عولمة الرواية
نزار عبدالستار
قطعت الرواية ، منذ منتصف القرن التاسع عشر والى فترة مابين الحربين العالميتين ، سلسلة من المتغيرات كان اخطرها ما يتعلق باثبات الوجود امام التحولات المدنية الهائلة اثر ولادة فكرة الحياة العصرية التي جاء بها القرن العشرين . ان دعوة الاقتراب من الحياة التي اطلقها هنري جيمس هي بالاساس نبوءة على قدر كبير من المصداقية ، وقد اثبت الزمن لمؤيديه ، بعد قرن كامل ، قوة تلك الارادة التي قادت العالم الى مستقبل رسمه خيال روائي بعيد النظر مثل جيمس .
لقد وجدت دعوة الاحياء والتجديد في الامريكيتين والجزء الغربي من اوربا من يساندها ، وانتمى روائيو تلك البلدان ، على عجل ، الى عصبة من يريد اللحاق بركب الحياة الجديدة ، حتى ان ادب المقاومة الفرنسي ، وادب المعارضة الالماني ، كانا يعبران عن حيويتهما الواقعية اكثر من انشغالهما بتأسيس ايديولوجية معادية . واذا ما تتبعنا المسار التنظيري عبر تلك العقود ، نجد ان اغلب الذين عملوا على تجديد مفهوم التجربة الكتابية اكدوا على سلطة جديدة للمؤلف ، وبشروا بعقل الخالق الفني ، وليس بعين الخالق الفني التي مات عندها بلزاك .
على هذا الاساس نشط العديد من العباقرة ، وعلى مدى قرن ، في المحافظة على حياة الرواية كجنس مثير وجذاب ، وهم يتحسسون ، بقلق عصيب ، بوادر انقلاب المزاج العالمي الذي تشكل بوضوح مع ذبول القرن التاسع عشر . ان محاولة انعاش الرواية ودفعها لتكون متجددة وحاضرة وسط العالم المتمدن اخذت من الروائيين جهدا كبيرا . لقد تداول اساتذة هذا الفن ، عبر حيوات متتالية ، امكانية ان يواجه جنس الرواية تهديدات فنية كبيرة تقودها موجة الاختراعات العاصفة والتطور المدني الهائل ، وكان على الروائيين تحقيق مراجعة دقيقة وفحص نجاحات روائية باهرة عاشت لقرون دون ان تفقد بريقها الانساني وقوة جذبها . هذا الفحص نبه الكثيرين ومنهم فورستر الى كارثة الغرق في التفاصيل على الطريقة الانكليزية الباردة ، خاصة وان العالم الجديد اوجب تسجيل ملاحظات كثيرة وغائمة عن صورة الحياة مع تطور الانتاج ؛ فكان لابد للموهوبين من العودة الى المهارة الفرنسية الفلوبيرية ، واستغلال الثورة الطباعية في الترويج لرواية استهلاكية ، وانهاء دورة نمو الرواية عند نقطة لم يكن بالامكان الوصول اليها في السابق الا عبر طرق تقليدية وبروتوكولات حضارية متوارثة .
ان وصول الرواية الى نقطة الجماهيرية وبالتالي الى العالمية لم يكن بالشيء السهل ؛ ففي الثقافات المكابرة كان يمكن الاعتراف بثقافة معاصرة اخرى ، كقبول الانكليز بانسانية الروس ، واعتراف الروس بفضل الفرنسيين ، ولكن احدا لم يكن يهتم بالاقليات الحضارية على غرار الحب الذي قابل به غوتة الحضارة العربية والاسلامية . ان عبقريات جليلة كالتي منحها الله لرؤوس كبيرة مثل : ديستويفسكي وهيجو وبلزاك ابقت على هاجس التحدي في اناس مثل : هنري جيمس وجيمس جويس ولورنس ، وكان لابد من نقل الرواية من المرحلة النفسية الى الفكرية ثم الى المعرفية لكي تعود مرة اخرى الى نقطة الخيال المطلق . لهذا يصبح من الخطأ القول ان اساتذة الفن كانوا يطمحون الى اكتشاف تقنيات جديدة ، واغفال حقيقة انهم كانوا يبحثون عن المهارة .
ان حساسية الرواد الاوائل ادركت اهمية المحافظة على سعة الخيال الامر الذي دفعهم الى البحث عن وسيلة تمكن الرواية من البقاء والصمود حتى انتهاء الخليقة ، وكانت الفكرة البكر انذاك تتمثل في الحيوية . حيوية ما يكتبه الروائي ومدى قدرة الخيال على ان يكون تقدميا ويستنبط من اندفاع الحياة ، وان يكون متماهيا مع العصر ، ويرضي حاجات الانسان ، وله القدرة على تنشيط العقل وصناعة الدهشة والمتعة والخيال . ان مهمة البحث عن هكذا قوة اوقعت جيشا من النقاد والمؤرخين في اخطاء لاتغتفر وجعلتهم يردون على مغامرين افذاذ امثال : جيمس جويس وكونراد وفرجينيا وولف بنظريات معقدة . حدث هذا في وقت كانت الرواية فيه تحقق تقدما هائلا في كسب المزيد من القراء ، وفي التأسيس لانتشار واسع ، وهكذا استمرت الرواية في مواجهة ثورات المكننة واعاصير الالكترونيات والتوسعات الافقية والعمودية بثبات وثقة .
اننا نقف اليوم امام معجزات فنية جديدة كتبت بمهارة ويمكن بسهولة العثور فيها على الجهد الذي بذلته الرواية لكي تبقى مثيرة وقادرة على الجذب والاغراء . ان روايات مثل : اسم الوردة ، العطر ، اسمي احمر ، مدينة الاعاجيب ، هي نسخ مكتوبة على غرار اكثر الكلاسيكيات روعة من امثال : بؤساء هيجو ، وهاملت شكسبير . لقد ساهم التطور العلمي والتقني في احداث ردة عكسية ادت الى نبذ فكرة الفضاء الخارجي والاجرام السماوية والكائنات الفضائية والعودة مرة اخرى الى الثراء التاريخي وسيرة الحضارة والى مزاوجة التاريخي والواقعي بالخيالي ، وهنا تمكنت الرواية من استغلال الثقافات والانفتاح على العالم .
الرواية الان تعبر بواقعية عن اندماج العالم وقطبيته وعولمته ، وهي منذ انتهاء الحرب الباردة تسعى للكشف عن ثقافات جنوبية لاظهارها بشكل حي وفعال . لقد تم توظيف الخيال والمهارة في الرواية لتوحيد العالم في تاريخ جديد وثقافات متقاربة ، وهذا يضعها في مرتبة السبق خاصة وان مفهوم الالهام اصبح حالة واردة في ابتكار النظريات السياسية الجديدة .
لاشك ان بروز الرواية باعتبارها الجنس الادبي الاقدر على استيعاب الطبيعة الحضارية والانسانية لبشر الشمال الارضي يعطينا انموذجا لعمل فني يختلف كثيرا عن روايات تكتب في بلاد عربية او في مناطق مختلفة من اسيا وافريقيا . واذا دققنا النظر في اشخاص تلك البلدان الجنوبية من الذين نجحوا في طباعة ملايين النسخ من رواياتهم سنجد انهم على الاغلب من المؤهلين ليبدعوا على الطريقة الاوربية والامريكية الشمالية حيث تتوفر قدرات هائلة في تجارة الادب ، وبالمقابل فان رصيد البلاد العربية والافريقية من نسب الفقر والامية والتخلف السياسي لايشجع على ايجاد بيئة ملائمة لرواية جماهيرية . ان عولمة الرواية وظهورها كسلطة فنية تثبت بحكايات جازمة ان العالم قد تغير تهدد الكثير من الانماط الكتابية في بلاد الجنوب بالزوال خاصة وان معظم روايات تلك البلدان لاتتوفر فيها عناصر الجذب وهي غير ماهرة وتفتقر الى الخيال .
ان مكانة الرواية باعتبارها الاكثر شيوعا في بقاع متسلطة ومؤثرة من العالم يجعلها الجنس الاقدر على الاشباع الجمالي ، وهذا النجاح يحتم قبول دعوة الاخذ بالتجديد خاصة مع وجود فرصة حقيقية للاندماج مع العالم