تماثيل
قصة قصيرة
نزار عبدالستار
.
تماثيل
 
نزار عبدالستار
 
 
ازاحوا قماشة الباب كي لا تتعرقل المعاول ، ثم عبروا المجاز المبطن (بالفغش) الازرق وهم يحصنون فضولهم بأدب عريق. انتشروا في الحوش المتأثر بهيبة بيوتات الاسرة الجليلية ، وشرعوا بدأب باعة لهم سمعتهم في خان (حمو القدو) بملء زنابيل التنقيب من مخلفات حفرياتهم ، واحداث الضجة اللائقة بأصلهم ، مبددين ساعاتهم المبكرة في رفع بلاطات الباحة الشرقية ، وتخليص الطيـن من ازمنة الفخاريات ، وتحرير الطبقات السكنية من مجسات القنصليات ، ومتسترين بضوضائهم على انغام المهنة في صوت خشن كان يتناقش في الشرفة الخلفية المطلة على دجلة وسلاسل مدفعية جيوش الاعداء.
حاول كبيرهم تهذيب تلميحاته ، الا ان العافية بقيت بلهاء في ملامح وجهه. تكلم اولا عن اهمية ان يعثر المرء في هذه الظروف على شخص صاحب قلم ودفتر وأكد للمفكر الاقليعاتي بأنه أمر الاولاد بتجاهل غرف المؤلفات ، وحثهم على النبش في اماكن تخلو من العلم. شكره بجفاف ، ثم اقتطعا سكوتا لارتشاف سوس الضيافة والتمتع قليلاً بخمول النهر ، وبالتمييز البصري بين اعناق المدافع احياءا لذاكرة خدمتهما العسكرية.
عاد المفكر ليراجع صحة وثائق نسبهم ، ويطابق خرائط بيت راعي الخليقة السابق المستخرجة من الدوائر المتخصصة بشؤون الماضي مع قياسات ما الفه من بيته طوال عزلة التفكير ، ويدقق في اجازة التفتيش عن براهين تاريخية تعتصم بها سمعتهم ، وفي موافقة شرطة اقليعات الغربية على ارباك الزقاق. وامام ابتسامة كبيرهم البرية خلع المفكر نظارته ونوه باهمية الشكليات لمسرة ملك مثل جدهم الاعلى آشور ناصر بال الذي ستفرح روحه بكثرة الاختام وخبصة التواقيع.
كانت الالوان العاطفية للزجاج ترتجف في مربعاتها الخشبية امام دوي المدافع وطقطقة المجانيق حين خرجا معا للاشراف على همة الاولاد وتركا (كوش) الشرفة يقاوم الاهتزازات بخبرة قرن مع مدفع الافطار. اجلسا هيبتهما على قنبة في عمق ايوان شغل بزخارف توريق تنتسب لاضرحة اولياء باب الجسر وترفع قوسه المسنن بنجوم زرق (تكم) مزدوجة مستوحاة من ازدهار حكم الحر بن يوسف ، وباسترخاء اقتسم بصرهما الحوش وسمعهما ثرثرة الحفر انتظارا للادلة. كان الوقت يموت بالمعاول ويبعث بالقصف فيزداد كبير الحملة انتفاخا في دشداشة العمل القهوائية. لم يجد المفكر صمتا للسؤال عن شهادات خبرة الاولاد في التنقيب ، فقد راح كبيرهم يحدثه عن يوميات السوق وكيف انهم يتعرقون ذهبا مثل الملوك محركا بين
ضحكة وتعليق حزام الجلد العريض ليريح كرشه. اخذ المفكر وضع قلم نفد حبره وتطلع بعينين بيضاوين الى سيرة خطواته وهـي تجتث بالمعاول ، والى اوقات عصرياته التي انتزعت منها الشجرة وقدح الشاي ورائحة خبز بنات جاره ، بينما كبيرهم يؤرخ مصادفة اكتشافه لجده آشور ناصر بال بهجرتهم من قرية بعرة الى اطراف اقليعات ، وكيف انه قطع عمرا منذ وقوفه امام سينمات العيد (بالعمبة والصمون) والى دخوله سوق هرج دون معونة من الاجداد ، فقديما لـم تكن لهم استخدامات مفيدة ، واهميتهم لا تتجاوز دوائر الاحوال المدنية.
كانت سبابة الرخام المشيرة الى شيء ما في السماء هي اول من تنفس من قامة الملك المدفونة على مقربة ذراع من باب الحمام. استعملوا الماء الحار وصابون حلب لتنظيف جلالته من الماضي ، فبدا وجهه شديد الشبه بملامح كبيرهم. كان التمثال الخالي من الكتابات التوضيحية من النوع البيتي المحرم على العامة ، يمثل آشور ناصر بال بعد خروجه من الحمام وهو عاري الجسد الا من منشفة قصيرة تلتف حول خصره. تربع كبيرهم على القنبة ممارسا راحة من يتصرف في بيت جده ، وترحّم على آباء الموظفين في الدوائر المعنية التي اعادت الماضي الى اصحابه ، ذاكراً المواقف المسهلة لاصحاب النفوذ منتقدا قساوة القوانين الجديدة لمجلس امة الامارة والتي فرضت على المستفيدين تشييد متاحف اهلية لاجدادهم ، ثم تفاخر بحالتهم المليحة ، واشاد برخاء البائع المتجول رغم بج النسوان لمرارته. بعدها ارسل اصغر الاولاد لجلب نرجيلة من مقهى باباني ، مفتتحا بذلك حسابات مظاهره الاجتماعية.
ثلاثة تماثيل ظهرت في وقت واحد في منتصف الحوش تمثل الملك وهو بين اهل بيته ، يجرب اساليب المحبة المعروفة آنذاك. لم يعثر الاولاد على نماذج للحريم ، بل على آثار انوثة مندرسة ، معبأة في قوارير عطر ومكاحل من الفخار مع اقراط واساور من معادن منقرضة.
احتقن وجه كبيرهم وهو يستل انفاسه الدخانية من قرقرة عنيفة ، ونظراته تمسح الغرف والتكم وملاحق البيت ، بينما المعاول تحافظ على ضراوتها مدمرة ما يصادفها من مخلفات رفاهية اهل الزمن الاول. من موقع ظل شجرة التوت ، خرجت مجموعة تماثيل تحضر دعوة غذاء عائلية ، يتصدرها الملك ، وهو يهم بتقطيع قرص كبة سليمة الرائحة. وعلى مقربة من هذه الجلسة اكتشفه الاولاد وهو يقبض على طفل تجرى له عملية ختان بشفرات من المرمر الاسمر. لم تظهر تفاصيل الحفلة كاملة فقد هشمت المعاول اغلب العادات والتقاليد ، وكسرت الكثير من رقصة الملك الذي كان يحمل بيديه مغارف متعددة التصقت بها متحجرات (برغل وكشكا). ابتلع المفكر الاقليعاتي اعتراضاته وهو يشاهد كبيرهم يضع لفافة الموافقات الورقية في الفراغ الذي بينهما ، ويتوصل باستنتاجاته الى ان جده الاعلى قد انفق الكثير من اجل ان يملأ الارض بالاحجار. وبعد سكوت قصير تساءل عن جدوى الرواتب ، والحوافز ، والمخصصات ، والترفيع لرجل مثل آشور ناصر بال ، ولو كان في مكانه لجمعها في (برنية) ودفنها تحسبا لانقلاب الزمن. قال هذا ثم مدح عقله بابتسامة.
نقلا القنبة الى مقدمة الايوان كي يتمكنا من ربط الاولاد بنظراتهما المراقبة بعد ان توغلت تنقيباتهم عميقا في حفرة شملت مربع الحوش وقسما من فسح سائبة خارج مصطبة الغرف. استباحت انفاقهم برودة (الرهره). ومن هناك اخرجوا خمسة تماثيل بلا ازياء لقيلولة صيف واحدة مع جداريات ملونة لاحلام جدهم. التقط انف المفكر روائح متنوعة استشهدت نكهتها الكبريتية بمنظر عتيق يعود الى بواكير التفكير لحوض مسور بامتار سود من الشعر ، في مستهل مشهد قدري قبل ان تنزلق به قدم معجزاتها ويسقط جسدها البض هادما الاستار ومحررا اسرار المعرفة . اكتشف بصره حركة مريبة اخذت تدب بين الاولاد تقودها بتكتم ايماءات كبيرهم. حركةخبيثة ، الا انها غير ناطقة ، تشذ عن الاصوات الانشائية المتطفلة على ضجيج التنقيب ، التي تشبه في تمتمتها زفير حائط يتثاءب.
سحلوا سبعة تماثيل مع مناسباتها بحبل واحد ، ثم انتقلوا الى الغرف واخرجوا صناديق المخطوطات بلا احتراس او خجل تاركين عرق الافكار ومسودات تأملات خمسة عقود في عثرة عفة لتقديرات الاقدام واستخفاف الزنابيل. علق كبيرهم على هذه الاستفزازات قائلا بان الاولاد تخرجوا من المدارس قبل التحاقهم بباب الله ، ثم وعدته همساته ببلصة مليحة تريح الدماغ ، يتسلح بها ضد ما بقي له من ايام قبل ان يتوقف بصاق المجانيق والمدافع عن مطاردة الارواح ، ولكنه عكش وجهه وعض على يده متحسرا ، مستدرجا تعاطف المفكر ، فصارحه بخيبة امله من اوضاع جده المخجلة التي لن تمكنه مـن التحايـل على قوانين الامارة بتوزيع التماثيل على بيوت العشيرة ، وستحتاج الى متحف اهلي من ماله الخاص ، هذا بالاضافة الى الضرائب ، واجور الاولاد ، والمعاول ، والزنابيل ، والشركاء ، والاكراميات. ثم اخذا وقتا لمناقشة احوال اقليعات الحربية وارتفاعات السوق.
اخرجت حفرياتهم من غرف المؤلفات جيلاً جديداً من التماثيل المحتشمة تمثل آشور ناصر بال وهو يزاول نشاطاته الابداعية ، يقرأ ، ويكتب ، ويجمع الالواح الثقافية التي خرجت خلفه باعداد مخيفة متسببة في اعاقة تحركات العمل ، وفي احتقان وجه كبيرهم. كان انتشار الصدع في عروق المرمر الازرق ووصول التشققات الى ارضية الايوان امراً متروكا لاهمال غفلتهم لتزامنه مع نتائج التنقيبات في مخزن المونة الشتوي وظهور البرنية العملاقة. كانت خضراء البطن بارتفاع قامة كبيرهم ، وبعرض حزمة من المفكرين ، وامام هيبتها المفعمة بالرهبة وقف كبير الحملة بخشوع. داعبها بنقرة خفيفة من معوله الخاص ، قائلاً للمفكر ولجمهور الاولاد الذين تركوا العمل ووقفوا حوله بعرقهم العكر ، انهم الان امام حقيقة فضلهم في تربية الحضارة ، وما هذه الا مكافأة التاريخ لجهودهم في التواصل مع اصلهم ، وانه سيستمر في سعيه من اجل بناء متحف العشيرة ، واستثمار الماضي في مشاريع ترفيهية وصولا الى تحرير السوق من مزاج المدافع. وبضربة قوية استهدفت الوسط ، تكسر الفخار الاخضر وسقط عن كتلة صلبة تميل الى السواد ما لبثت ان اطلقت رائحة خل متفحم. انهالت المعاول عليها بشراسة مهشمة الصلابة ، محطمة تيبس اصابع خيار محشوة باوراق زعرور الجبل ، وكتل صخرية من تفاح الارض ، ومسحوق زيتون (بيت عشيقا) ، مع قرون فلفل ملفوفة باللهانة ، ورؤوس قرنابيطية متكلسة ، مطيبة بفصوص ثوم طينية كانت فيما مضى من اسرار مهنة طرشي (الشفائينو).
تورم وجه كبيرهم ، وانفجر البياض في عينيه. امتلأت اسماعهم بصراخ توجيهاته ، فانطلقت معاولهم تنبش في المكان بحثا عن برنية الرواتب. عثروا في المكان نفسه على الملك وهو بين اكوام الشلغم والشوندر ، يبتكر الطرق الاقليعاتية لصنع (المخللة). امسك كبيرهم بذقن تمثال آشور المنهمك في شتائه ونظر في عينيه السمراوين طويلا قبل ان يأمر باستدعاء المزيد من الاولاد. كانت مجاميع الرقم والكتب الطينية التي لم تنقطع عن الخروج من غرف المؤلفات قد ابتلعت (القنبة) وغيرت طرق التجول في البيت مما دفع المفكر الى التفتيش عن مسالك للسلامة فعثر على جريمة تنقيبية استخدمت طريق غرفة قعدته المطلة على النهر للتخلص من التماثيل ، مستعينة بدوي مدافع الاعداء على اغراق تفاصيل غير مفهومة تمثل الجـد وهو عائد من عمله محملاً بالباذنجان ، مع مشاهد فنية تظهره وهو ينحت لنفسه المزيد من الاجراءات الاجتماعية كان ينحت وتحت انفه الذي يشبه منقار النسر ابتسامة شعبية.
ادى وصول الوجبة الاحتياطية من الاولاد الى استعادة النشاط في الموقع. وقف كبيرهم على القنبة واضعاً المفكر على يمينه والنرجيلة على يساره ، ممسكا لفافة الموافقات الرسمية بيد اسمنتية ليحدد الواجبات التالية :
1- البحث عن الرواتب والمخصصات الملكية.
2- البحث عن الحلي الذهبية صناعة (884-859 ق.م)
3- البحث عن غنائم الحروب.
ثم تحدث عن الامكانيات الاقليعاتية قائلاً :
( علينـا ان نفرق بيـن خرائب القنابل وخرائب المعاول .. الاولى تدفن المدن في الارض والثانية تخرجها .. الى الهدم يا اولاد ، وتذكروا ، ان ما تسقطه معاولكم هو اشرف لكم من آثار الحروب ).
اعاد كبيرهم نشر الاولاد بارشاد من خبرة السوق. ازالوا الفواصل الحجرية للغرف ورفعوا السقوف المقببة ، محولين الدار الـى فسحة كبيرة. استبدلوا الايوان. بخيمة كالحة ، مسكونة بعجاج الجزيرة (قصملت) برودتها جسد المفكر. هدموا غرفة القعدة ، وفكوا روابط الشرفة الخشبية واسقطوها في النهر ، فاتحين بذلك ثغرة كبيرة لمحاولات التخلص العلني من الفضلات التاريخية ، وخاصة تلك التماثيل الغريبة التي لا تليق بشهرة الامبراطورية الاشورية. وضع كبيرهم سلسلة من المعوقات الوظيفية تحدد مدى صلاحية التماثيل للعرض المتحفي ، بعد ان توصل الاولاد الى فتح مواقع جديدة توزعت على فسح مخصصة للاستعمالات البيتية الخفيفة ، وعلى طارمة للفصول الصعبة ، مغلفة بالموزائيك ، ومواقع عديدة ، صغيرة الحجم ، اهمها المرافق الصحية والاخشيم العلوي. اظهرت تماثيله الجديدة انه يعاني من حالة اسهال ، وبين بوضوح في نماذج مجسمة كيف انه استخدم البجنجل للشفاء. خرج بتماثيل خاصة بلحظات تلصصه على نساء المحلة ، اثناء ممارسته هواية تربية الطيور ، واكتشف وهو يغسل ملابسه في طشت فخاري دون اية ادلة على فداحة خلافاته الزوجية.
لم يحتج احد ، لذلك مرت كارثة انهيار الجدار الشمالي بيسر رغم الاثار المدمرة التي اصابت جار المفكر بعد ان تعرت غرف بناته وباتت تفاصيل مراهقتهن مباحة لتحرشات المعاول. عثروا على تمثال جدهم تحت الجدار وهو يضع حجر الاساس لبيته الخاص بلا أي ذكر لخشب السرو ، والارز ، والعرعر ، ودون ان ينقل اليه الغنائم التي استحوذ عليها من بلدان الاعداء. جردوا واجهة البيت الخارجية من الزوائد المقنطرة ، وتركوا النوافذ من الداخل بلا انتماءات عمرانية ، بعد اكتشافهم لتماثيل مغامراته الغرامية ، وانحرافات ذوقه التي طمست وجدانيات العلاقات الزقاقية ، فقد توصلت التنقيبات الى انه اول من اخترع القناطر لتكون جسورا لممرات تربط البيوت المتقاربة تسهيلاً لاشاعة اخلاقيات حسن الجوار ، ولكنه استخدم سمعته الطيبة كفخاخ للخادمات ولارامل حروب الانتصارات العتيقة ، وظهر في جدارية كبيرة ليوم كان فيه مجرد دردبيس لا يعرف يوم الجمعة من يوم الخميس يجلس بلا ضمير امام احداهن وهي تلومه على ترك ابنه يبيع ( حب ، سكائر ، علك ) في ساحة لاستراحة القوافل العابرة.
اخذ المنقبون موقع القنبة من مكان كبيرهم بذريعة ان المخابئ هي الاماكن الاكثر قربا من العين. تقدمت حفرياتهم سريعا رغم استثمار نصف عدد الاولاد في مشروع بناء منصة بديلة.
عثروا على ساقيه اولا قبل ان يظهر كاملا وهو في وضع الاستلقاء ، يبتسم بين الربيعين على دكة مريحة تنعم بفضاء لم يبق منه سوى اعمدة مستوحاة من ازدهار استهلكه الترف المعماري. استخدم بناة المنصة الالواح الثقافية ونسخ الملاحم ، والمراسلات ، والرقم الخاصة بالتفكير القديم في ملء حفرة الحوش. وما ان ارتفعت المنصة الى مستوى البلاطات القديمة حتى عثر على اول بوادر بلل في الطبقات السفلى حول القاعدة. كان كبيرهم يحرك مجاميع الاولاد بخفة قيادية ، ويحقن عضلات سواعدهم بحيوية الوعود عندما سقط احد الاولاد متعثراً بشيء ما غارقاً وسط بركة مياه كبريتية الرائحة تجمعت بلا علم من احد. لم يكن ذلك الشيء الغاطس انبوب ماء مكسور بل سلسلة حديدية ضخمة بطرف يتوغل بعيدا في الطين. اقترح البناة على كبيرهم تعلية المنصة بطبقة اصغر حجما تحسبا لاية تخسفات ارضية قد تسببها المياه بعد ان وصلت الى علو بنصر واحد. وافق بلا ملاحظات ، وامر الاولاد بتتبع السلسلة الحديدية حتى النهاية. كانت جولة حفريات شاقة شملت جميع المرافق السكنية ، وعندما اوصلتهم السلسلة الى اسفل جدار البيت الجنوبي كان نزيز المياه قد مس ارجل القنبة مما دفعهم الى الاستمرار في البناء تحقيقاً لزقورة مراقبة وقتية ذات طبيعة سياحية لا تتفق مع معلومات المفكر عن وظائف المرتفعات في اقليعات الاشورية.
هدموا الجدار الجنوبي فضاع شكل البيت. انفتح على (خرابة) اثرية احتفظت بروائحها وذبابها ، وهناك وجدوا سلسلة الحديد وقد ختمت دورة متاهات الامان بالتفافها حول منضدة حجرية عليها نماذج من عرائض مسمارية تعود الى (ارضحالجي) آشوري مجهول الهوية ، وعلى مقربة منها وقفت جملة من التماثيل تمثل خلافات جدهم ومشاداته الكلامية مع عمال بلدية العصور الغابرة. تبرعمت في وجه كبيرهم ثآليل الغضب وهو يعصر كرشه بحزام الجلد ويقذف المفكر بنظرات كيدية. لم يبق من البيت غير جدار قصير يقف على سدة النهر كان فيما مضى بشرفة عاطفية ، تقابله على الجانب الاخر واجهة بنوافذ عالية وباب اخضر بلا ستار يطل على الزقاق.
عندما صعد النبأ الى مسامع قلقهما كانا معا فوق القنبة يستقبلان بلا ود نسمات النهر الخامل وهما على قمة الزقورة التي توقفت عند ارتفاع لا يعترض القنابل. كرر الولد باجهاد قائلاً لكبيرهم :
( هذا كل شيء .. لقد وصلنا الى نهاية التاريخ )
كانت المياه تحيط بالزقورة ، ورغم وجود المعابر الخشبية التي وضعت لتربط مبنى الالواح الثقافية بباب البيت وكذلك الحبال المتدلية قريبا من سطح الماء ، الا ان فرص الخلاص كانت معدومة للتماثيل ولقسم كبير من الاولاد الذين ابتلعتهم اللجة لتأخر وصول الاجابة من قمة الزقورة على ايهما اهم : التماثيل ام الاولاد ؟
قال كبيرهم : كنت تمشي فوق هذا الكم الهائل من التماثيل دون ان تدري.
قال المفكر : هذه هي اهم مساوئ الجاذبية الارضية في اقليعات.
نهض كبيرهم. حشر لفافة الموافقات في حزامه. رفع النرجيلة باليد اليسرى وهبط الزقورة بهدوء. ترك الاولاد مواقعهم. حملوا المعاول والزنابيل وجثث الغرقى واتجهوا نحو باب البيت. اشرف كبيرهم على انسحابهم ثم اغلق الباب خلفه بقوة.
شعر المفكر ، وهو على قمة الزقورة ، بالاهتزازات التي ارتدت من الباب عابرة القاعدة لتتسلق الجدار المواجه للنهر متحولة الى تشققات رعدية الشكل توغلت بين قطع الاحجار. لحظات وانهار الجدار بأكمله. تبددت سحابة الغبار. كان المفكر الاقليعاتي هناك ، وحيدا على القنبة امام فوهات المدافع.
---------------------------------
· آشور ناصر بال : ملك آشوري ، ويعني الاسم باللغة الاكدية ( الاله آشور راعي الخليقة ) ، حكم في الفترة الواقعة بين ( 884-859 ق.م)
* الفغش : الرخام الموصلي الازرق
* بيوتات الاسرة الجليلية : نسبة الى اسرة الجليلي المعروفة في مدينة الموصل0