هدموا الجدار الجنوبي فضاع شكل البيت. انفتح على (خرابة) اثرية احتفظت بروائحها وذبابها ، وهناك وجدوا سلسلة الحديد وقد ختمت دورة متاهات الامان بالتفافها حول منضدة حجرية عليها نماذج من عرائض مسمارية تعود الى (ارضحالجي) آشوري مجهول الهوية ، وعلى مقربة منها وقفت جملة من التماثيل تمثل خلافات جدهم ومشاداته الكلامية مع عمال بلدية العصور الغابرة. تبرعمت في وجه كبيرهم ثآليل الغضب وهو يعصر كرشه بحزام الجلد ويقذف المفكر بنظرات كيدية. لم يبق من البيت غير جدار قصير يقف على سدة النهر كان فيما مضى بشرفة عاطفية ، تقابله على الجانب الاخر واجهة بنوافذ عالية وباب اخضر بلا ستار يطل على الزقاق.
عندما صعد النبأ الى مسامع قلقهما كانا معا فوق القنبة يستقبلان بلا ود نسمات النهر الخامل وهما على قمة الزقورة التي توقفت عند ارتفاع لا يعترض القنابل. كرر الولد باجهاد قائلاً لكبيرهم :
( هذا كل شيء .. لقد وصلنا الى نهاية التاريخ )
كانت المياه تحيط بالزقورة ، ورغم وجود المعابر الخشبية التي وضعت لتربط مبنى الالواح الثقافية بباب البيت وكذلك الحبال المتدلية قريبا من سطح الماء ، الا ان فرص الخلاص كانت معدومة للتماثيل ولقسم كبير من الاولاد الذين ابتلعتهم اللجة لتأخر وصول الاجابة من قمة الزقورة على ايهما اهم : التماثيل ام الاولاد ؟
قال كبيرهم : كنت تمشي فوق هذا الكم الهائل من التماثيل دون ان تدري.
قال المفكر : هذه هي اهم مساوئ الجاذبية الارضية في اقليعات.
نهض كبيرهم. حشر لفافة الموافقات في حزامه. رفع النرجيلة باليد اليسرى وهبط الزقورة بهدوء. ترك الاولاد مواقعهم. حملوا المعاول والزنابيل وجثث الغرقى واتجهوا نحو باب البيت. اشرف كبيرهم على انسحابهم ثم اغلق الباب خلفه بقوة.
شعر المفكر ، وهو على قمة الزقورة ، بالاهتزازات التي ارتدت من الباب عابرة القاعدة لتتسلق الجدار المواجه للنهر متحولة الى تشققات رعدية الشكل توغلت بين قطع الاحجار. لحظات وانهار الجدار بأكمله. تبددت سحابة الغبار. كان المفكر الاقليعاتي هناك ، وحيدا على القنبة امام فوهات المدافع.
---------------------------------