولاب له هذا الارتفاع القمري0 وباشارة من يده توقف الدولاب وتأرجحت بالقرب منهما عربة بيضاء تتميز عن أخواتها بجودة وسائل الأمان وبعلو الحاجز الدائري الذي يطوقها0
تقابلا على المقعد الخشبي القصير0 أخذ يونس يدير المقود العمودي المزروع في الوسط محركا الحوض في اتجاهات متعاكسة0 سمع يونس الصوت المطاطي وهو يشد الدولاب رافعا العربة الى السماء0 نظر الصبي الى الأسفل بعينين حمراوين مشاهدا القاعدة الخشبية وهي تنسحب من تحته مع تعرجات حواجز النظام المتفرعة من شباك التذاكر0 تجاوزت قامته قمم أشجار الصنوبر وتمكن من رؤية النهر وبيوت اقليعات المثقبة بعيون صفر0 ثم هبط من جديد ليفقد النهر وليصبح أقصر من الأشجار وأقرب الى القاعدة0
انكمش ( السمارتو ) وهو يقبض بيديه الممدودتين على الدلو0 غطس رأسه بين كتفيه وتحدب ظهره ولكنه عاد واسترجع هيئته الجسدية مع الصعود0 كان يونس يجاهد في تحريك مقود الدوران عندما اعترض ( السمارتو ) مستحلفا اياه :
بربك كف عن العبث بأعصابي0
اشرأب عنق يونس وبدا عليه عدم الفهم0 حافظ ( السمارتو ) على مظاهر الاحتجاج وهو ينظر اليه0 انحرف رأسه مع الدوران مسددا النظرة نفسها الى الصبي الذي انسحب متراجعا الى الخلف وهو يرى المنقار المعقوف يفتح بلا وسيلة توضيحية واللسان الوردي ينبض في الاخدود العظمي الذي يشبه فم دلة القهوة0
مد يونس يده وفتح كفه لصد عين ( السمارتو ) قائلا :
لاتغضب00 لن أفعلها مرة أخرى0
دب البطء في حركة الدولاب ومعه ظهرت علامات الارتياح على ( السمارتو ) . ابتلع الصبي هذا الاجراء التخريبي وسكت بلا أي نوع من الاعتراض0 عقد ذراعيه على صدره وراح يراقب ( السمارتو ) في انتباه مزين بأدب وتقدير0 أراد ( السمارتو) القول بأن هناك فرق كبير بين جنون السرعة وبين احترام الزمن والحرص على عدم تبذيره ولكنه أعطى أمثلة بعيدة تماما عن هذا المفهوم0 تململ ( السمارتو ) محاولا كسر انضباط يونس لكن الأخير بقي على جموده المعترف بالجميل مراودا ( السمارتو ) عن فطرته ، مشعرا اياه بثقل دور المعلم والمربي0
نفض ( السمارتو ) جناحيه0 استقام ظهره وهو ينظر الى أفراح المدينة ممشطا الحدائق ببصره البعيد بحثا عن ركضة جرذية أو قفزة أرنبية0 بدت المدينة أكثر هدوءا وآلاتها المسلية تعمل باسترخاء على أنغام الموسيقى الهادئة التي تنبعث بوترية حالمة من شرفات البرج المتدرج بألوان الطيف الشمسي0 تأثرت مشاعر الصبي بهذه الأجواء الرقيقة واستراح نشاطه ما أن بدا أكثر تعلقا بكومة الريش الأصفر وبذلك الرأس المدبب0 ابتسم متعجبا بينما ( السمارتو ) المنشغل بمناورات القنص البصري يرفع كعب قدمه اليمنى عن أرضية الحوض ويهز ساقه في حركة ارتجافية0 تمكن يونس في تلك الدقيقة التي مرت على صداقتهما من اكتشاف الجذور العميقة الممسكة بعلاقتهما ومن التنقيب في أصول الترابط الذي جمعهما على قمة الهواء0 كان قد امتلك في تلك الاستراحة ادلة قلبية كافية أهمها فرحته بمصاحبة الكبار وتأكده من أنه عاش هذه اللحظة في وقت ما وأنه يعرف هذا الرجل معرفة محققة0 جدد ابتسامته لحظة أن أيقن بلا شك أنه برفقة خاله مقداد0 كان بحاجة الى تصديق نفسه عندما أشفق عليه ( السمارتو ) وراح يغني بحزن جنوبي المقطع الأخير من قصيدة الاطلال ولكن ليس بالصوت الأصلي وانما بصوته هو مانحا الصبي الثقة الكاملة بأن الكبار في العالم بأسره هم أخواله وأنه لن يتوقف عن حبهم مهما لاحقتهم صكوكهم التي بلا رصيد ، ومهما هرّبوا من بضائع محرمة ومهما سجن منهم0
انتهز ( السمارتو ) هذا الشعور ليرّشد من استهلاكه للكهرباء فغابت عن أطراف المدينة بقع الاحتفالات وانطفأت أعمدة الطرق الكونكريتية ، وغادرت الحركة هياكل الحديد معيدة للقمر تفرده الأزلي0 وفي أعلى نقطة في سماء مدينةالألعاب توقف الدولاب مؤرجحا عربتهما في الهواء الطازج0 تحرك بهما الحوض بفعل من رغبة ( السمارتو ) في الاعتذار0 دار بهما في المناظر التي حولهما0 ومع الحركة البطيئة كان ( السمارتو ) يقترب من يونس شيئا فشيئا محولا دائرة المقعد الخشبي الى قوس هلالي0
شعر يونس بيد ( السمارتو ) وهي تقبض على ساعده0 كان الحوض قد توقف بهما قبالة تل اقليعات0 اقترب القمر ملونا النهر بلمعة زئبقية0 بدا المنظر أدق بكثير من معرفة يونس وأجمل مما كان يشعر وأوسع مما كان يرى وأقرب اليه من بعده الحقيقي0 خيل اليه انه يسمع تردد الأنفاس ومواء القطط ورشح الحنفيات وخرير السواقي وهي تنضح باغتسالات الليل0 وفي تل الحجر شاهد الصبي ثقوب الضوء وبرج كنيسة مار شعيا ومنارة جامع المصفى0 طلب ( السمارتو ) منه أن يطيل النظر0 تحشرج صوته وهو يصف له جمال نينوى وكيف كانت تبرق بالمشاعل ليلا وبالذهب نهارا0 انقطع الصوت مع هبة هواء زفرها في وجهيهما خشم الشرق وعاد الكلام ليصبح أكثر ارتجافا وهو يأمر عشو الصبي القلبي بالنظر الى الطرقات المرصوفة بالحجر المهندم والى القصور الناطحة للشمس ، والى العربات المترنحة بين الأرصفة مثل الضروع0 وقال انظر الى الحجارة الكلسية وأعمدة النحاس ، وحيوانات الحجر التي تتحرك في العين وقال شم رائحة السرو والأرز ، والعرعر ، والبقس ، والتوت ، والطرفاء ، ومد لخطواتك شارع الملوك ، وأقم لعينيك البروج وأفتح لعودتك أبواب أدد ونركال وسن ، وشبانيبا ، وخندوري وقل هي مدينتي العظيمة ، مدينة قلبي المشعة بالكلمة الطيبة ، مدينتي التي لن أحرقها ، ولن أغرقها ، ولن أجعل أسودها تفر مثل الفئران0
التفت ( السمارتو ) لحظة ان تشنج وجه الصبي من قوة اليد القابضة علية وقال:
لاتفعل ما فعلت0
رد الولد على الفور :
لا 00 لن أفعل0
قال ( السمارتو ) :
لا تفتح السدود0
رد يونس :
لن أفتح0
صاح :
لا تفر من خوفها ، ومطرها ، وظلامها ، وجوعها ، وعطشها ، ويومها اليابس0
لا00 لن أفر يا مفجوع ولكن أترك يدي0
انكمش ( السمارتو ) في جلسته وبدا بريشه المهروس مثل حشوة مكبوسة فتق عنها كيس الوسادة0 دارت حولهما تيارات هوائية باردة0
سأله ( السمارتو ) بصوت خافت :
أتغفر لي ؟
نظر يونس اليه0 حصر كفيه بين ركبتيه0 حرك ( السمارتو ) قدمه مثبتا الدلو0
قال الصبي متجاهلا السؤال :
سأشتري لعبة جديدة لحسن0
فتح ( السمارتو ) منقارة0 اومأ يونس برأسه ومال نحوه وهو يقول :
مفجوع00 لدي صندوق أسبين تحت القنبة00 هل تستطيع أن ترفع سعر الدولار في الغد ؟
أمسك ( السمارتو ) بزيق قميصه وشده اليه قائلا :
أتقول مثل هذا الكلام ونحن في انتظار شمس أتونبشتم الجديدة ؟
تعطل الكلام عاقدا بينهما هدنة صمت استغلها يونس للتفكير في الغد0 جذبه منظر اقليعات على الضفة المقابلة وراحت وصايا ( السمارتو ) تدخل وتخرج من حجرات دماغه متخيلا نفسه في زحام بورصة السجائر ومعه ( السمارتو ) المربوط من رقبته بسلسلة طويلة0 تكلم مع نفسه ثم مسح السلسلة وجعله يسير خلفه على مرأى من التجار الكبار0 شاهد نفسه يقف وسط جموع الناس على تل من الصناديق وباشارة من يده تدخل اللوريات الكبيرة تتبعها عربات الدفع الخشبية مع الحمالين الأشداء بشراويلهم المنفوخة وبأحزمتهم العريضة الحاصرة للحبال0 وشاهد نفسه يكبر أكثر فأكثر ويملأ القيصريات بدكاكينه ويغلق خانات حمو القدو والمفتي والسواد والقلاوين والكمرك بصناديقه وبضائعه0 وسنة بعد سنة يصبح شاه بندر التجار والمالك الوحيد لسوق باب السراي0 وفي يوم من الأيام وبينما هو يتجول في السوق يشاهد صبية جالسة على الرصيف تبيع الخبز قبالة سوق الحدادين وما أن يقف أمامها حتى ترفع البنت رأسها ليرى مكارم أمامه فيمسك بيدها ويأخذها معه الى قصره ويتزوجها0
نقر ( السمارتو ) باصبعه على رأس يونس فابتسم الصبي بخجل0
سأله ( السمارتو ) :
أهذا كل ما تستطيع أن تفعله بي ؟
رفع يونس رأسه قائلا :
قررت أن أجعلك شريكا لي00 وما كنت تفعله بي وبالأطفال أفعله بالتجار0
أمسك ( السمارتو ) بقلادة أدوات الانتقام وقال بغضب :
لولا كلمتي التي أعطيتها للخضر وشيخ الشط لسلخت جلدك وجعلتك وليمة عيدي لجوارح السماء0
قال يونس مهدئا :
كنت أمزح معك0
فتح ( السمارتو ) جناحيه وحرك رأسه نحو الأسفل مجردا عضلاته من انقباضات الغضب0 تمركز جسم الصبي على حافة المقعد الخشبي0 تشابكت أصابعه على سرته ، وبعد أن انتظم تنفسه سأله :
الى أين سنذهب غدا ؟
قلده ( السمارتو ) في جلسته :
لا ادري0
ما رأيك لو عدنا الى هنا مرة اخرى00 نأخذ معنا حسن وسفيان وعماد وبولص وعلي وسركون00 لا أحد سيصدق بأنني كنت معك وأنك صرت صديقي 00 أو نذهب في سفرة نهرية00 أو ننزل الى شارع الدواسة ناكل الكاستر ونشرب شربت زبيب ونلعب الدومينة في قرطبة أو نشاهد فيلما لجااكي شان 00 كلا 00 انت يا مفجوع اقوى من جاكي شان وفاندام وبروسلي وجبار الطويل00
نعم 00 انا اقوى بكثير 0
اغمض يونس عينيه وقال :
سنفعل أشياء كثيرة00 ستصبح محلة حوش الخان اقوى محلة في العالم00 لن نسمح بدخول الغرباء 00 وستصبح المحلة الوحيدة التي لا ينقطع عنها الكهرباء00 اليس كذلك يا مفجوع0
نعم0
وفريقتا يا مفجوع00 فريق النمور الذهبية أفضل فريق في العالم0 ستكون مدرب الفريق00 أنت أحسن من عمو بابا00 لن تفعل شيئا00 تملأ شبكتنا بقوة طاردة00 تنظر الى كرتنا وتجعلها تدخل الى الهدف وهكذا نفوز وأصبح أنا هداف الدوري0
هذه سهلة جدا0
فتح يونس عينيه وقال :
سمعان البقال يا مفجوع لا يقبل أن نجعل من حائط دكانه مقرا لنا00 وكلما جلب علي الأصباغ من الصناعة وكتب في الليل على الحائط هنا مقر فريق النمور الذهبية نرى سمعان يخرج في الصباح ويمسح الكتابة وهو يسب ويلعن باللغة المسيحية00 أريدك يا مفجوع أن تصنع لنا حائطا ضوئيا وتنظف لنا الخرابة التي بجوار بيت الشيخ محمود ، وتحول المزبلة التي قتلتنا برائحتها الى ملعب لنا0
أنت تأمر00
وبحيرة القنطرة يا مفجوع00
ما بها ؟
هل تستطيع أن تجففها وتخلصنا من مياه المجاري التي تتجمع هناك وتغلق الطريق صيفا وشتاءا0
نعم أستطيع0
ومحمد بن عبد الله يا مفجوع00 هذا يسرق الحصة التموينية ويلعب بالميزان ويشوفنا نجوم الظهر في كل شهر0
سأجمع جرذان المدينة وأفتح لهم في دكانه وبيته مئات الأنفاق0
سكت يونس قليلا وقال :
وابن الكلب00 عياش بائع الكاز00
هذا من السهل احراقه0
وعصابة صالح تكساس0
لا عصابات بعد اليوم0
فكر يونس بعمق وبحث في ذاكرته عن مقترحات اضافية0 قال بشجاعة :
نحن بحاجة الى كازينو يحتوي على قاعة للألعاب0
سأله ( السمارتو ) :
ألن يؤثر هذا على دراستكم ؟
قال يونس باضطراب :
في أوقات الفراغ يا مفجوع00 في أوقات الفراغ فقط0
عاد ( السمارتو ) ليسأله :
وماذا تريد أيضا ؟
دراجة هوائية0
لكي تذهب بها الى المدرسة0
رد الصبي بعد صمت :
لقد فصلت منها يا مفجوع0
تستطيع العودة00 يمكننا فعل أشياء كثيرة00 يمكننا تجهيز المدرسة بكتب جديدة غير مستعملة وبكميات كبيرة من القرطاسية00 أستطيع أن أجعل مديرية التربية تعاقب المعلمات والمديرة اذا أردت0
نظر يونس اليه وقال :
ولكنهم فصلوني0
أنا أيضا طردت من الجيش ولكنني عدت اليه مرة أخرى00 نستطيع أن نوفر وسائط نقل لتلاميذ المدارس00 ما رأيك في استخدام ماء اتونبشتم المقدس في أعادة المصلحة العامة لنقل الركاب00 أليست فكرة جيدة00 تعود الحافلات الكبيرة الحمراء لتملأ المدينة من جديد00 يمكنك أن ترى الجابي مرة أخرى بقبعته الجلدية التي تشبه مقعد الدراجة الهوائية وببدلته الزرقاء وباستطاعتك أن تقرأ من جديد عبارة : ( ساعد المحصل بأصغر نقد كاف ) وهكذا تستطيع أن تصل الى المدرسة بسهولة ، وسأعمل على توفير العديد من الحافلات لخدمة الخط رقم واحد0
أغمض يونس عينيه وهو يسأله :
هل تستطيع يا مفجوع أن تخفض سعر الدولار في الغد ؟
أتريد ان تساعد المحصل بأصغر نقد كاف ؟
ابتسم الصبي :
نعم0
سارع ( السمارتو ) الى القول :
لا يوجد اسهل من هذا0
قال يونس ببطء :
وأيضا لأتمكن من شراء الألعاب من احمد السقيع0
دع هذا الأمر لي فأنا أعرف كيف أجبره على الاعلان عن مهرجان تخفيض الأسعار0
عاد ( السمارتو ) ليقول :
لاتقلق يا يونس بن صالح00 سأجعل مكارم ترسب في صفها كي تلحق بها0
هل ستبقى معي الى الغد ؟
سأبقى0
وتأخذني الى مكان آخر ؟
نعم0
وبعدها0
سأكون صديقك الى أي ألف يتمكن عمرك من الوصول اليه0
اذا وقعت في مشكلة وأردت أن تظهر لي فماذا سأفعل00 هل ستعطيني ثلاث شعرات افركها فتحضر على الفور ؟
هذه وسيلة قديمة جدا يا يونس 00
هل أنتظرك عند فتحة الميزاب في السطح ؟
ليس هذا هو المكان الذي احب أن أخرج منه0
تثائب يونس وهو يسأله :
من اين تريد ان تخرج 00 من التنور 00 ام من الأخشيم00 أم من الحائط ؟
همس ( السمارتو ) في اذنه :
من قلبك يا يونس 00 سأكون فيك على الدوام 0
احس ( السمارتو ) بيد الصبي تقبض على أصابعه0 أستطاع في تلك اللحظة أن يكتشف ان اقليعات في الليل اجمل من نينوى 0
مال رأس الصبي الى الخلف 0
سأله ( السمارتو ) بصوت خافت :
الا تريد ان ترى معي شمس اتونبشتم الجديدة ؟
سحب ( السمارتو ) اصابعه من يد الصبي النائم وانفرد بالليل0
كانت التراتيل القادمة من القمر غير نقية بسبب الكلمات المتبقية في سمعه من صوت يونس ، ولكنه تمكن ، في تلك الدقيقة من احتفاله ، من التقاط النغمة المترددة برتابة ، ومن الشعور بعذوبة ذلك اليقين وبتفرده0 أطلق بصره في العمق وتوحد مع النغمة التي أخذت تلقنه الكلمات ، واستطاع سمعه أن يسحب النداء من رائحة القير الحار ما أن اقترب القمر من اقليعات والتصق بالتل 0
رفع ( السمارتو ) الدلو ونهض0 حمل غصن الآس بيده اليمنى وحدد الجهات0 توجه بمنقاره نحو القمر ثم فتح جناحيه بين الشرق والغرب0 تصلب امام قوة الهواء الضاربة فيه وهو يرى كيف عادت الايام الأولة الى طين0
أنطفات اضواء النيونات من دائرة محيط الدولاب وتبعتها اضواء اشعة الحديد النابعة من نقطة المركز0 بدا له القمر بحمرته الخفيفة وبالخطوط الفحمية المتعرجة عليه اكبر من دائرة الدولاب وشاهد الضياء الاسود يجمع الغيوم عند اسس السماء0 تنفس ( السمارتو ) بعمق ساحبا صياح الريح القادمة من حريق الأفق وهو يرى الارض تتهشم كما تتحطم الجرة ، وفي الدائرة البيضاء شاهدهم 0 تلولبت الخطوط الفحمية وتحركت على قرص الضوء القمري بخفة دخانية0 قال مخاطبا يونس بصوت عال : أنظر 00 ها هي سفينتنا قادمة00 ها هو البناء العظيم يبحر في الموت وتحت مطر الهلاك تدفعه زوابع الريح الجنوبية0 قبضت يده التي تحمل غصن الآس على قلادة ادوات انتقامه 0 قطعها بقوة ثم قذف بها الى الليل وصاح : توقف يا اتونبشتم00 توقف وافتح الغطاء00 قل يا اتونبشتم00 قل : من يبحث لي عن اليابسة00 اتسمع يا يونس 00 اتسمع00 انا سمارتو الملاح يا صاحب الكوخ والجدار 00 الملاح يبحث لك عن اليابسة 00 خذ من طين بيتك وأمسح يدك على رأسي00 خذ من طين بيتك وامسح يدك على ظهري00 ها هي الاجنحة تنبت وها هو بصري ينظر اليك00 ها قد عدت يا اتونبشتم 00عدت اليك بالغصن والماء 00 وها هي ارضك الجديدة يا ابي تنتظر خطواتك 0افتح الغطاء يا اتونبشتم فهاهي شمسك الأولى تصبغ الأفق بنورها00 أخرج يا اتونبشتم مع بذور الحياة الى الرياح الآربع وقرب قربانك وأسكب الماء المقدس على قمة اقليعات00أنصب سبعة وسبعة قدور وكدس أسفلها القصب وخشب الأرز والآس ثم خذني معك الى فم الأنهار0
سقط رأس يونس على صدره فأستيقظ0 أستولى النعاس على جفنيه من جديد ولكنه تمكن من مشاهدة ( السمارتو ) في وقفته تلك ، واستطاع أن يسأله قبل أن يأخذه الطيران الى القمر ويتحول مع زرقة الفجر الى طائر من فحم :
متى نعود الى البيت يا مفجوع ؟
*****
تقابلت الريح بعد طيران ( السمارتو ) عند قمة الدولاب ولكنها سرعان ما اتفقت على أن تكون غربية شرقية ، وباعتدال تأرجحت العربة محافظة على نوم يونس الذي أخذ شكل جنين على خشب المقعد وهو يحتضن من حلمه آلة كمان صغيرة وبالقرب من رأسه الدلو المحفور بشجرة الطرفاء ومعه غصن الآس الأخضر0
 
 
الموصل 1 / نيسان / 1997
بغداد 14/ تشرين الاول / 1998
توضيح
السمارتو :
شخصية خيالية مركبة لا وجود لها في المثيولوجيا العراقية استوحاها المؤلف من المنحوتات الآشورية التي زينت جدران قصر الملك الآشوري آشور ناصربال ( 884-859 ق0م ) 0 أما أسم السمارتو فهو من وضع المؤلف0
مفجوع ملذوع :
عبارة تستخدم في اللهجة الموصلية للدعاء بالشر جعلها المؤلف اسما شعبيا لشخصية السمارتو0
3) هناك شخصيات كثيرة ترد في الرواية مثل ( مبعوج العين ، مطعوج الشايب،000 ) هي شخصيات خيالية من خلق المؤلف ولا وجود لها في الحكايات الشعبية الموصلية 0
4) اتونبشتم :
بطل الطوفان في الملاحم العراقية القديمة0
5) بيت ريدوتي :
قصر ولاية العهد الخالص بآشور بانيبال ويقع هذا القصر في مدينة تربيص الآشورية0
6) اللغة الاكدية :
لغة سامية ( بابلية – آشورية ) تستخدم الخط المسماري في الكتابة ازدهرت في الالف الثالث قبل الميلاد0
ال أدي :
ملاحظة يكتبها الناسخ الآشوري على الرقيم الطيني الذي ينسخه وترجمتها ( لم أفهم)0
8) هيبو لابيرو :
ملاحظة يكتبها الناسخ وترجمتها ( كسر قديم ) 0
9) ( أتا يونسا لو ملئي كرشكا اوري وموشي خدادو أتا )0 مقطع من ملحمة كلكامش كتب بالحروف العربية وهو من ترجمة طه باقر ، وقد قام المؤلف بالتصرف بهذا المقطع وأدخل أسم يونس عليه وترجمته هي : ( وأنت يا يونس ليكن كرشك مملوءا وافرح ليل نهار ) 0
10) سنحاريب :
ملك آشوري ( 705 – 681 ق 0 م )0
11) اسرحدون :
ملك آشوري ( 681 – 669 ق 0 م )0وهو لا يشبه اسرحدون الذي يظهر في الرواية0
12) آشور بانيبال :
ملك آشوري ( 668 – 627 ق 0 م ) لا علاقة له بآشور بانيبال الموجود في الرواية0
فرقد ملكو :
مذيعة في تلفزيون نينوى وهي مقدمة البرنامج الاسبوعي جريدة أم الربيعين التلفزيونية0
سويق لويق :
دقيق الحنطة المحمص والمخلوط مع السكر الناعم0
عجايا :
جمع عجي وهو الطفل اليتيم غير المؤدب0
تل اقليعات :
مدينة الموصل القديمة0