American in my home
الامريكان في بيتي
نزار عبدالستار
كان واضحا ان الزمجرة المختنقة التي ايقظتني لم تصدر عن حلم او كابوس . بحثت اصابعي القلقة عن علبة السكائر لحظة ان ضرب الضوء الاصفر نافذتنا . انسحب الصوت ومات للحظات قبل ان يتجدد بوقع اقدام ثقيلة ، ويعود الضوء اكثر تركيزا كاشفا سحابة الدخان الثقيلة التي اطلقها فمي .
لكزت زوجتي في خاصرتها بعنف ، ورحت اردد وانا اترك فراشي على عجل : الامريكان .. الامريكان ..
اشباح الليل
هبطت مسرعا الى الطابق الارضي . سمعت ساعة ( الهول ) تدق ثلاث مرات وانا اصعد بالفانوس الى غرفة النوم . كانت استعداداتنا جيدة هذه المرة ، ولكننا لم نكن نقدر على ضبط خوفنا وخيبتنا . حملنا الاولاد وهبطنا الدرج بسرعة . خيل الي انني اسمع وقع اقدام تتحرك بسرعة وتدق السقوف . طلبت زوجتي ان اتمهل وانير لها غرفة القعدة حتى ترتدي المزيد من الملابس . لم يكن بوسعي الانتظار فقد اخذوا يطرقون علينا باب السطح . سألتني ان كنت قد سمعت تحليق الطائرة فأجبتها بالنفي . اعطيتها سلة الثياب والموبايل وطلبت ان تتصل بجارتنا ام رافع لكن الموبايل دق وهو في يدها . لحقت بي وانا اصعد الدرج وقالت : ام رافع وضعت السلم على السياج ورافع يجلس في البالكون اطمئن . تابعت صعودي والمغص يلوي امعائي اسفل بطني . زوجتي تصيح من الاسفل : اقرأ المعوذات . قلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، لكن الايات ضاعت ، ورحت ( اخربط ) . رفعت الفانوس بمستوى رأسي وفتحت الباب لارى امامي ثلاثة جنود امريكان يرفعون بنادق من نوع ( ام 16 ) بنواظير موجهة نحوي .
ثلاثتهم قالوا لي بصوت ممطوط : هاي .
احتلال البيت
تعرفت الى جندي واحد من الستة الذين احتلوا بيتي . كان اسمه مايكل ، وهو رجل ضخم الجثة ، اسود اللون ، وهو من قام بفتح باب الحوش لزملائه الاخرين . تمكنت من رؤية مدرعة السترايكر واقفة بباب البيت .
رافقت مايكل في جولة تفتيشة في الغرف . وجدته يقف ، كما يفعل في كل مرة ، باندهاش وحب امام ثلاجتنا الخضراء العجوز ، وهي امريكية نوع ( وستنج هاوس ) صنعت مطلع ستينيات القرن الماضي . فتح بابها وهو يمدح الصناعة الامريكية العظيمة ويربت ، بالتناوب ، بيد ثقيلة على كتفي وبابها . فتش دواليب المطبخ والحمام وعندما وصلنا الى غرفة القعدة طلبت منه ان لا يفتح الباب لان زوجتي واطفالي هناك . قلت له : ( ماي وايف آند ماي جلدرن ) ففهم قصدي وتراجع . تجرأت وطلبت منه بلغة الاشارة القردية ان يبعد السترايكر فرد بجملة طويلة لم افهم منها شيئا .
خرج ثلاثة منهم وعادوا بقاذفات انبوبية ضخمة ومناظير واجهزة اخرى لم يسبق لي رؤيتها . قادهم مايكل مباشرة الى غرفة نومي في الاعلى ثم هبط . تقدم نحوي احد الجنود ، واخذ بصمات كفي على ورقة سميكة تشبه ( كاغد صقل ) وهي عملية فحص متطورة جدا يقومون بها كلما احتلوا البيت ليتأكدوا من انني لم المس مادة بارودية او متفجرات ثم غاب الجندي قليلا وعاد ليعطي اشارة ( اوكي ) لمايكل .
اصدر مايكل اوامره لي وحذرني من الخروج من البيت ومن استخدام الهاتف الارضي او الموبايل ، وقال كلاما انكليزيا ليس فيه كلمة واحدة اعرفها ولكنني اعلم انهم جاءوا ليرصدوا الشارع عسى ان يصادفوا احدهم وهو يزرع لغما او اي شيء اخر . قلت ببلاهة ( اوكي ) وانا اسمع الـ ( سترايكر ) ذات القفص تتحرك مبتعدة عن البيت .
صعد الجنود الستة الى غرفة نومي وسمعتهم يتحدثون بصوت عال ويصدرون قهقهات هستيرية بعدها سمعتهم يرفعون السرير ليتمكنوا من مراقبة الشارع من النافذة ؛ فهم يفعلون هذا في كل مرة ، ثم مالبث ان ساد الهدوء تماما .
فتحت باب غرفة القعدة . وجدت زوجتي منتفخة بالثياب ، ومشدودة الرأس بمنشفة الحمام السميكة ، تحضن القرآن بين كومتين من البطانيات اخفت تحتهما الاولاد .
اخذت بطانية وعلبة سكائر غير مفتوحة ، واغلقت عليهم الباب بالمفتاح ، وجلست في الهول الداخلي قبالة السلم ورحت ادخن واتصيد الاصوات بينما الساعة تدق دقة واحدة معلنة عن الثالثة والنصف بعد منتصف الليل .
لست ارهابيا .. لست عميلا
هذه هي المرة الرابعة التي يحتلون فيها بيتي . كانت المرة الاولى مرعبة جدا وشاء حظي ان اعثر بينهم على عراقي ملّثم ، وهو مترجم من مدينة كركوك كان طيبا معي ، واخبرني ان ( الجماعة ) يريدون مراقبة الشارع العام الذي تفصلنا عنه قطعة ارض واسعة غير مبنية ، واعلمني ان الامر ليس فيه شبهة ، وانهم لن يؤذوني بل على العكس يقدرون قلقي وخوفي ولكن هذا الكلام لم يكن صحيحا او انه لم يستمر في تلك الليلة عند هذا الحد فقط ؛ فقد نام الاخ العراقي بعد ان شرب نصف زجاجة ويسكي وتركني وحدي حتى الفجر مع الامريكان الذين عاثوا في البيت خرابا .
في ذلك اليوم عشت اتعس ساعات حياتي . كنت منهارا و مرعوبا الى درجة خيل الي انني على وشك الاصابة بجلطة في الدماغ . كان الوقت اثقل من جبل هلكرد على قلبي .
جندي صغير السن ، وضعيف البنية ، كان شديد التوتر . يصعد وينزل باستمرار ويوجه بندقيته نحوي ويشتمني دون سبب . كل الشتائم التي اسمعها في الافلام الامريكية وجهت الي وكان علي ان اتقبلها بابتسامه رغم انها لم تكن ( تبا لك ) او ( اللعنة ) كما ترد ترجمتها في الافلام .
وجدتهم يقومون بجولات تفتيشية كل ساعة او ساعتين . يقلبون اثاث البيت ويعبثون في كل شيء ماعدا الغرفة التي جلست فيها زوجتي و الاولاد والتي قام بتفتيشها العراقي قبل ان يأخذ موافقة الامريكان على منحها لنا .
لم اكتشف الخراب الذي لحق بنا الا بعد مغادرتهم البيت فجرا . وجدت غرفة نومي مدمرة تماما وكانهم فجروا قنبلة بداخلها . كل محتوياتها ملوثة بفضلات الطعام والطين والبول . وبعد ساعات اكتشفت انهم قد تغوطوا في السطح وعبثوا بمحتويات المطبخ والثلاجة ومخزن المؤن وثقبوا اكياس الطحين والرز بسكاكينهم .
لا ثمن
القضية الاصعب التي واجهتني بعد رحيلهم الاول هي كيف افسر وجودهم في بيتي لجيراني واهالي الحي وكانت تلك هي مصيبة المصائب فانا بالاساس من اكثر البشر قلقا بسبب تكتمي على مهنتي وهي الصحافة وثانيا انا من اهل الله المسالمين واختلاطي بسكان الحي غير اجتماعي واعتقد ان سلوكي العام كان يشي بشكوك كثيرة خاصة وان منطقتي السكنية من اكثر مناطق الموصل سخونة ، وكنت اتهرب من الاحاديث العامة لكي لا تصدم افكاري اصحاب الشعارات البالية وانا بصراحة اعيش مرعوبا جدا واخاف على نفسي من شك جاهل لايرحم وجاءت هذه المصيبة لتهز كياني وتزلزله .
اقربائي اشاروا الي ان احسن التصرف وابرر وجود الامريكان في بيتي للناس والا فان الامر قد يجعلني صيدا سهلا لكثيرين . فكرت بهذا مليا خاصة وان الامريكان غادروا فجرا لتنشب عصرا معركة عنيفة بالقاذفات امام بيتي بين المسلحين ودورية مشتركة . وبعدها بيوم انفجر لغم في المنطقة نفسها ، ووقعت اشتباكات مع الشرطة امام البيت ، وتفاقم الامر حين احتل الامريكان بيتي للمرة الثانية . ورحت اشك بكل شيء . اراقب الشارع مثل المجنون ، وافسر النظرة التي توجه الي حتى وان جاءت من طفل في الشارع على انها عين رقيب او جاسوس .
اهل زوجتي طالبوني بموقف وتكلموا مع الجيران بهذا وانا لا اعرف ماذا افعل وكان السؤال هو لمن اشرح موقفي وماذا اقول . وهنا جاءت لزوجتي فكرة ساذجة وقالت وهي شاحبة الوجه ويابسة الشفتين :
ـ تكلم مع البعثيين الذين في الحي ومع ائمة المساجد .
قلت بانكسار :
ـ انا وانت والاولاد سنكون ثمنا بخسا للطرفين . . لا احد سيكترث لموتنا او حياتنا .
ابني يطلق النار على الامريكان
الجنود الذين جاءوا في المرة الثانية كانوا اكثر تحضرا واقل عنفا . جاءوا عصرا . انزلتهم السترايكر وذهبت ، وقاموا بطرق الباب بشكل طبيعي ، وسمحت لهم بالدخول . كان ابني ( نسميه كركش تحببا وهو ابن ثلاث سنوات ) يحمل لعبة على شكل مسدس من البلاستك . والشيطان ما ان شاهد الجنود يدخلون حتى قام بتوجيه سلاحه اليهم واطلق من فمه كلمات : ( طاخ .. طاخ .. طاخ ) .
وجدت ثلاثة منهم يسقطون ارضا مع بنادقهم ويلفظون انفاسهم على الارض بطريقة تمثيلية . تجمدنا انا وكركش امام المنظر بينما الامريكان على موتهم دون حراك . صرخ كركش باكيا وركض الى امه .
كان بينهم مايكل الاسود الذي حاول تهدئتي بحركات امريكية بقبضة اليد كتلك التي نراها في الافلام بين الاحبة من اولاد الشوارع النيويوركية . مايكل هذا احترمني جدا عندما وجد انني احتفظ بثلاجة الـ ( وستنج هاوس ) التي اشتراها ابي عام 1963 وما تزال حية ترزق .
مايكل يستحم
احتلوا غرفة نومي وقاموا بالخطوات نفسها التي قام بها جنود المرة الاولى ولكن هؤلاء اظهروا انبهارا غريبا بالبيت ومحتوياته مما اثار قلقي وكانت رغباتهم الغريبة مصدر ارعاب بالنسبة لي فقد طلب مايكل بعد ساعات من تواجدهم ان يستحم .
افهمني انه بحاجة الى حمام ساخن . ارشدته الى المكان واعطيته علبة شامبو وصابونة حلبية جديدة . غاب مايكل قرابة الساعة وهو يغني ثم خرج مرتديا ملابسه العسكرية مع الحذاء كما دخل . شكرني بطريقة لطيفة فاحسست تجاهه بعاطفة غريبة وقلت لنفسي انه مجرد ( ابو خليل امريكي طايح حظ ) وعرضت عليه ان اصنع له الشاي فوافق .
مايكل يلعب الطاولي ويعرض علي شراء البيت
لعبنا الورق معا ونحن ندخن بشراهة ونحتسي الشاي في الهول الداخلي بينما باقي الجنود في غرفة نومي .
علمت مايكل لعبة الطاولي فاحبها جدا . كنا نتحاور بلغة الاشارة وكنت ابذل مجهودا في تركيب الجمل البسيطة وهو يصحح لي . وجدته يكرر اعجابه بالبيت وفهمت ان بيتا كهذا في امريكا يشكل ثروة كبيرة وسألني ان كنت ارغب في بيعه له .
ارعبني طلبه ، ولكنه حاول ان يفهمني ان القانون سيسمح مستقبلا للاجانب بالتملك في العراق ، وانه سيدفع حينها مبلغا كبيرا في حالة حدوث ذلك وموافقتي . سألته ان كان يرغب بالبقاء في العراق فاجابني بالايجاب وكشف عن اسنان ناصعة البياض وهو يضحك ثم قال ان العراق سيكون بعد القبض على الزرقاوي ( نايس )
استعدادات مكثفة
سألت مايكل عند مغادرته البيت ان كانوا سيعودون مرة اخرى فقال انهم سيفعلون هذا اذا وجدوا ضرور لذلك .
قمنا بنقل حاجياتنا الى الغرفة السفلية . لم نبق سوى على الفراش في الطابق الاعلى . اشتريت كميات كبيرة من السكائر والمؤن واجرت زوجتي تدريبات على اجتياز السور الى بيت الجيران في حالة الطواريء .
نقلنا الاشياء الثمينة الى بيت اخت زوجتي وقمت بجلب جرس كهربائي اوصلته الى بيت ام رافع انبه به الجيران الى ان الامريكان في بيتي . وضعنا الجرس في غرفة رافع واوصلت السلك الى الهول الداخلي لبيتي واخفيت زر التشغيل خلف مسند القنبة حيث يمكنني الضغط عليه بحركة طبيعية . وقد تطوع رافع بحمل السلاح والجلوس في البالكون حيث يسهل عليه القفز والانتقال الى بالكوننا لقرب المسافة بين البيتين كما قمت برفع الحماية الحديدية عن شباك الغرفة السفلية حتى تتمكن زوجتي من العبور عبر النافذة الى الطارمة الخلفية وتتسلق السور الى بيت الجيران حين اطلق اشارة صوتية ، جرى الاتفاق عليها ، في حالة تعرضي الى اعتداء او شكي بتصرف اهوج من احد الجنود .
ولمزيد من الحرص وتحقيقا للنظافة التي احبها ذهبت الى خطاط في الحي كتب لي على ورق مقوى عبارات : ( use Toilte please ) و ( Keep the Room clean please ) وعلقتها على حائط غرفة نومي .
حالة رعب
فقدنا احساسنا بملكيتنا للبيت . عشنا كالغرباء وكل حواسنا مشدودة الى الاصوات في الخارج . بقينا لايام لا نفتح التلفزيون ولا نمارس حياتنا الطبيعية. ننام بشكل متقطع ولا اغفو الا فجرا . نتكلم همسا ونتحرك بخفة وكاننا ملائكة او اشباح . نتكهرب اذا دق احدهم جرس الباب .
اتصلنا بكل معارفنا وابلغناهم ان يقطعوا الزيارات فقاموا من جانبهم بتقليل الاتصالات الهاتفية حتى نسونا تماما . وفي كل يوم يمر علينا نزداد قلقا ونقوم بتشديد المراقبة وتكثيف الاستعدادات .
قلبنا البيت رأسا على عقب بحثا عن اجهزة تصنت او كاميرات بحجم رأس الدبوس ولكن عدم العثور على شيء كان يسبب لنا رعبا من نوع اخر فاضعف صوت تحدثه فأرة جائعة يمكن ان يفرغ عروقنا من الدم .
قلق الانتظار تسبب لنا بامراض نفسية فكنا نتساءل قبل ان نلمس اي شيء ان كان الامريكان قد لمسوا هذا الشيء في آخر عملية دهم . رمينا بفرش اسناننا وباغطية الاسرة الى المزبلة وتمنينا ان ( تخرب ) الـ ( وستنج هاوس ) وكرهنا الببسي .
وجدتني زوجتي في يوم اذهب واجيء وانا اردد مع نفسي : مايكل قال انهم سيعودون .. لقد تأخروا .
في المرة الثالثة
كانت المرة الثالثة هي الاكثر رعبا . ثلاثة جنود تفوح منهم رائحة نتنة جاءوا بمعدات ضخمة تسببت بكسر زجاج نافذة غرفة نومي العلوية . فتشوا البيت بعنف وجعلوني اقف رافع اليدين لساعة واخذوا ينخسون بطني بفوهات بنادقهم وهم يشتموني .
اثار سلوك الجنود مخاوفي فاشرت الى زوجتى ان تهرب بالاطفال الى بيت الجيران . فعلت ذلك بعد ان غاب الجنود في غرفة نومي . لم احسب ان هذا الاجراء سيقلق رافع وانه قد يقدم على فعل ما لظنه انني احتاج الى مساعدة .
بعد نصف ساعة سمعت طرقا عنيفا على باب البيت فهبط احد الجنود مسرعا ودفعني وسلاحه في ظهري الى فتح الباب . وجدت رافع برفقة خمسة اشخاص ثلاثة منهم بزي الجيش العراقي . تعرفت الى ابن المختار بينهم . وهو شاب يجيد اللغة الانكليزية .
اخبرني رافع انه لجأ الى دورية قريبة وطلب المساعدة من ضابط عراقي برتبة ملازم وانه جلب ابن المختار ليتكلم مع الامريكان . سألني الملازم ان كنت احتاج الى شيء فتقدم ابن المختار وخاطب الجندي الامريكي الذي كان يقف خلف باب المطبخ الا ان الجندي لم يرد .
سمعنا على الفور زمجرة قوية وشاهدنا ثلاث مدرعات نوع سترايكر تقف امام البيت ويترجل منها سبعة جنود امريكان . وجهت كشافات الضوء نحو البيت بينما قام الجنود بتطويقنا واخذ وضع الاستعداد لاطلاق النار . فسارع ابن المختار الى مخاطبة الجنود الامريكان .
رأيت مايكل يخرج من بطن السترايكر وهو يضحك واخذ يتحاور مع الجنود العراقيين ولكنه لم يلتفت الي ولم يظهر اية علامة ود . جاءني الملازم العراقي وطلب مني التعاون وعدم القلق .
بقيت المدرعات امام البيت قرابة الساعة . وعاد الجنود الامريكان الى غرفة نومي ومكثوا هناك حتى شروق الشمس .