رائحة السينما
قصة قصيرة
نزار عبدالستار

 

رائحة السينما
نزار عبدالستار
منذ ان اضاع حظه فرصة السفر مع كنعان وصفي الى القاهرة، وهو يحسد حسن فاشل، ويغار من صبحي صبري، ولا يتكلم مع غازي فيصل، يقضي اوقات انتظاره الصعبة في العلبة الخشبية التي حصنته مـن مخاوف الليلة الاولى في القبر، يحك الرف كرشه، وتخطط مسامير الباب ظهره، وهو يزخ عرقه الدائمي تحت واطات الكلوب، واصابعه تقص البطائق للداخلين الى سينما اطلس.
عمته صبرية تحب هذه الحركة في اصابعه التي تقص الهواء في البيت وتظنها بشارة خير، ولكنه في توتره الابدي وتقلباته الذهنية لا يحرك احياناً غير الوسطى. فتقول عمته وهي تحزق ملفعها مقمطة رأسها المحمر:
- سأزوجك ولو من كلبة جرباء.
وعندما تجده يصب المرق على الرز، ويجلس ليأكل بباب المطبخ مثل المكادي، تعرف انه بدأ يتذكر سمية، فتسأله:
- هل رأيت شفاء العمري ؟
يرد بعد ان ينسف نصف الماعون:
- يقولون انه ذهب ليخرج مسرحية اخوات زوجتي على مسرح دو ريدو فيرت في مدينة مونتريال.
يحتار بخجله وهي تأخذ منه ملابسه المتسخة برائحة السينما، وتمسح عينه اليسرى بالقطن المبلل بالشاي. كانت غالباً ما تجد الفرصة لاخباره ان المتزوجين لا تتسخ ملابسهم الداخلية. تقرصه بلسانها لتؤدبه لانها تظن ان اليتيم عندما يصل عمره الى الخمسين يكون بحاجة الى من يعاقبه على افعاله الحمارية حتى يعلم انه سيموت قريبا. وقبل ان تتركه لليله تطلب منه ان يكسر الثلج بهدوء لان ذلك الصوت البارد يؤثر على مفاصلها، وفي طريقها الى فراشها، تكذب قائلة:
- لا تقلق سيعود.. امه قالت لي انه يحب المغول ولابد ان يجعلهم فرجة للناس.
*********
حافظ على التنافر في شكله لان الشر هو الوسيلة الاوفر حظا. كان كلما نظر في الاشياء العاكسة الى انفه الباذنجاني، وحفريات الجدري، والشارب القنفذي، وضخامته التي تصعب على الابواب، وسمع صوته الصحراوي الجـاف، يزداد ثقـة بأن الامور تسير لصالحه،
ويقول لنفسه ان عليه ان يقتل، ويضرب، ويسرق، ويقود العصابة ما دام المجرم في النهاية لا يستطيع الفرار من احتقار الشرطي. احب اللونين: الاحمر والاسود، وكان يؤجل ارجاع ما بذمته من نقود للداخلين الى السينما الى ما بعد العرض بحجة انه ليس (بنكا)، ويحبس نفسه في المرافق الصحية حتى يسمع الصراخ في حجرة الادارة، ويفتخر بصداقته للرباع الشهير طارق الاديب، ويستعين باقربائه، ابطال آسيا في المصارعة، الذين يمارسون مهنة بيع (الكاز) على تشاؤم عبدالفتاح جنجون، مدير السينما، الذي اخذ يكثر من عرض افلام مخلوقات الفضاء منذ ان عمل معه. كان يسعى الى اكتساب المهارة في معاركه المفتعلة رغم ان الحصة التموينية كاملة الوزن، واسطوانة الغاز متخمة، وعداد الماء لا يدور بالهواء. هو لم يكن هكذا قبل مسرحية ( لاغبار.. لا احد ) واضطر الذين يحترمون سمعة بيته الى رد تهوره باثقل الوسائل، فيعود الى عمته في زفة عظيمة، تلطم لها عوانس العتبات، والدماء تنبع من وجهه. يتدحرج متألماً بالقرب من الدرج الصاعد الى حجرته، ثم يفقد وعيه علـى برودة الكاشي، وحفرة سرته التي لا يسدها الدرهم ظاهرة من القميص الممزق لفضول النسوان. وفي اليوم التالي يذهب لينتقم، وعمته لا ترفع العباءة عن رأسها. تركض خلفه هنا وهناك جامعة له اولاد اخواله من شوارع وازقة محلة النبي شيت لتنشر سواعدهم الموشومة برسوم انجازاتهم في بانكوك وموسكو بين رجال الزقاق ومجلس شيوخ المختار. وقبل موعد جرس العرض الاول تعود به الطنابر التي تجرها الخيول الهزيلة الى السينما وسط الاصوات الصارخة:
- كاز.. كاز.

لم يحاول ابداً كشـف اسرار هذا الجمال الذي يبعج قلبه. كان يحب ان يجد من يقول لـه ان الاقدار تعمل كما يجب، وان الامور تجري بسرعة، ويشاهد الذين تهملهم الدنيا ينالون المحبة قبل اضاءة الصالة، لذلك كان يضحي باستمرار ويظن ان الحقيقة ستظهر بعد نصف ساعة، ويكره ان يتكلم مع مشغلي جهاز العرض الذين يضحكون دائماً لان السحر – كما تقول صبرية – انظف من الساحر. لم يكن يجرؤ على النظر الى الشاشة وهي ببياضها العاري حتى لا يقل احترامه لنفسه. يحافظ بقدسية على حضور لحظة انطفاء الاضواء التي لا يتركها تفر من التزامه بعمله. يعشق السواد الوقتي الذي يوقف البصر ويمرن الحواس في هرس الاقدام وتلمس الاكتاف وينقي القلوب في حوارات البحث عن الكراسي الفارغة. يعيش لذة ذلك الوقت بكل تفاصيله المهيجة للفرح الروحي. يدخل اصابعه في فمه ويطلق الصفير الابتدائي، ويشعل السيكارة الاولى من السكائر المقسمة على اوقات العرض رغم انه لا يدخن الا برفقة حصته اليومية من (دبية العرق) البعشيقي ولا يشاهد من

العرض سوى الافتتاحية المبهجة. يملأ صدره بتلك الرائحة العصية على ساحبات الهواء ويصغي طرباً الى طقطقة الكراسي تحت الاشعة الفضية المتدفقة من ثقب المتعة السري، بينما عبدالفتاح جنجون يقص البطائق مهددا نفسه ببيع السينما. وعندما يكون الفيلم جديداً تجده عمته صبرية اقل وقارا واكثر حركة وينسى تماماً اسمه الجديد، فتسأله وهي تمسح عينه اليسرى بالشاي:
- هي رأيت شفاء العمري ؟
يرد وهو يحاول باستلقائه القيصري على (قنبة) الحوش ادخال الهواء الى لباسه الداخلي:
- يقولون انه سافر الى فرنسا ليرأس لجنة التحكيم في مهرجان كان.
*********
كانت صبرية تثق باحلامها التي اعلمتها ان هذا الولد سيصبح شيئاً مهما ورمت حملها على خالق الخلق من كثرة الهم الذي اثقل قلبها، وهي تراه افقر من الحمار، لا يحل ولا يربط، وله قلب سمكة. عاشت نصف عمرها معه ولم تفهم منه سوى انه يستطيع ان يكون اكثر من رجل وفي عدة اماكن وفي مختلف الازمنة. خبص امة محمد الى ان فهمت لماذا كان في اوقاته الغريبة يتهمها بخيانة زوجها، وفي عينيه ذلك الانتقام العاجز، ويقول لها انه لا يثمن حياته بفلسين. كانت تعثر عليه في ليله القاسي وقد انهكه ماء بعشيقة الابيض، يطلب من شبح ابيه ان يتوقف ليكلمه. كلمته كثيراً، ولكنها وجدت ان هذه الطريقة افضل له من الاستسلام تماماً لشخصيته الوحيدة. كانت تتمنى ألاّ يكون كما هو عليه، يصدق كل ما يقال له، وينام مثل اهل الكهف، ويفرح بالصديق الجديد، يشده اليه بكثرة ما يكشف له من اسرار خطيرة. وبعد اسبوع تقل الطرق التي يسلكها وهو في دربه الى السينما، ولا يجد لتسليته المقهى التي لا احد يعرف فيها انه سجن خمس مرات لاسباب اخلاقية، وانه احد اشهر ثلاثة مهربين في تاريخ الحدود مـع سوريا، وان عمته تعمل حفافة، وانها لا تحفظ اسرار النسوان. ماتت صبرية ولم تعرف لماذا كان يلوث سمعته بالاكاذيب، ولكنها ادركت ان روحه ستطلع قبل روحها اذا لم يجد من يستثمر مواهبه التي بدأت تدمره. اخذته من يده وذهبت به الى النبي يونس. قطع التل قلبها. ثم ركبا باصاً وعادا الى باب الطوب. تذكرت انها بحاجة الى صور لدفتر امراضها المزمنة، فطلبت منه ان ينتهز فرصة تأخرها عند مصور نوار في شارع حلب ليذهب الى جلال جميل ويفاتحه بشأن العمل معه على المسرح. وامام مكوى الاندلس وقفت تقرأ المعوذات تحت ملابس الشتاء المعلقة فوق رأسها، وفي الجو رائحة رطبة تخربش الانوف. اطلق عليها الانبوب المطروح على الارض البخار الابيض الكثيف، فبدت له وهو يبتعد وكأنها هبطت من السماء. عبر شارع الجمهورية ودخل الى مقهى البجاري وهو يردد الكلام مع نفسه، ولكنه لم يستطع ان يقول لجلال جميل اكثر من ان عمته صبرية تسلم عليه وتريده ان يعمل معه في التمثيل.
اشترى من مكتبة بسام اعدادا هائلة من مجلة المسرح المصرية، ستينية الصدور، قسمها على المناضد والاماكن التي تستوقفه في البيت، وملأ بها حقيبة جلدية كانت عينه عليها، اشتراها بالتقسيط من محاسب متقاعد. وفي الشهرين اللذين استغرقتهما التدريبات مع جلال جميل في مسرحية ( لا غبار.. لا احد ) بدأت مطاردته العنيفة لغازي فيصل من اجل عضوية النقابة. وفي هذه الفترة اخذ يفسر نظرات سمية بطريقة لم يعد يشعر فيها بالارتياح مع وسادته. لم تستطع عمته صبرية معرفة ما يحدث له في تلك الكواليس البعيدة. كان يذهب وهي نائمة، ويعود وهي تحلم على سريرها الذي عزله (تول) (الكلة) عن البعوض والصراصير المجنحة، ولكنه كان يترك لها في المطبخ الخالي من قشور الخيار والثوم، وملابسه المغسولة، و(بواطي) اللبن الخالية من رائحة الجاموس ما يعلمها انه بخير. وفي اليوم الموعود سحلها من يدها وعبر بها جسر الحرية وهو هائج الروح مثل كافر، يهددها بين لحظة واخرى بالقاء نفسه في النهر اذا لم تكف عن الجلوس على الارض في كل خمس خطوات. نبشت باللعنات قبور امواته ما ان ظنت انها لن تصل الى قاعة الربيع حية ترزق. لم يستطع جلال جميل معرفة سر رائحة (الكاز) التي ملأت القاعة معززة قناعة النخبة التي شاهدت العرض بان العالم سيحترق. كان يظن ان عمته صبرية ستعرفه من ظهره ومؤخرته التي تشبه خارطة استراليا. لم تر غير طلال الحسيني الذي كان يقفز باستمرار وسط المرايا وكأن هناك من يرجمه بالاحجار، وعندما وقف امامها بعد انتهاء المسرحية وعلى وجهه المفتوح ابتسامة عريضة تستطلع رأيها. قالت له وهي تمسك بحنكها:
- عميت عينك.. لماذا لم تمثل على المسرح ؟
رد لاهثا وهو يرفع بنطلونه الكاوبوي:
- كيف لم أمثل ؟.. انا يا عمتي كنت احرك المرآة رقم واحد.
*********
عادت رائحة السينما لتظهر في ملابسه، واخذ يقول لعمته انه يرى الحياة بشكل مختلف ما ان بدأت عينه اليسرى تريه الجانب الاخر منه في حلة من ضباب. عاد يصنع الطائرات الورقية لعجايا المحلة وفي اعماقه من يهمس له: انك لن تستطيع ان تقول لسمية مرحبا. ومن وراء ظهر عمته كان يجلس في مقهى البجاري، يسجل استكانات الشاي على حسابه ويتحدث عن المسرح الستيني، وينتظر مرور شفاء العمري. كان يبدو عليه انه يعرف كل شيء، وليس كما كانت تظن صبرية فتعامله على مقدار عقله. ما يحدث له اطول بكثير مما يجب، وليس فيه تلك المصادفة العجيبة او ذلك الحق الذي لن يضيع.
جند عمال المطاعم على الشريط الشرقي لشارع الدواسة، بدءاً من مطعم فلافل بدر وحتى لحم بعجين المدينة، واستخدم بائعي الباقلاء كنقاط مراقبة بدءا من عمارة القدس وحتى سينما سميراميس. واوقف عربات بيع الملابس الرخيصة في الطرق المتفرعة من شارع حلب باتجاه شارع الجمهورية، واضعا الجانب المقابل الممتد من مختبر نينوى للتصوير وحتى بناية المتحف تحت سيطرة العيون. وعندما جاءته المكالمة الهاتفية الى غرفة ادارة السينما تأكد عبدالفتاح جنجون من صحة تكهناته واخذ يراجع كلماته الف مرة قبل ان يرد عليه قائلاً: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وامام تسجيلات (كلمة ونغم) استطاع الامساك بشفاء العمري. دار الحديث بينهما حول شجون المسرح الجاد، ثم سارا باتجاه حديقة الشهداء. وعلى رخامة قبر خير الدين العمري وقف شفاء ليشاهده وهو يمسك غصن صنوبر مسكة الجندي لسيفه، جاعلاً من قبر رئيس البلدية زوج امه الراكع للصلاة. اخذ يطلق كلماته الشكسبيرية مشنجا عضلات وجهه وبطنه قائلا انها ليست الفرصة المناسبة للانتقام، وانه لن يرسل القاتل الى السماء وهو بلا ذنوب. صفق له شفاء العمري باعجاب وقال بما تبقى لاعصابه من هدوء ان شكله يذكره بمرحلة تاريخية مظلمة، وانه بهذه الهيئة يشبه جنكيز خان تماماً. واخبره انه منذ زمن طويل يبحث عن فرصة لتقديم المغول على المسرح برؤية جديدة، وحتما سيقع اختياره عليه حين يمسك بهذه الفرصة.
بدا عليه انه امتلك القرار الاكثر شراسة، وكان في استراحات مولدة الكهرباء ينصهر بطريقة لا تؤكد انه اعتاد على شيء، وانما تشير بوضوح الى عذابه الاصيل، وكأن هذه الاوقات الطبيعية من اليوم هي عودته الاضطرارية الى جهنم. تتلوى روحه في عينيه ولا يستطيع ان يقول لعمته إنه لا يعرف كيف يتمكن الذكور من فرض هذا الايحاء الخاص بالرجولة بلا افعال متهورة ودون ان يكون هناك نساء. كانت صبرية تستطيع رؤية الخلاف القائم بين انفه وفمه، وما تفعله اليد اليمنى باليسرى، وذلك الشذوذ السكري الطارئ على مثانته. وتلمح الضياع الاعمى على قدميه. تجد اليمنى تتقدم واليسرى تسير الى الخلف، لذلك كان لا يعرف لماذا دخل الى المطبخ. وعندما يفتح باب الحوش لا يقول لها انه سيخرج. ينهض من سريره قبل انتهاء الحلم، ويضطر الى اخذ ابرة وخيط لانه في الحقيقة لا يعرف لماذا ينظر باعجاب الى ماكنة الـ (سنجر) فتنتشله من التيه قائلة له ان هذه المكائن صنعت من اجل ان تكون سيقان النسوان قادرة على المقاومة. ينتفض قلبه وهي تخبره ان ليس في المرأة ما يستحق جنونه. تقول هذا لانه حتماً لن يعرف ابدا ان ما تفعله سمية به هو شيء يحدث للذين يخجلون من الكشف عن فحولتهم، ولكنه يتحفظ على حماقته تاركـا عمته تثقف عواطفه دون ان تفهم ان سمية، المشهورة بين شباب باب لكش باسم لولو برازيلي، هي الوحيدة التي أعلمته اكثر من مديرية الاحوال المدنية، وتجنيد الموصل الثانية، واحصاء عام 1997 انه من البشر الذين يسيرون على الارض.
تسأله وهي اكثر حزناً عليه من ثالث ايام سوادها على زوجها الذي سحقه (اللوري) حين كان ينام في ظله:
- هل رأيت شفاء العمري ؟
يرد وهو في الفراغ:
- يقولون انه ذهب ليعمل خبير متفجرات في فيلم وداعا بونابرت.
عادت صبرية الى البيت لتجده قد نقع كتبه في طشت النحاس واستباح قلبه تاركاً عمته ومحلة باب لكش خلف الجدار الرابع. بدا في سلوكه الجديد اكثر تصميماً على الظهور بأقسى واعنف وابشع ما يستطيع متعايشا مع حقده على الحضارة والحبر الازرق. وتوقف مرغما عن مشاركة صغار الزقاق في الاعداد لموسم رياح الطائرات الورقية، وكف تماماً عن اطعام دجاج الحاج عبدالباسط بما تقتطعه عمته من طبخها للعشاء. وافهم الجيران انه ليس حمالاً، وان عليهم الاعتماد على انفسهم في نقل الحصة التموينية. وحلف بتراب امه انه سيبيع البيت ويدخل عمته الى دار العجزة ان هي تركت المكانس والصحون والاقداح ودست الباجة وكاسات الشوربة والملاعق تحت تصرف مناسبات الزقاق وافراحه. وقال لها علينا ان نعرف كيف تمشي الدنيا. ويوم ضربه جمعة الاسكافي على عينه اليسرى وعاد الى البيت ويده عليها صرخت عمته صبرية:
- ماذا جرى لعينك ؟
قال بذل المستسلم:
- هذه عين جالوت يا عمتي !
اخذته صبرية من يده وذهبت الى بيت عدلة الحكيمة التي فحصت عينه ببركة اولياء رأس الجادة، ثم كسرت بيضة كبيرة اخذت منها بياضها وخلطته مع معلقة شاي من الدهن الحر. وضعت المزيج في منديل اخضر اللون طرزته اسماء الله الحسنى. عصرته في عينه وقالت له اذهب الى بيتك وتزوج بدلاً من هدر قوتك على القنادر.
كان يرفع بصبر ارملة عن البصلة قشرتها اليابسة وماعون البرغل في حضنه عندما قال لصبرية دون ان ينظر اليها:
- عمتي.. يبدو انني صرت ازرق اليمامة.
ردت وهي تعثر في جيب دشداشتها العميق على حبة
بطم مكسورة القشر:
- مليح.
ظنها مثله، لا تعرف ماذا يمكن ان يحدث له بعد ذلك، واضطر لان يقول لها بطريقة متواضعة وكأن ما يقع ليس فيه غرابة:
- ارى ام سعد قادمة الينا وفي يدها ربع كيلو سكر.
ومن باب الحوش اطلت ام سعد برأسها ملقية السلام على اهل البيت وقائلة بان سعدا سيتزوج في يوم الخميس. اخذته صبرية من يده وتركته في بيت عبدالباسط بالقرب من التليفون وذهبت الى ابعد نقطة في الجانب الاخر من المدينة، وبعد ساعة دق جرس التليفون ليجد عمته تسأله وهي في اقصى ما يمكن ان يصل اليه باص التحرير:
- ما نوع السيارة التي تقف امام مرطبات العصفورة ؟
اجابها باختناق ورؤوس الحاج عبدالباسط وعبد حيزان القصاب وحسيب مؤذن جامع بلال الحبشي واسماعيل النعلبند صاحب فرن الصمون تتناطح على السماعة:
- لا ارى اية سيارة تقف امام مرطبات العصفورة، ولكنني استطع اخبارك ان قدح الشربت الذي في يدك لونه اصفر.
*********
حصنوه بسعادة غير معلنة. هو ايضا كان لا ينتظر حدوث هذا في مثل هذه الفترة من استعداداته المبكرة، ولكنه كتم برهانه لاعتبارات منطقية تتعلق بحروب الازمنة الغابرة وعقائدها الجنسية. انتعش الزقاق بالسرور رغم جهل الناس بالفائدة التي ستعم. ظهروا في فرحهم وكأنهم يستعملون عواطفهم في حفلة ختان، ولانه كان يشرب الخمر فقد رسخ عبد الباسط في الاذهان حقيقة ان الطب الشعبي في تطور مما جعلهم يشعرون بالقلق والخوف من الاشياء التي تحيطهم، وباتوا لا يستطيعون النظر الى السيارات على انها سيارات تسير في الشارع، وكثيرا ما تخيلوا الدكاكين وبناية شركة التأمين وعمارة القدس تزحف نحوهم. ولكنه استطاع بالحاح من عمته صبرية اسعادهم بخدماته البصرية، فكان يصعد الى السطح وينظر بحثا عن الجرارات الزراعية الساحبة لمقطورات اسطوانات الغاز. يعطيهم بالرايات المستخدمة في تربية الطيور اشارة البدء في الهجوم، فيخرجون من بيوتهم وقاماتهم منكسة. يهرولون مثل القطط المتعثرة بغنائمها. يتركون اسطواناتهم الفارغة تتدحرج في عوجة (الدحدغوني) وهم خلفها، نقودهم في افواههم، ودشاديش رجالهم وعباءات نسوانهم منفوخة بهواء ساخن.
تسأله صبرية وهي تظن ان الامور اختلفت تماما وأنه لابد ابصره يسير في مكان ما:
- هل رأيت شفاء العمري ؟
يرد عليها من المطبخ وهو بلا يقين مثل فنـار بلا بحر:
- يقولون انه ذهب الى امريكا ليعمل خبير ديكورات بحرية في فيلم تايتانك.!
اعجبه خوفهم التاريخي. صار بامكان عبد حيزان القصاب بيع ربع كيلو لحم غنم، وبلا عظم، دون ان يشهر ساطوره في وجه العالم. واستطاعت صبرية ان تشلح نعالها لصاحب المولدة الذي قلل الاستراحات وكف عن سرقة امبيرات الناس، وامسك عن المطالبة بزيادة الاجور. وعلق اسماعيل النعلبند لافتة على فرنه تضمنت فتوى الشيخ محمد ياسين التي اجازت استبدال طحين الحصة التموينية بالصمون الابيض ودفع الفرق نقداً. اصبح باستطاعته ان يرعب باعة الارصفة ويهجرهم من امام السينما كلما لمح رجال البلدية يتجمعون في الازقة القريبة تمهيداً لاجتياح شارع الدواسة. وكان عبدالفتاح جنجون لا ينزعج من تجمهر الاولاد الصغار واستنماءات عيونهم الملتصقة بمفاتن الممثلات التركيات الملطخة بالصبغ الاسود المحتشم، بينما هو في قفصه، يقص البطائق ويخبرهم ان سيارة الجرائد القادمة من بغداد قد عبرت قضاء بيجي. لم تستطع صبرية احتمال ان تكون على الدوام في مدى بصره البعيد، لذلك اجبرته على وضع نظارة عميقة السواد على عينيه ليصبح اعمى. هو ايضا بدأ يشعر بالتعب من طلبات الاصدقاء والمعارف وبـات لا يجد في نظرته البعيدة اية جدوى، وقال لنفسه ان اقصى ما يمكن ان يفعله بهذه النعمة هو ان يصبح راداراً.
اعطته النظارة السوداء مظهرا لم يجد معه صعوبة في ابتكار العداوات واحداث التوتر الذي يجعله لا ينظر الى احد. وعندما جاءه حسيب المؤذن بعد ان ضاع ابنه نور الدين طالباً منه ان يصعد الى السطح وينظر لعله يرى ابنه يبكي في مكان ما. شتمه وطرده قائلا له بانه ليس تلسكوب بيت اهله، وراح الرجل وهو يشخل عرقا بارداً يبحث عن ابنه في دكاكين الاتاري وصالات البليارد الى ان سقط ميتا امام صالون حلاقة الملك وهو خجل من العودة الى عوجة (الدحدغوني).
اضربت صبرية عن الطبخ وغسل الملابس ولم تفتح التلفزيون الا بعد الاربعين. لم يستطع طوال هذه الفترة ان يخبرها انه نجح في جعل الناس يعتقدون انه قد تغير. ويوم نزل على سطح بيت الحاج عبدالباسط ليطعم الدجاج بقايا لفات الفلافل التي كان يأكلها بلا رحمة طوال فترة الحزن على حسيب، امسك به الحاج وجمع بصوته رجال المحلة، وكادت ان تقع مجزرة عندما هجم عليه عبد حيزان بسكاكينه حالفا ان يذبحه لوجه الله. سحلوه الى مركز الشرطة بتهمة سرقة الدجاج وام سعد تطلق خلفه الزغاريد.
نظر المفوض الى هويته وقال وهو يذوب سكر الشاي بقلم الرصاص:
- اسمك الثلاثي واللقب.
اجاب بحيل صدر:
- جنكيز خان مصطفى عبدالغني الخشاب.
رفع المفوض رأسه وقال باستخفاف:
- اهلاً.. حضرتكم من اخواننا الاشقيـاء.. بسيطة جنكيز خان.. سأعلمك كيف تحب اكل دجاج وزارة الزراعة مثل الخلق.
ذبح الحاج عبد الباسط الدجاج ووزعه على روح حسيب. وعندما كان عائدا في الليل من بيت اخته نجولة اصطدم صدره بقبضة قوية. لم يستطع خوفه ان يرى سوى اليشماغ الاحمر الذي قال له بانه هو وعشيرته لن يكون اصعب عليه من الصيني الاملط (تشان كاي يونغ) الذي كسر ظهره في كوالالمبور. وانه اذا لم يذهب في صباح الغد الى مركز الشرطة ويسقط الدعوى فانه لن يسير على قدميه ابداً، ولن تجد محلة باب لكش قطرة (كـاز) واحدة في الشتاء القادم.
*********
عـاد وحيداً مثل محـارب منهـزم، ولكنه كـان يمتلك نشوة نادرة معكت قلب صبرية التي لم تعد ترفع عينها في وجوه الناس. كان يعود من السينما وهو على صبره، يمارس دورانه المألوف في البيت علـى طريقة الاشباح وعمته لا تجرؤ على ان تطلب منه خلع النظـارة السوداء كي لا تخسر حسنـات ان تنجيـه بصوتها مـن هفوات خطواته. لم تصدق انه يذهب الـى عمله بنعمة المهـارة المكتسبة من انقطـاع الكهرباء وبـارشاد خاص من رائحة السينمـا، وكـان قلبها يعلم انـه يؤجر عينـه لاستطلاعـات غير مؤدبة.
تسأله وامنيتها ان يقول نعم:
- هل رأيت شفاء العمري ؟
يرد وهو بلا ضوء:
- يقولون انه ذهب الى دمشق ليسير في جنازة سعد الله ونوس.
كان يعلم انه يحزنها باختياره الصعب والمدمر، ويدرك تماماً انها مثله تكره هذا الفراغ الكبير والانتظار القاتل. كان يعرف أنها تحتفل بفصولها المكررة بطريقة لم تعد مبهجة، وانها تدرك ان شتاءها وصيفها لا يحتاجان ان تعلق الثوم وقلائد البامياء المجففة على حبل الغسيل. هي ايضا لم تعد تجد سعادة في الفصل بين انواع البرغل، ولا تعرف لماذا لم تعد طبخة البرمة شهية. وعندما كان يعود اليها والدماء تنبع من وجهه، تجلس بجواره على الكاشي. ترفع عن عينيه النظارة السوداء. تبلل ملفعها بلعابها وتنظف ابتسامته من الدم، فيرى بعينه اليسرى البياض العريض يلمع بالاشعة الفضية، وتولد الرائحة في انفه.
تقول مهدهدة رأسه الثقيل:
- لا تحزن يا جنكيز خان.. في يوم ما سيتذكرون اسمك الحقيقي.
بغداد / حزيران / 2000
* الاسماء التي وردت في النص اسماء حقيقية لفنانين كبار من مدينة الموصل.
* ( لاغبار.. لا احد ): مسرحية من تأليف الشاعر رعد فاضل، قدمها على المسرح الفنان جلال جميل في عام 1988.
Your text goes here.