كيف خطفنا السيد الوزير ..!
نزار عبدالستار
نزار عبدالستار
كيف خطفنا السيد الوزير ..!
 
بغداد / نزارعبدالستار
حاصرونا . الامريكان من امامنا وسيارات الشرطة من خلفنا . خففنا السرعة تحت تهديد السلاح حتى عبر الرتل العراقي .رأينا الهمر الاخيرة تستدير لتسد علينا عرض الشارع قاطعة المرور على الجسر . سيارة حمراء كانت خلفنا لم تؤمن بقضاء الله وقدره فتجاوزتنا مسرعة باتجاه الهمر التي سارع جنديها الخارج من سقفها الى اطلاق النار عليها . انحرفت السيارة لتستقر في وهدة جانبية ولتصطدم بعمود اشارة مرورية ضخمة . اوقف ابراهيم السيارة وترجلنا مسرعين الى السيارة الحمراء . كانت مقدمتها محطمة وثمة ثقب كبير في الزجاج الامامي على يمين السائق . قاومني الباب المدعوك ولكنني استطعت فتحه متفقدا السائق . تراجعت مذهولا فقد عرفت الرجل . سألته بصوت مخنوق :
هل تشكو من اصابة ياسيادة الوزير ؟ .
* * * *
وقفنا انا وابراهيم نتفرج على السيد الوزير الذي كان بالدشداشة وخيط دم يلوث شاربه . رفع يده وتمتم بكلمات تطلب ان نحركه بهدوء . نبهني ابراهيم الى ان الامريكان يركضون باتجاهنا . عصرت ذهني لاتذكر كلمة وزير بالانكليزية . تجمعت السيارات خلفنا . كان علي ان اتأكد اكثر فسألته :
اانت وزير الـ ( .. ) فعلا ؟
اجاب بتثاقل :
نعم
عزلت سيادة الوزير عن الناس الذين ترجلو من سياراتهم مهونا الحادث ورحت احاول التفاهم مع ثلاثة جنود امريكان . تجاهلوني وراحوا يفتشون السيارة بدقة ثم تحولوا الى الوزير واخرجوه من السيارة دون اكتراث لتوجيهاته . قلت لاحدهم ان السيد المبطوح على الرمل ودشداشته تكشف عن ساقين املطين هو وزير الـ ( .. ) فرد الجندي الامريكي بأن موكب الوزير مر قبل دقائق وان المنطقة مغلقة الان .
عاونني ابراهيم على حمل سيادة الوزير الى سيارتنا . قام الامريكان بارجاع رتل السيارات المدنية الى الخلف ثم تركونا وعادوا الى موقعهم على الجسر .
غسلت وجه سيادة الوزير بالماء فاستعاد جزءا من وعيه وسيطرته على اتزانه ، وقشر له ابراهيم برتقالة وهو يهون عليه الحادث ويدعو له الله ان يرزقه بسيارة احسن منها . نهرته ورحت اصنع فتيلتين من الورق دسستهما في منخري السيد الوزير وارجعت رأسه الى الخلف كي ينقطع دم انفه .
كنا على جسر سامراء الكبير وفي طريقنا الى بغداد قادمين من الموصل والمنطقة التي نحن فيها مكشوفة وتقع فيها العديد من الهجمات المسلحة ويبدو ان هذا ما كان يقلق سيادة الوزير الذي قال بصوت ضعيف :
علي ان اغادر المكان بسرعة .
اغسل يدك ياسيادة الوزير والذي خلقك نحن والعصر .
قال ابراهيم ذلك ضاحكا فطلبت منه ان يغلق فمه قليلا كي نفكر بحل هذه الازمة مع سيادته ولكنني استدركت الامر لشعوري ان الوزير مازال يعاني من هول اطلاق النار عليه واخبرته باننا سنساعده حتى يصل الى اهله الا انه استهجن كلامي وقال انه مهدد بالفعل وانه اثر عدم الخروج مع الموكب للتمويه فعرضت عليه ان نعود ادراجنا الى تكريت فندخله المستشفى هناك او نأخذه للمحافظ ولكنه تشنج في الرفض وطلب ان نعود لنسلك طريق سامراء القديم باتجاه بغداد .
سألت ابراهيم ان كان باستطاعتنا تنفيذ امر سيادة الوزير فأدار المحرك واستدار بنا وهو يتململ على مقعده مشددا قبضته على المقود و مظهرا الجدية في مهمة خطيرة كهذه . سار بنا على الطريق الترابي بسرعة حتى وصل الى الاسفلت الفارغ وزاد من سرعته .
حاولت التخفيف عن سيادته واذابة حرجه بتضخيم احترامي له وطفقت اصف له الصعاب في ظل التدهور الامني وعرجت على متاعب مهنة الصحافة فانتبه ودبت فيه الحيوية ومدحت ابراهيم امامه وقلت انه من السواق الامناء وانني لا اسافر الا برفقته فضغط ابراهيم على دواسة البنزين واخذ يطير وتدخل قائلا انه عمل سائقا لامر الفيلق الخامس وركب اغلى السيارات وانه بالاساس سائق دولي وسيعجبه .
* * * *
طلب سيادة الوزير ان نتجاوز سامراء بسرعة وكان كثير الالتفات الى الوراء وانتبهت الى انه يحاول البقاء منخفضا على المقعد الخلفي حيث كنت اجلس بجواره وارد بصوت منخفض على اسئلته الكثيرة التي كان يتخلص بها من الشد النفسي الذي تعرض له ويجد في اجاباتي الدبلوماسية التعويض المناسب .
عرضت عليه ان يستخدم الموبايل ان كان يرغب في ذلك فرفض . سألته ان كنا قد أخطأنا في ترك السيارة فلم يرد فتدخل ابراهيم قائلا :
وحد الله ياوزيرنا نحن اخوتك وابناء شعب واحد .. لا تهمنا طائفية ولا عنصرية .. خابر الاهل حتى لا يقلقوا عليك .
توقعت انه سيطلب النجدة من اول مفرزة شرطة او جيش تقابلنا على الطريق ولكنه لم يفعل . سألته ان كان يريد ان فعل ذلك ولكنه نهرني بطريقة استفزازية وطلب مني عدم التدخل في شؤونه .
وجدته يلتفت ويشهر بوجهي سبابة مهددة :
احذرك من نشر اي شيء عن الموضوع .
خفف من لهجته وهو يتابع :
الانتخابات قادمة وهذا يؤثرعلي .
* * * *
بدا الطريق بلا منغصات واستقام امامنا بانسيابية مريحة ورحنا نقترب شيئا فشيئا من بلد . كان ابراهيم يدير الحديث باستمرار . وضع كاسيت نانسي عجرم في المسجلة مركزا المرآة على وجه سيادة الوزير .
وجدت ابراهيم يخفض من صوت المسجل ويقول :
سيادة الوزير هذه فرصة سعيدة لنا وانا اريد بالنيابة عن ابناء شعبك نقل المعاناة الكبيرة التي يعيشها شعبك الخارج من المقابر الجماعية والحروب . . سيادة الوزير نحن بلا كهرباء ولا ماء ولا بنزين ولا غاز ولا نفط ولا خدمات والله وكيلك الكل عطالة بطالة .. ياريت سيادة الوزير تحكي مع الحكومة وتنقل لهم عن لساني ان الفساد الاداري واصل لابي موزة وقل لهم ان يحلوها .. يعني يعطونا شوية كهرباء على شوية ماء ويخففوا عنا المعاناة . . والله الشغلة بسيطة والحكومة بنت اوادم والسيد رئيس الوزراء لا يقصر ابدا والرئيس الله يحفظه مواقفة كبيرة ويشكر عليها .. والسلام امانة سيادة الوزير .. سلم لنا على كل الوزراء وعلى الجمعية الوطنية والمنطقة الخضراء وبجاه النبي الكريم ينجيكم الله من الارهاب وينصركم على من يعاديكم .
التفت السيد الوزير وتابدلنا الابتسامة بينما ابراهيم يلاحق وجه الوزير بالمرآة .
* * * *
- اوقف السيارة
صاح السيد الوزير ما ان اقتربنا من مبنى لمركز شرطة على الشارع العام . ترجل الوزير وراح يتحدث مع شرطيين يقفان عند ساتر من الحواجز الكونكريتية . لم يلتفت الينا . دلف الى المركز برفقة الشرطة فقلت لابراهيم :
هيا تحرك .. سيادة الوزير بامان الان .
لحظة ..انتظر سيعود .
قلت بحزم :
لن يعود .. هيا لقد تأخرنا
سيعود وسيعينني سائقا له .. انتظر
تقدمت نحونا مجموعة كبيرة من الشرطة وهم يشهرون اسلحتهم بوجهينا . انزلونا بالقوة من السيارة وقاموا بتفتيشنا وتفتيش السيارة ثم اقتادونا بسيل من الشتائم والركلات الى داخل البناية . وفي بداية المدخل فصلونا عن بعضنا . صعدوا بي درجا حلزونيا . اوقفني احدهم في ممر عريض . لكمني في بطني وشد رأسي بعصابة ووضع الاغلال بيدي ودفعني في حجرة ضيقة ثم اغلق علي الباب .
* * * *
اتضح لي بعد ذلك انني بقيت في زنزانتي الانفرادية 20 ساعة حصلت خلالها على رغيف خبز وفخذ دجاجة واخرجوني مرة واحدة الى التواليت . لم اسمع منهم كلمة واحدة ولم يرد اي شخص على اسئلتي وتبريراتي .
صباحا فتحت زنزانتي وازاح مدني قيودي وسلمني هويتي ونقودي وحقيبتي وقادني الى خارج البناية وقال لي :
- اذهب الى بيتك ولا ترينا وجهك مرة اخرى ؟
سألته :
واين ابراهيم ؟
غاب في البناية دون ان يرد .
* * * *
عدت الى جريدتي مشوشا . اتصلت باهل ابراهيم فاخبروني انه لم يعد وانه لم يتصل بهم . حاولت من بعض الزملاء الذين لهم علاقة بمراجع مهمة في الداخلية الحصول على معلومات حول مصير ابراهيم فلم افلح .
ابقيت الخبر طي الكتمان وتسلمت في اليوم نفسه تقريرا مفصلا عن مؤتمر صحفي عقده السيد الوزير في وزارته تخص زيارته الاخيرة الى دولة من دول الجوار .
كنت استعرض موقع وكالة الانباء الفرنسية حين استوقفتني صورة امنية بثتها الوكالة في الصباح . كان ابراهيم الاول في طابور طويل . يرتدي دشداشة رثة تشبه دشداشة الوزير وشرطي في العشرين من عمره يمسكه من يده وعلى وجهه الابتهاج .
تابعت التعليق المكتوب تحت الصورة فكان التالي :
( احباط محاولة اختطاف وزير شمال بغداد )