اجابها باختناق ورؤوس الحاج عبدالباسط وعبد حيزان القصاب وحسيب مؤذن جامع بلال الحبشي واسماعيل النعلبند صاحب فرن الصمون تتناطح على السماعة:
- لا ارى اية سيارة تقف امام مرطبات العصفورة، ولكنني استطع اخبارك ان قدح الشربت الذي في يدك لونه اصفر.
*********
حصنوه بسعادة غير معلنة. هو ايضا كان لا ينتظر حدوث هذا في مثل هذه الفترة من استعداداته المبكرة، ولكنه كتم برهانه لاعتبارات منطقية تتعلق بحروب الازمنة الغابرة وعقائدها الجنسية. انتعش الزقاق بالسرور رغم جهل الناس بالفائدة التي ستعم. ظهروا في فرحهم وكأنهم يستعملون عواطفهم في حفلة ختان، ولانه كان يشرب الخمر فقد رسخ عبد الباسط في الاذهان حقيقة ان الطب الشعبي في تطور مما جعلهم يشعرون بالقلق والخوف من الاشياء التي تحيطهم، وباتوا لا يستطيعون النظر الى السيارات على انها سيارات تسير في الشارع، وكثيرا ما تخيلوا الدكاكين وبناية شركة التأمين وعمارة القدس تزحف نحوهم. ولكنه استطاع بالحاح من عمته صبرية اسعادهم بخدماته البصرية، فكان يصعد الى السطح وينظر بحثا عن الجرارات الزراعية الساحبة لمقطورات اسطوانات الغاز. يعطيهم بالرايات المستخدمة في تربية الطيور اشارة البدء في الهجوم، فيخرجون من بيوتهم وقاماتهم منكسة. يهرولون مثل القطط المتعثرة بغنائمها. يتركون اسطواناتهم الفارغة تتدحرج في عوجة (الدحدغوني) وهم خلفها، نقودهم في افواههم، ودشاديش رجالهم وعباءات نسوانهم منفوخة بهواء ساخن.
تسأله صبرية وهي تظن ان الامور اختلفت تماما وأنه لابد ابصره يسير في مكان ما:
- هل رأيت شفاء العمري ؟
يرد عليها من المطبخ وهو بلا يقين مثل فنـار بلا بحر:
- يقولون انه ذهب الى امريكا ليعمل خبير ديكورات بحرية في فيلم تايتانك.!
اعجبه خوفهم التاريخي. صار بامكان عبد حيزان القصاب بيع ربع كيلو لحم غنم، وبلا عظم، دون ان يشهر ساطوره في وجه العالم. واستطاعت صبرية ان تشلح نعالها لصاحب المولدة الذي قلل الاستراحات وكف عن سرقة امبيرات الناس، وامسك عن المطالبة بزيادة الاجور. وعلق اسماعيل النعلبند لافتة على فرنه تضمنت فتوى الشيخ محمد ياسين التي اجازت استبدال طحين الحصة التموينية بالصمون الابيض ودفع الفرق نقداً. اصبح باستطاعته ان يرعب باعة الارصفة ويهجرهم من امام السينما كلما لمح رجال البلدية يتجمعون في الازقة القريبة تمهيداً لاجتياح شارع الدواسة. وكان عبدالفتاح جنجون لا ينزعج من تجمهر الاولاد الصغار واستنماءات عيونهم الملتصقة بمفاتن الممثلات التركيات الملطخة بالصبغ الاسود المحتشم، بينما هو في قفصه، يقص البطائق ويخبرهم ان سيارة الجرائد القادمة من بغداد قد عبرت قضاء بيجي. لم تستطع صبرية احتمال ان تكون على الدوام في مدى بصره البعيد، لذلك اجبرته على وضع نظارة عميقة السواد على عينيه ليصبح اعمى. هو ايضا بدأ يشعر بالتعب من طلبات الاصدقاء والمعارف وبـات لا يجد في نظرته البعيدة اية جدوى، وقال لنفسه ان اقصى ما يمكن ان يفعله بهذه النعمة هو ان يصبح راداراً.
اعطته النظارة السوداء مظهرا لم يجد معه صعوبة في ابتكار العداوات واحداث التوتر الذي يجعله لا ينظر الى احد. وعندما جاءه حسيب المؤذن بعد ان ضاع ابنه نور الدين طالباً منه ان يصعد الى السطح وينظر لعله يرى ابنه يبكي في مكان ما. شتمه وطرده قائلا له بانه ليس تلسكوب بيت اهله، وراح الرجل وهو يشخل عرقا بارداً يبحث عن ابنه في دكاكين الاتاري وصالات البليارد الى ان سقط ميتا امام صالون حلاقة الملك وهو خجل من العودة الى عوجة (الدحدغوني).
اضربت صبرية عن الطبخ وغسل الملابس ولم تفتح التلفزيون الا بعد الاربعين. لم يستطع طوال هذه الفترة ان يخبرها انه نجح في جعل الناس يعتقدون انه قد تغير. ويوم نزل على سطح بيت الحاج عبدالباسط ليطعم الدجاج بقايا لفات الفلافل التي كان يأكلها بلا رحمة طوال فترة الحزن على حسيب، امسك به الحاج وجمع بصوته رجال المحلة، وكادت ان تقع مجزرة عندما هجم عليه عبد حيزان بسكاكينه حالفا ان يذبحه لوجه الله. سحلوه الى مركز الشرطة بتهمة سرقة الدجاج وام سعد تطلق خلفه الزغاريد.
نظر المفوض الى هويته وقال وهو يذوب سكر الشاي بقلم الرصاص:
- اسمك الثلاثي واللقب.
اجاب بحيل صدر:
- جنكيز خان مصطفى عبدالغني الخشاب.
رفع المفوض رأسه وقال باستخفاف:
- اهلاً.. حضرتكم من اخواننا الاشقيـاء.. بسيطة جنكيز خان.. سأعلمك كيف تحب اكل دجاج وزارة الزراعة مثل الخلق.
ذبح الحاج عبد الباسط الدجاج ووزعه على روح حسيب. وعندما كان عائدا في الليل من بيت اخته نجولة اصطدم صدره بقبضة قوية. لم يستطع خوفه ان يرى سوى اليشماغ الاحمر الذي قال له بانه هو وعشيرته لن يكون اصعب عليه من الصيني الاملط (تشان كاي يونغ) الذي كسر ظهره في كوالالمبور. وانه اذا لم يذهب في صباح الغد الى مركز الشرطة ويسقط الدعوى فانه لن يسير على قدميه ابداً، ولن تجد محلة باب لكش قطرة (كـاز) واحدة في الشتاء القادم.
*********
عـاد وحيداً مثل محـارب منهـزم، ولكنه كـان يمتلك نشوة نادرة معكت قلب صبرية التي لم تعد ترفع عينها في وجوه الناس. كان يعود من السينما وهو على صبره، يمارس دورانه المألوف في البيت علـى طريقة الاشباح وعمته لا تجرؤ على ان تطلب منه خلع النظـارة السوداء كي لا تخسر حسنـات ان تنجيـه بصوتها مـن هفوات خطواته. لم تصدق انه يذهب الـى عمله بنعمة المهـارة المكتسبة من انقطـاع الكهرباء وبـارشاد خاص من رائحة السينمـا، وكـان قلبها يعلم انـه يؤجر عينـه لاستطلاعـات غير مؤدبة.
تسأله وامنيتها ان يقول نعم:
- هل رأيت شفاء العمري ؟
يرد وهو بلا ضوء:
- يقولون انه ذهب الى دمشق ليسير في جنازة سعد الله ونوس.
كان يعلم انه يحزنها باختياره الصعب والمدمر، ويدرك تماماً انها مثله تكره هذا الفراغ الكبير والانتظار القاتل. كان يعرف أنها تحتفل بفصولها المكررة بطريقة لم تعد مبهجة، وانها تدرك ان شتاءها وصيفها لا يحتاجان ان تعلق الثوم وقلائد البامياء المجففة على حبل الغسيل. هي ايضا لم تعد تجد سعادة في الفصل بين انواع البرغل، ولا تعرف لماذا لم تعد طبخة البرمة شهية. وعندما كان يعود اليها والدماء تنبع من وجهه، تجلس بجواره على الكاشي. ترفع عن عينيه النظارة السوداء. تبلل ملفعها بلعابها وتنظف ابتسامته من الدم، فيرى بعينه اليسرى البياض العريض يلمع بالاشعة الفضية، وتولد الرائحة في انفه.
تقول مهدهدة رأسه الثقيل:
- لا تحزن يا جنكيز خان.. في يوم ما سيتذكرون اسمك الحقيقي.
بغداد / حزيران / 2000
* الاسماء التي وردت في النص اسماء حقيقية لفنانين كبار من مدينة الموصل.
* ( لاغبار.. لا احد ): مسرحية من تأليف الشاعر رعد فاضل، قدمها على المسرح الفنان جلال جميل في عام 1988.