عندما فتحت له الباب ووجدته معلق القامة بين عكازه الخشبي والصندوق الاحمر، بدا لها اشد اصرارا على ان تكون هذه المجازفة هي الاكثر جنونا في تاريخ محاولاته الفاشلة. كان الصندوق، قياسا بسمعته العريقة، اصغر مما قد يتخيله المرء، وليس في شكله ما يثير سوى صعوبة التكهن باستعمالاته غير العجيبة مقارنة بوظائف حقائب السفر التقليدية، كما تدل زواياه المرقعة بالمطاط، على انه من صناعة (قيصرية حاج قاسم اغا) وهذا ما افقده برأيها ميزة التفرد، فالناس هنا لا يملون من التكرار وعادة ما يصنعون النماذج نفسها لعدة قرون، لذلك استبعدت ان يكون هذا الصندوق هو صندوق تحقيق الاماني النسائية لصاحبه ملا فسفيس المشعوذ المشهور. هو ايضا فكر في هذا الاحتمال، ولكنه انحاز لحدسه قائلاً إن القاعدة الان هي ان يحتاج الامر في البداية الى شيء فريد، والباقي يترك لخفة اليد.
استعملت اقوى ما في انوثتها من مؤثرات للتأمين على آخر خساراته وافدحها، مدينة قناعته العاطفية بانه الاوفر حظا من مواليد (1960). ساعدتها على هذا محاولاتها الفاشلة في استخدام الماء لغسل الصندوق وابطال مفعول الاستعمالات القديمة. احتفظ بطراوة ابتسامته التي نقلها من ساحة باب الطوب ليومين متتاليين تاركا نشاطها يجرب مساحيق التنظيف، وسوائل (الزاهي والقاصر) المحلية في ازالة الطين الفسفوري، وغبار المذنبات المشع عن الصندوق الاحمر، ولكنها دمرت نعومة اصابعها دون ان تتمكن من اطفاء بروقه الفضائية، ومن خرق معتقداتها الواقعية. واخيرا قالت له ان عليه التكفل به، ولكن بعيدا عن الحوش لانها تخاف على بيتها من فضيحة الالعاب النارية.
تعاونا على نقله الى الحجرة الملاصقة للمطبخ، والتي كان يستخدمها ورشة تصليح للتحف القديمة التي يلتقطها من المزادات والارصفة. وضعاه على منضدة واطئة من بقايا اثاث غرفة الاستقبال، وقبل ان تغلق الباب سألته ان كانت لديه اية وسيلة عن كيفية الاستفادة من الصندوق. اجاب بثقته النادرة التي كان يصبّرها بها طوال عقد وربع من الزواج بانه سيصبح مشعوذاً.
لم تستطع عواطفها معالجة هوسه بالاشياء التي لا تنفع. فمنذ ان عاد من الحرب الاولى بساق واحدة وهو يجد الوقت الوفير لتحقيق احلامه، مستعينا بمعادنها الاصلية التي كانت تجعله يبدو اكثر زهواً من معوق لا يملك سوى امتيازات الشفقة. كانت تمرن قلبه على الاستخدام الامثل لاطرافه المتبقية، مظهرة فوائد ان يكون اكثر خفة واقل ضجة في حبهما الشرعي. في البداية دأب على جمع التحف ظناً من سعادته ان الوضع سيستمر على هذا الرخاء المناسب. كان يزداد فتنة كلما عثر على شيء يستحق ان ينظر اليه لسنوات طويلة. ووجدت في هواياته المسرفة فرصة للتعادل السلبي، فقد نسي الى الابد انه بحاجة الى طفل منها، وانشغل بتبذير رواتبه ومستحقاته في توفير الاجواء اللازمة لشخص يحب الحياة، حتى وصل به الامر الى ان يأخذ عشر دقائق من جريدة ام الربيعين التلفزيونية ليعرض امام ابتسامة فرقد الملائكية القصبة التي كان يكتب بها آشور بانيبال حوليات بطولاته، والنرجيلة التي اخترعها نادر شاه، والفرشاة التي كانت في يد (ضرار القدو) عندما مات، وزجاجة ربع العرق الاخير للاديب حمد صالح.
تركته ينام مع صندوقه لثلاثة ايام، كان شعر ذقنه ينمو فيها بسرعة فائقة. تغير شكله الى الحد الذي ذكرها بمحاولته الاشد فقراً مع رواج زيت الحبة السوداء عندما كان يفترش الرصيف بخرقة بيضاء في مدخل شارع النجفي. لم تصدر منه اية ضجة. كان تائه الذهن بين صفحات الكتب الصفر التـي عثر عليها في الصندوق مع العصي وقطع الخشب، وعظام مشدودة باسلاك رفيعة تعود لطير الهدهد، مع هياكل عظمية لقنافذ دندانية الاصل، وحصى ملون، وخرز بيضوي. كان يخبرها في استراحاته القصيرة انه يحقق التقدم المطلوب نحو لقب خليفة اشهر مشعوذ في تاريخ الموصل. احزنها هذا الامر، فأزقة (عمو البقال) لم تنس له تهمة الاحتيال التي لحقت بسمعته في العام الماضي. اعتادت ان تتركه يفعل ما يريد لشعورها العميق بان من المشقة ان يولد المرء وهو على هيئة ذكر، وايضا لانه اجدر من يثمن الجمال. وعندما بدأت البيوت تعرض اثاثها على الارصفة كان يجعل من موافقتها الحد الفاصل بين الفقر والغنى، فيخرج من البيت بجهاز التسجيل ليعود بعمامة ابن الاثير. ثم يخرج بالثلاجة ليعود بمزهرية كبيرة يقول عنها انها تعود لسفير الصين في العصر العباسي. استبدل محتويات البيت بكماليات فقدت اهميتها الاعتبارية على امل ان يجد المشتري الذي يفوقه جنوناً، ولكنه كان يضطر الى التخلي عن انتظار فرصته الذهبية ليعرض كنوزه وهو على استعداد كبير للتضحية. لم يكن هو من ابتكر تلك اللعبة التي تظهر في موسم الاعياد مثل حلقات مريبة على الارصفة. ساعدته في اعداد قصاصات الورق الفارغة بعد ان قال لها ان هذه الحيلة لن تجعل الاولاد يصرفون نقودهم في شراء السجائر لاحراقها في السينمات. استبدل كل ما يملك من نقود بلعب اطفال مغرية ووقف بها على رأس شارع الدواسة مع كيسه الحامل لاوراق الحظ بعد ان اتفق مع اربعة من صبية الزقاق، مهمتهم سحب الورقة الرابحة لتشجيع الصغار والكبار على شراء ورقة فارغة بخمسين ديناراً. نجح في ادارة المهرجان لساعات طويلة كانت تعاد فيه اللعب الفائزة ما ان تتغير الوجوه اليائسة من حظها، ولكنه لم يعد الى البيت لان الشرطة قبضت عليه مع ثلة من مقامري شارع حلب وبائعي صور البنات التركيات.
في اليوم الرابع بدا لها اكثر هدوءاً واشد غرابة. اخذ يطيل النظر الى السقف محركا المروحة بلا كهرباء، مما جعلها تظن بانه سينجح في اخراج الطيور من القبعة، وفي ادخال البيضة في فمه واخراجها من اذنه. لم تستطع رسم صورة خيالية له وهو يعرض مهاراته امام الناس، ولكنها اصيبت بالرعب من احتمال ان يشركها في عروضه فيقطعها بالسيف الى قطع صغيرة ليعيد تركيبها من جديد بلمسة واحدة. هي تعرف أن هذا الصندوق هو الاقرب الى مواهبه من اية حماقة اخرى لانه كان يؤمن بان الثراء محض سحر، وان الاغنياء هم اكثر الناس استغرابا من سهولة كسبهم للمال، لذلك لم يكن من المصادفة ان تتعمق علاقته مع المفوض جاسم الذي وجده (ابن ناس) يقف مع دمعته اللؤلؤية وراء قضبان التوقيف دون ان يمتلك الرغبة في التعايش الوقتي مع المجرمين، كما ان جسده كان يخلو من الوشم، وفي وجهه علامات طيبة فارقة. ومن المفوض جاسم عرف بامر المزايدة العلنية التي اعلنتها مديرية الشرطة وفق قانون بيع وايجار اموال الدولة رقم (32) لسنة (86) المعدل والتي تضم كما اخبره آلات تعذيب تاريخية تعود الى فترة الحكم العثماني مع ملابس واحذية وساعات يدوية لمجرمين قتلتهم العدالة، واشياء اخر كثيرة منها صندوق ملا فسفيس الذي كان يسكن في غرفة خربة خلف بناية المديرية في الربع الاول من القرن العشرين، وابلغه ان مركز الادلة الجنائية، رفع عن الصندوق بصمات مشعوذ الموصل المعروف، وان الملا، كما ذكرت التقارير السرية، كان يحقق رغبات النساء بهذا الصندوق الذي لا احد يعرف كيف يعمل.